رؤى

رؤية صينية حول كورونا (1-3): «الكبرياء والتحامل».. تجربة الصين التي ينكرها الغرب

 

جيا زنغ – باحثة دكتوراه في العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة وارويك ببريطانيا، وتتركز اهتماماتها البحثية حول التقاطعات بين الثقافة السياسية والسياسة العامة الصينية وحوكمة الإنترنت.

عرض وترجمة: أحمد بركات

تقديم:

وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، بسبب تباين المصالح في طيف واسع من القضايا والملفات، وبعد أن نشر «أصوات أونلاين» العديد من المقالات التي توضح وجهة النظر الأمريكية الرسمية التي تحمل الصين مسؤولية ما يشهده العالم من انتشار سريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد -19)، يبدأ الموقع في نشر سلسلة معاكسة من المقالات المترجمة التي تعبر عن الرؤية الصينية غير الشائعة في الإعلام العربي.. وإلى نص المقال…

«أصوات أونلاين»

قبل أشهر قليلة، كان سؤال «ما هي أكثر القضايا تأثيرًا في الأونة الأخيرة؟» يستثير إجابات متباينة، أما في الوقت الحاضر، فأراهن أن الغالبية الغالبة ستجيب ببساطة وتلقائية: «كوفيد-19». في البداية، ضرب الوباء مدينة ووهان، وأصاب الصين بالشلل التام في نهاية يناير لمدة شهرين كاملين، ولا تزال آثاره الجانبية تتداعى على البلاد، والأسوأ من ذلك، أنه قبل أن تتمكن الصين من الوقوف على قدميها مجددًا، أوقع الفيروس العالم بأسره في شرك وباء لم يشهده منذ اجتياح الإنفلونزا الإسبانية قبل 100 عام.

والآن، تكافح أوربا وأميركا الشمالية وأماكن أخرى كثيرة ضد كوفيد-19، ولا يزال من غير المعروف متى ينتهي هذا الوباء، وفي الوقت الذي تتعافى فيه الصين، يجتاح الفيروس مزيدا من الدول، لكن الصين لم تبدد وقتها في البكاء على ضحايا كابوس الوباء، بل شرعت -بمجرد أن وقفت على أقدامها- في تقديم المساعدات لأي دولة تحتاج إليها، فأرسلت خبرائها إلى باكستان وإيران والعراق وإيطاليا وغيرها من الدول، وشاركت خبراتها مع خبراء دوليين في مجال الصحة، وقدمت معدات من مختلف الأنواع بحسب طلب كل دولة.

لكن المفارقة تكمن في إصرار دول كثيرة على التعامي عن تلك الجهود، ورمي التهم جزافا دون أي تثبت علمي، على سبيل المثال، تصرف بعض السياسيين وكأن العدو الحقيقي الذي يجابهه العالم اليوم ليس كوفيد -19، وإنما أولى ضحاياه التي عانت وكافحت وانتصرت عليه وتمكنت من تجاوز المحنة.

وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الصوت الأعلى في كيل الاتهامات، حيث يعمد الرئيس ترمب مرة تلو الأخرى لربط اسم الفيروس بووهان والصين، ففي مؤتمر صحافي في 11 مايو 2020، أجاب ترمب على مراسل من شبكة CBS بأن عليه أن يسأل الصين عن موت أكثر من 80 ألفًا في الفترة التي يقود فيها الولايات المتحدة، لكنه لم يتورع في خضم مساعيه للفوز بالانتخابات المقبلة عن مطالبة شعبه بالعودة إلى العمل لتعزيز الاقتصاد، برغم تحذيرات المسؤولين الصحيين في إدارته من أن ذلك سيزيد الموقف تعقيدًا.

ترامب يتوعد الصين بعقوبات حال ثبوت تورطها بتفشي فيروس كورونا

المال أم الحياة؟ هذا هو السؤال، ومع ذلك، لا بد أن نسأل: مال مَن؟ وحياة مَن؟ فمن أجل الفوز بالانتخابات، وإلقاء مسؤولية المأساة على الآخرين، لا يتورع هؤلاء السياسيون غير المسؤولين عن تقديم الصين، ومنظمة الصحة العالمية، وأي شخص، وأي شيء ككبش فداء، لإعفاء أنفسهم مما اقترفوه من سوء تقدير، وسوء أداء في مواجهة الوباء.

يستطيع المرء القادر على التفكير المستقل أن يدرك بوضوح أن إلقاء اللائمة على الآخرين في أوقات الأزمات -خاصة إذا كانت هذه الأزمة هي مواجهة مرض مجهول- تمثل عملا غير مسؤول، وبدلا من ذلك فالأولى هو اتخاذ تدابير سريعة وفعالة، ومن ثم، فإن الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تطرح نفسها هي: مَن هو العدو الحقيقي، المرض أم الصين؟ ما الأهم عندما تصطدم المجتمعات الإنسانية فجأة بعدو غير مرئي، التكتل من أجل محاربة المرض أم بث الكراهية بين مكونات هذه المجتمعات؟

بعبارة أخرى، هل يجب أن نلقي باللائمة على الآخرين، أم أن نتحد، إذ أنه لم يحدث في التاريخ أن وجد بنو البشر أنفسهم جميعًا في مواجهة عدو واحد على هذا النطاق الواسع؟ لاتخاذ القرار الصحيح، دعونا نلق نظرة على ما حدث في جميع أنحاء العالم في أول شهرين، عندما انتشر كوفيد-19 في الصين فقط.

منذ ديسمبر 2019، ظهرت حالات كوفيد-19 في مدينة ووهان، وسرعان ما تم إبلاغ منظمة الصحة العالمية رسميًا، وبرغم بعض التأخير في البداية، حيث كان الخطر المحتمل للمرض لا يزال غير معروف، إلا أنه بمجرد التأكد من قابليته للانتقال من إنسان إلى إنسان، خاضت الصين على الفور معركة واسعة النطاق بإغلاق المدينة ومقاطعة هوبي بأكملها، وإرسال أكثر من 42 ألف عامل في مجال الصحة من المتخصصين في أمراض الجهاز التنفسي، والأمراض المعدية، وطب الرعاية الحرجة من جميع أنحاء الصين إلى هناك[1].

كيف قمعت الصين كورونا؟

وعندما خاضت الصين معركتها ضد الوباء، وقدمت تضحيات هائلة حتى لم يبق سوى حالات قليلة للغاية، كان الجميع في الخارج يشاهدون ما يحدث داخل الصين من بعيد، لكنهم فجأة وجدوا أنفسهم عالقين ومكبلين. ماذا فعل بقية العالم، خاصة في أمريكا الشمالية وأوروبا [1] – التي تمثل الآن مراكز تفشي هذا الوباء– منذ منتصف يناير، عندما بدأ فيروس كورونا يضرب الصين بقوة، حتى نهاية مارس الماضي، عندما انتشر الوباء في جميع أنحاء العالم؟ وبعد معاينة الذعر والأضرار التي سببها كوفيد-19 في الصين، كيف استعدت هذه الدول لمواجهة المرض؟

جزء من الإجابة على هذه التساؤلات تم تسليط الضوء عليه في فيلم رسوم متحركة بعنوان Once Upon a Virus (يُحكى عن فيروس) عُرض مؤخرا، ويسخر بقوة من رد فعل الولايات المتحدة على الصين فيما يتعلق بكوفيد-19.

فيلم الرسوم المتحركة «Once Upon a Virus»

يعكس فيلم الرسوم المتحركة فقط زاوية واحدة من صورة بالغة التعقيد، ففي الوقت الذي أغلقت فيه الصين مدينة ووهان ومقاطعة هوبي، ومن بعدهما سائر المدن والأقاليم لمحاربة الفيروس المستجد، وحاولت تحذير بقية دول العالم من هذا الخطر، كانت استجابة ساعة بيج بن، وبرج إيفل، وبرج بيزا المائل، وقصر نويشفانشتاين، لا تختلف في كثير عن استجابة تمثال الحرية.

على هذا النحو، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن المعنى الضمني الذي تحمله هذه الإجابة المتماثلة في طياتها. ربما يكمن هذا المعنى هنا: «إذا كانت دولة نامية بحجم الصين قادرة على التعامل مع هذا الأمر، فإن هذا يعني أنه لن يمثل تهديدا للدول الغربية المتقدمة، وإذا فشلت الصين، فإنما يرجع ذلك إلى أنها دولة غير متطورة».

كما تردد أن هذا الفيروس لن يضرب سوى الصين والدول الآسيوية فقط، فمن منظور بعض الغربيين، لا تتجاوز الصين أن تكون دولة استبدادية ذات نظام رعاية صحية منهار، وشعب خانع ومفتقر إلى عادات النظافة الشخصية، أليس هذا نموذج تمثيلي للكبرياء والتحامل؟ ولاستعراض نموذج «الكبرياء والتحامل» الذي أبرزه هذا الوباء بصورة واضحة، سوف أمثل لثلاث قضايا بالغة الأهمية، وهي استيعاب الصين للوباء المتفشي، وخطورة مرض كوفيد-19، والمسؤول عما حدث.

استيعاب الوباء

على الرغم من أنه في الأيام القلائل الأولى من تفشي الوباء، اتخذت الحكومة المحلية في ووهان سلسلة من القرارات الكارثية، مثل التأخر في إبلاغ السكان المحليين عن الحالات لخلق الوعي الكافي بالمرض المجهول، مما أدى إلى تفشي المرض في نهاية يناير، فعلى سبيل المثال في 18 يناير، وهو يوم «مهرجان الربيع المصغر»، الذي يسبق «مهرجان الربيع» في الصين بأسبوع، واصلت مجموعة في ووهان إقامة مأدبة تضم أكثر من عشرة آلاف أسرة، كما جرت العادة في الاحتفال بهذا المهرجان منذ عام 2000.

مهرجان الربيع في الصين

وبعد خمسة أيام، في 23 يناير الماضي، عندما تأكدت قابلية انتقال فيروس كورونا من إنسان إلى إنسان، قررت الحكومة الصينية إغلاق مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي، والتي يبلغ عدد سكانها 10,607,700 نسمة، وفي غضون أيام قليلة، تقرر إغلاق المقاطعة بأكملها، وإضافة إلى الإغلاق في هوبي، بدأت أماكن أخرى في الإغلاق حيث طالبت السلطات المحلية من المواطنين البقاء في منازلهم.

وقد جاء هذا القرار بناء على اقتراحات تقدم بها خبراء طبيون نتيجة لعدم توافر علاج، فضلا عن عدم توافر الإمدادات الطبية الكافية لتقديم الخدمات اللازمة، وكان الإجراء الأكثر فعالية، برغم بدائيته، هو الإغلاق والحجر الصحي، وكما أعلن أحد الأطباء للجماهير: «دعونا نلزم المنازل، لنخنق المرض في أسبوعين». بعد ذلك مباشرة، اقترح الأكاديمي زونغ نانشان أسبوعين آخرين. في الوقت نفسه، شدد الخبراء الطبيون على ضرورة ارتداء الأقنعة «الكمامات» عند الخروج من المنازل.

وعلى الرغم من اعتراف العالم الآن بسياسة الإغلاق وتطبيقه لها، إلا أن الغرب تصرف على نحو مختلف عندما التزمت بها الصين، فقد انتقدت معظم الدول هذه السياسة، واعتبرتها انتهاكًا لحقوق الإنسان، ولنأخذ مثلا صحيفة «نيويورك تايمز»، حيث يسرد الجدول التالي العديد من تقاريرها عن الإغلاق وإجراءات الحجر الصحي في ووهان من نهاية يناير إلى منتصف فبراير الماضيين.

تراشق كلامي واتهامات حول حقوق الإنسان.. بين الصين والولايات المتحدة

وصفت الصحيفة الأميركية احتواء الصين للمرض بالفوضى العتيقة والعارمة التي لم تكتف بتحويل ملايين الناس في ووهان إلى مشردين وتركهم دون إمدادات طبية، وإنما أجبرت الصينيين أيضا على الانقلاب على بعضهم البعض، مما أدى إلى وقوع هذه الكارثة الإنسانية، كان ذلك من وجهة نظر الصحيفة إما غير إنساني أو دليلا على عدم كفاءة الحكومة الاستبدادية في الصين.

وعلى خلفية قرار إلحاق جميع المرضى الذين تم تشخيص حالاتهم بالمستشفيات، أو بناء مستشفيات جديدة لاستيعاب مزيد من المرضى، وصف البعض المستشفيات بأنها معسكرات اعتقال، ومن ثم تم توصيف الجهد الحكومي على أنه محاولة لبناء ديستوبيا، أو في أحسن الأحول على أنه جهد فوضوي.

China Expands Virus Lockdown, Encircling 35 Million (23 January) https://www.nytimes.com/2020/01/23/world/asia/china-coronavirus-outbreak.html
As Coronavirus Fears Intensify, Effectiveness of Quarantines Is Questioned (26 January) https://www.nytimes.com/2020/01/26/world/asia/coronavirus-wuhan-china-hubei.html
Will the Largest Quarantine in History Just Make Things Worse? (27 January) https://www.nytimes.com/2020/01/27/opinion/china-wuhan-virus-quarantine.html?_ga=2.88340882.861710894.1588847997-533319709.1588847997
China Pledged to Build a New Hospital in 10 Days. It’s Close (3 February) https://www.nytimes.com/2020/02/03/world/asia/coronavirus-wuhan-hospital.html
China, Desperate to Stop Coronavirus, Turns Neighbor Against Neighbor (4 February) https://www.nytimes.com/2020/02/03/business/china-coronavirus-wuhan-surveillance.html
China Tightens Wuhan Lockdown in ‘Wartime’ Battle with Coronavirus (6 February) https://cn.nytimes.com/china/20200207/coronavirus-china-wuhan-quarantine/zh-hant/
Huge Shelters for Coronavirus Patients Pose New Risks, Experts Fear (11 February) https://www.nytimes.com/2020/02/11/health/coronavirus-quarantine.html
Huge Shelters for Coronavirus Patients Pose New Risks, Experts Fear (11 February) https://www.nytimes.com/2020/02/11/health/coronavirus-quarantine.html
China Expands Chaotic Dragnet in Coronavirus Crackdown (13 February) https://www.nytimes.com/2020/02/13/world/asia/13china-coronavirus-cases.html
China Expands Chaotic Dragnet in Coronavirus Crackdown (14 February) https://cn.nytimes.com/china/20200214/china-coronavirus-cases/dual/

وعلى سبيل المفارقة، في 8 مارس، وقبل 20 دقيقة فقط من إشادة الصحيفة عبر حسابها على موقع فيسبوك بإغلاق الحكومة الإيطالية للجزء الشمالي من البلاد باعتبار ذلك «تضحية بالاقتصاد الإيطالي على المدى القصير لإنقاذه من الدمار بسبب الفيروس على المدى الطويل»، نشرت الصحيفة على صفحتها مقالا آخر بعنوان «قد تتغلب الصين على فيروس كورونا، لكنها ستدفع ثمنًا فاحشًا»، وصفت فيه الإغلاق في الصين بأنه «استراتيجية القوة الغاشمة»، مؤكدة أن “الحملة الصينية تكلفت ثمنًا باهظًا من أرواح الناس وحرياتهم الشخصية”، وأضافت: «يجب على الدول التي ستحذو حذو الصين أن تسأل نفسها إذا كان هذا العلاج أفدح من المرض».

وبالمثل، وصفت الصحيفة استراتيجية سنغافورة في تتبع الحالات المشتبه فيها واختبارها بأنها «تقدم نموذجًا للمحافظة على نفسها من الوباء» [1]، بينما وصفت التدابير ذاتها التي اتخذتها الصين بأنها «دليل على أن حكومة الحزب الشيوعي تقوم بتفعيل أكبر شبكة مراقبة لتتبع 1.4 مليار مواطن» [2].

صورة لصفحة «فيسبوك» الخاصة بصحيفة «نيويورك تايمز» عن الإغلاق في الصين وإيطاليا

 —————————–

[1] https://new.qq.com/rain/a/20200223A0HCTS00

[2] https://www.ecdc.europa.eu/en/geographical-distribution-2019-ncov-cases

[3] https://www.nytimes.com/2020/03/17/world/asia/coronavirus-singapore-hong-kong-taiwan.html

[4] https://www.nytimes.com/2020/02/03/business/china-coronavirus-wuhan-surveillance.html

الوسوم

جيا زنغ

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة وارويك ببريطانيا

مقالات ذات صلة

إغلاق