دار الكتب

في تشريح الهزيمة

‎«لا صلح .. لا تفاوض .. لا اعتراف» .. لم تستطع القرارات الثلاث التي صدرت عن القمة العربية التي عُقدت بالخرطوم في أعقاب هزيمة 1967 – والتي عُرفت بـ «اللاءات الثلاث»، نتيجة صدور قراراتها الحاسمة بأنه لا سبيل إلى الصلح أو التفاوض أو الاعتراف بالكيان الصهيوني – لم تستطع أن تَمحي مرارة الهزيمة التي مُنيت بها مصر والعالم العربي، ورغم مرور ما يزيد عن نصف قرن من الزمان على تلك الهزيمة إلا أن المهتمين بالشأن العربي من كتاب وباحثين بمختلف تخصصاتهم مازالوا مشغولون بتحليل أسباب تلك الهزيمة وأثرها على مصر والعالم العربي. 

حضور جمال عبد الناصر مؤتمر القمة العربى – الخرطوم (مؤتمر اللاّءات الثّلاث)

‎باحث العلوم السياسية ومدير منتدى البدائل العربي، محمد العجاتي، في دراسته المعنونة: «الناصرية والهزيمة: انتكاسة أم انهيار للمشروع العربي؟» يطرح المشروع الناصري في مجمله للمناقشة في إطار محاولة للإجابة على تساؤل خاص بتداعيات هزيمة 1967، وهل تعد مجرد انتكاسة للمشروع العربي أم أنها حالة انهيار تام لذلك المشروع.

‎صدرت الدراسة عن دار «المرايا» ضمن كتاب يحمل عنوان: «في تشريح الهزيمة.. حرب يونيو 1967 بعد خمسين عامًا» من تحرير خالد منصور، الباحث المتخصص في دراسات المجتمع المدني، وبمشاركة عدد من الباحثين حاولوا تقديم مجموعة من القراءات النقدية تنتمي لعدد من التوجهات النظرية المتباينة.

محمد العجاتي، باحث العلوم السياسية ومدير منتدى البدائل العربي 

المشروع الناصري ومرتكزاته الأساسية

‎لا يزل المشروع العربي الناصري محل جدل ونقاش واسع لدى المهتمين بالشأن العربي، إذ يستهل محمد العجاتي طرحه حول المشروع العربي الناصري بالإشارة إلى أن الإشكالية الأساسية المتعلقة بتقييم هذا المشروع تتمثل في النظر إليه من خلال زاوية أحادية يُسقط فيها صاحب تلك النظرة رؤيته الشخصية على تلك التجربة، منتزعا إياها من سياقها الزماني والمكاني، ليخلص في النهاية إلى تقييم مُتَخَيل للتجربة، وليس تقييمًا موضوعيًا يرتبط بأحداث وسياقات يجب تضمينها عند التحليل.

‎ارتبط المشروع الناصري بالقومية العربية التي برزت في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، كنتيجة لعدة عوامل داخلية وخارجية كان من بينها تأميم قناة السويس، والتي تبعتها حركة التمصير وقرارات التأميم في 1961، إضافة إلى ذلك التحول الكبير في مجال السياسة الخارجية المصرية عبر المشاركة في تأسيس حركة عدم الانحياز، ودعم مصر للعديد من حركات التحرر الوطني سواء بالبلدان العربية أو الإفريقية.

 

عبد الناصر يعلن تأميم قناه السويس

‎استند المشروع الناصري وفقا لمحمد العجاتي على عدة مرتكزات:-

 -المرتكز التحرري الذي اتخذ من مقاومة الاستعمار منطلقا له، الأمر الذي تجلى عبر عمليات الدعم الواسعة للحركات المناهضة للاستعمار.

‎-المرتكز الثاني عبر تبني مشروع «دولتي» على غرار تجربة محمد على باشا، ومن ثم كان الاختيار الأمثل يقوم على الدولة وليس الأحزاب أو الحركات الاجتماعية، ومن ثم شاع شعار «الكل في واحد»، الذي عبر عنه الشاعر صلاح جاهين لاحقا من خلال أغنيته «المسؤولية»: «مفيش أنا.. فيه إحنا يا صاحبي». 

محمد علي باشا

‎المثير في أمر المشروع الناصري أنه مع مناهضته الشديدة للاستعمار، إلا أن تلك المناهضة لم تتمكن من إخفاء حالة الانبهار الشديد بالمشروع الحداثي الغربي، وبناء عليه جاء المرتكز الثالث مستندًا على تبني فكرة «المشروع الحداثي» في محاولة اللحاق بركب التقدم وللدفع نحو تحقيق غاية مواكبة المجتمع الصناعي الثقافي العسكري في آن واحد. 

‎جاء المرتكز الرابع معتمدًا على أبناء الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة وثقافتها المتعاطفة مع الطبقات الأدنى والمتطلعة إلى الطبقات الأعلى، ومن ثم إنشاء ما يشبه التحالف ما بين ضباط الجيش المصري وبعض الشرائح المدنية من أبناء الطبقة الوسطى، ليقف ذلك التحالف في مواجهة الطبقة البرجوازية الزراعية.

بتلك المرتكزات الأربعة انطلق المشروع الناصري متوجها نحو إنتاج ثقافي وفني بتوجه تقدمي في معظمه، في حدود ما قد يتلاءم ويتوافق مع رؤى المشروع الناصري في مجمله، ومقترنا بتوجه نحو تحقيق هدف اسمى يتمثل في القومية العربية بوصفها هوية سياسية وليست عرقية أو ثقافية أو تاريخية.

‎هزيمة 1967.. الأسباب والآثار

‎اختلف الباحثون والمفكرون حول أسباب الهزيمة، غير أن محمد العجاتي قد قسم أصحاب رؤى أسباب الهزيمة إلى فريقين، يرجع الفريق الأول الهزيمة إلى أسباب عسكرية بحتة تتمثل في ضعف تسليح وتدريب الجيش المصري آنذاك، مستشهدًا في ذلك بما ذهب إليه محمد حسنين هيكل من أن المسؤولية كاملة تقع على عاتق عبد الحكيم عامر وعدم كفاءته في إدارة الجيش.

‎أما الفريق الثاني فيضيف إلى الأسباب العسكرية أبعاد أخرى تتعلق بالسلطوية السياسية وغياب المؤسساتية وتضارب المصالح والصراع المستمر بين أعضاء مجلس قيادة الثورة، إلى جانب مركزية وعشوائية اتخاذ القرار السياسي والعسكري. غير أن الفريقين على اختلاف رؤيتهما قد اجمعا على أنه لم يكن أمام مصر أي مناص لتفادي الصدام المسلح مع الكيان الصهيوني.

‎يستشهد العجاتي في توصيفه لهزيمة 67 بما أشار إليه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في مذكراته لها بأنها «الخسارة التي يمكنها أن تختزل كل الخسائر الأخرى»، حيث مثلت هزيمة 67 صدمة كبرى للمصريين والعرب على حد سواء، ولم تعد القضية الفلسطينية هى الهدف الأوحد والأسمى، وتعرضت الحركة القومية لنكسات أخرى كأحداث الأردن في 1970، والحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت حتى الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982.

‎شكلت هزيمة 67 نقطة تحول للمشروع الناصري حيث أدى ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري إلى تفاقم عجز الموازنة، فتخلت الحكومة عن العديد من المشروعات التنموية الكبرى، وارتفعت وتيرة الاقتراض بهدف التمويل العسكري.

‎يختتم محمد العجاتي تناوله للمشروع الناصري والآثار المترتبة على هزيمة 1967، بالإشارة إلى أن حرب أكتوبر 1973 جاءت لتمنح السادات شعبية مكنته من تمرير العديد من القرارات الاقتصادية، ومن ثم تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي تحت دعوى إصلاح العطب الذي أصاب النظام الاقتصادي في مصر نتيجة الحرب.

‎نجم عن مجمل سياسات السادات والتي عُرِفَت بسياسة الباب المفتوح أن شهد المجتمع المصري صعود طبقة جديدة لم تكن لها وجود من قبل، تلك الطبقة التي عُرفت باسم الطبقة «الطفيلية» من أصحاب روؤس الأموال، في مقابل مزيد من التهميش للفئات الأكثر فقرًا.

أنور السادات، ووزير الخارجية الأمريكي هنرى كيسنجر

‎إن هزيمة 67 لم تكن هزيمة عسكرية فحسب، بل أنها مثلت هزيمة للمشروع التقدمي التحرري بكل ما يحمله من أبعاد اجتماعية، ومع هزيمة المشروع التحرري تصاعد المشروع السلفي الرجعي، الذي باتت السعودية أبرز أقطابه، فما نشهده من تصاعد للدور الخليجي في اللحظة الراهنة لم يكن سوى ثمرة تلك الهزيمة.

فرص استعادة المشروع

‎المشروع العربي الذي تعرض للهزيمة الناجمة عن هزيمة 1967، وما تبعها من هزائم مازال قادرًا على استعادة مساره شريطة أن يلتفت مُتبنيه إلى معالجة عدة ملفات متعلقة بملف الأقليات والديمقراطية والمواطنة، إلى جانب التفاعل الإيجابي مع مجمل قضايا العصر، والحرص على إشراك الجماهير بحيث يصبح الحراك من أسفل إلى أعلى وليس العكس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: