فن

الأغنية على خط النار.. مواجهة الهزيمة بالغناء

 

 

‎في أثناء لحظات الانتشاء الوطني وتنامي الحلم القومي، وقع الزلزال الذي هز الجميع، وأفقد الوطن توازنه، فصار الحلم محل شك، وتحولت الآمال التي رسمتها كلمات صلاح جاهين «تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا.. في قرية عربية» آمالا بعيدة المنال.

هي الهزيمة التي لا مفر من الاعتراف بها ومواجهتها، حينها كان على السلاح الذي أعدته مصر طوال سنوات أن يتماسك، ويشحن ذخيرته ويشارك في استعادة الروح ومواجهة المحنة، كان على الأغنية أن تعود إلى الواجهة كسلاح يطرد روح الهزيمة ويمحو آثارها من النفوس.

لم يكن «صلاح جاهين» هو الوحيد الذي اسكتته الصدمة عن الكلام المباح، وتوقف مؤقتًا عن الغناء، فقد شعر بمرارة الهزيمة بطعم مغاير، وكان إحساسه القاتل بالمسؤولية لا يقل عن إحساس الزعيم «ناصر»، والذي كان جليًا في عينيه وحشرجة صوته أثناء خطاب التنحي.

 

الأغنية تستعيد الروح

كان لابد من استعادة التوازن سريعًا، وكان على الأغنية التي بشرت بـ «النهار»، أن تتمسك بالتبشير بفجر جديد، وعلى قدر أهل العزم تأتى العزائم، فلم تمر سوى ساعات على الهزيمة، حتى خرج عبد الرحمن الأبنودي صارخًا بصوت عبد الحليم حافظ وموسيقى بليغ حمدي

«أبدا بلدنا ليل نهار

بتحب موال النهار»

 

لتكون أول صرخة في وجه الهزيمة، ويقول مجدي العمروسي، في كتابه «كراسة الحب والوطنية: السجل الكامل لكل ما غناه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ»، إن الأبنودي بدأ في تأليف (عدى النهار)، من وحي لحظة الصدمة في حضور عبد الحليم، ليبدأ بعبارة (عدى النهار) حتى وصل إلى عبارة (أبو النجوم الدبلانين)، وتوقف عندها ولم يستطع استكمال الأغنية، فاقترح عليه عبد الحليم عبارة (أبو الغناوي المجروحين)، فاستأنف الأبنودي بعد ذلك التأليف، وقصدت الأغنية بشكل عام أن الهزيمة لن تكسر الإرادة المصرية، وأنها ستعبرها، وكان ذلك واضحا في كلماتها التي جاء فيها:

«يا هل ترى الليل الحزين

أبو النجوم الدبلانين

أبو الغناوي المجروحين

يقدر ينسيها الصباح

أبو شمس بترش الحنين

أبدًا بلدنا ليل نهار

بتحب موال النهار»

ومن أهم الأغنيات التي قدمت بعد الهزيمة تأتي أغنية «أحلف بسماها وبترابها»، التي تحولت إلى قسم وطني كتبه الأبنودي ولحنه كمال الطويل، وصار العندليب يغنيها في بداية كل حفلاته حتى تحقق نصر أكتوبر.

‎وبعد أشهر من الهزيمة كتب محسن الخياط ولحن كمال الطويل وغنى عبد الحليم، واحدة من أهم الأغنيات التي ما تزال حية حتى الآن وهي «سكت الكلام والبندقية اتكلمت»،‎ وكانت تلك الأغنية قادرة على تحريك طوفان من المشاعر الوطنية في لحظة شديدة الخطورة من تاريخ الشعب المصري

«بلدي بلدي يا بلدي

 بكل حبي للحياة بلدي وبكل بسمة فوق شفايف ولدي

 وبكل شوقي للفجر وشروقي

 وبكل نبض الثورة في عروقي

 جتلك وأنا ضامم جراح الأمس

 حالف لرجعلك عيون الشمس

صوت أم كلثوم العظيم كان أيضًا في قلب دعوة الغناء للصمود، فبعد أسابيع قليلة من الهزيمة غنت كوكب الشرق قصيدة «إنا فدائيون»، كلمات عبد الفتاح مصطفى ولحن بليغ حمدي، وكانت الأغنية التي أعدت في وقت قياسي رغبة من سيدة الغناء العربي في مواكبة الحدث،

‎وتقول «إنا فدائيون نفنى ولا نهون»، ثم قدمت بعد ذلك أغنية «حق بلادك» من كلمات عبد الوهاب محمد، ولحن رياض السنباطي.

في ذلك الحين فتحت الإذاعة المصرية أبوابها، وكانت الأغنيات يتم تسجيلها وإذاعتها على الفور، وأقام عدد كبير من المطربين والشعراء والموسيقيين في الإذاعة لتسجيل أغنيات تتفاعل مع الحدث، وقدموا تلك الأعمال دون مقابل.

ولأن زلزال الهزيمة كان أعنف في مدن القناة التي تعرضت للقصف، فقد اختار الفنان محمد حمام التوجه إلى السويس، وشارك في المقاومة الشعبية، وشكل حمام وفرقة «أولاد الأرض»، علامة بارزة من علامات المقاومة والتحدي، وغنى حمام من كلمات الأبنودي وألحان إبراهيم رأفت أشهر أغنيات المقاومة، وهي «بيوت السويس»، التي كانت بمثابة وثيقة صمود وتحدي للهزيمة واعتبرت ملحمة فنية للمقاومة، ونشيد للمقاومين من أهل المدينة الباسلة «السويس» أحد أهم قلاع المقاومة.

فرقة أولاد الأرض

«يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي

أستشهد تحتك وتعيشي أنتِ

أستشهد والله وييجى التاني

فداكِ وفدا أهلي وأوطاني

وأموت ويا صاحبي

قوم خد مكاني

دي بلدنا حالفة

م تعيش غير حرة»

وقد فتحت أغاني كبار المطربين الطريق للعديد من المواهب الجديدة التي قدمت أغنيات شحذت الهمم وطالبت بالتماسك، ومن بين تلك الأعمال أغنيه كتبت بعد 67 مباشرة، ولكنها لم تغن إلا عام 73، وهي أغنية «مدد.. مدد.. شدي حيلك يا بلد»، والتي غناها الراحل محمد نوح، وتحولت من شهرتها ونجاحها إلى نشيد شعبي يتغنى به المواطنون في كل مكان كما غناها نوح للجنود على الجبهة لرفع روحهم المعنوية، وقدمت ضمن مسرحية حملت نفس الاسم على المسرح الحديث بعد حرب أكتوبر.

أغنية أخرى عظيمة لمقاومة الانكسار هي أغنية «رايحين رايحين في أيدنا سلاح.. راجعين راجعين شايلين رايات النصر»، كتبت أيضا بعد 67، وقدمت في فيلم «العصفور» الشهير ليوسف شاهين، لكنها اشتهرت في مرحلة ما بعد 73، وظن كثيرون أنها من أغاني العبور بينما هي كانت نبوءة مبكرة.

نزار ونجم وإمام ونقد الهزيمة

‎كانت مصر وأمتها العربية تحتاج إلى تلك الروح التي تستعيد طاقة شمس الأمل، وتبدد اليأس الذي خيم على الجميع وتقاوم الانكسار الذي صنعته الهزيمة القاسية، ‎وعلى الجانب الآخر كان النقد لاذعًا وموجعًا إلى درجة جلد الذات، وكانت أصوات الكثير من المثقفين والشباب مصريًا وعربيًا يطالبون بمحاسبة المسؤولين والمقصرين.

من دمشق خرجت قصائد نزار قباني الغاضبة الجارحة، ومن القاهرة كتب أحمد فؤاد نجم، وغنى الشيخ إمام عيسى، وتلاقت هذه الانتقادات مع مظاهرات الطلاب في 1968، التي خرجت تطالب أيضا بالمحاسبة والمكاشفة، وإعلان أسباب الهزيمة.

كانت مصر تملك قوة ناعمة عظيمة استطاعت أن تعبر عن الوجع، وأن تزرع الأمل في نفوس الملايين وكانت الأغنية هي السلاح الأهم في استعادة الروح، والدخول بعد فترة قصيرة في حرب الاستنزاف والإعداد لمعركة النصر في أكتوبر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: