رؤى

الصوفية والسياسة في مصر 2011-2020 (1-2)

 

لماذا دخل التصوف إلى المعترك السياسي عقب يناير 2011؟ وما الذي جعله يتراجع عنه عقب يونيو 2013؟ وهل يمكننا الرهان على التصوف كفاعل سياسي؟ وهل يمكن أن يصبح التصوف جزءًا من اللعبة السياسية على المدى البعيد؟

لقد عاد المجال العام المصري إلى الحياة مرة أخري بعد موات دام طويلًا بفعل النظم السياسية الاستبدادية المتعاقبة عليه، ليشهد انفتاحًا تجلي في مشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية، ناهيك عن الدينية، في تشكيله ورسم حدوده غداة ثورة يناير 2011.

 حاولت القوى الدينية المشاركة في صياغة المجال العام المصري بعد الثورة، ولكن هذه المشاركة تحولت إلى رغبة في احتكار هذا المجال والانفراد به، وهو ما خلّق حالة من الاستقطاب والتخوف من أن تسود الرؤية الدينية، ومن ثم تكرس لنظام ديني متشدد يحكم الدولة والمجتمع.

في ذات الوقت شهد الواقع السياسي حالة من التشظي ليس داخل القوى العلمانية فحسب، بل الدينية أيضًا، تجلت في انشطار تلك القوى إلى أحزاب وقوى متعددة التوجهات والإيديولوجيات، ومن ثم أصبح أمر احتكار فصيل وحيد للمجال العام أمرًا صعبًا.

الطرق الصوفية ودروها في الحياة السياسية بمصر

تحول في الموقف

  لم يكن التيار الصوفي بمعزل عن حالة الحراك السياسي بُعيد الثورة، ضاربًا بذلك جل تراثه عرض الحائط، ذلك التراث الداعي إلى الزهد والتقشف والبعد عن الدنيا وملذاتها، تاركًا الشأن العام والسياسي للآخرين لصوغه وتشكيله.             

 تمثلت مكانة الصوفية في الإسلام طوال تاريخه في التركيز على الجوانيات الفردية، أو ما يُسمى بـ «علم الطريق إلى الآخرة»، الذي يركز على تطهير القلب، وكذلك على الجانب النظري المتصل بالجوانب الغامضة للإيمان، إلا أنه بحلول القرن الثاني عشر الميلادي ظهر المتصوفة كطرق لها إطارها التنظيمي التراتبي، إذ يقود كل طريقة مُعلم أو شيخ ويخلفه شخص معين أو خليفة في كل جيل.

 تلك الطريقة تحصل على الاعتراف بها من خلال سلسلة من التكوينات والانتقالات تعود إلى الشيخ المؤسس، وما قبله حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ثم تحول المتصوفة من التجربة الروحية الفردية الجوانية إلى تجربة تنظيمية قائمة على الممارسة الطقوسية الجمعية، الأمر الذي أفسح المجال أمام ممارسة سياسية واجتماعية في مرحلة لاحقة.

موكب صوفي يتجول في القاهرة عام 1870م

من المقدس إلى الدنيوي

 لقد استند المتصوفة إلى تراثهم من أجل خوض تجربتهم الدنيوية في مختلف مراحلها، ذلك التراث الذي احتوى العديد من المعتقدات التي تُشير على الدوام إلى الغموض، إذ من خلالها وبحسب النظرة الصوفية، يستطيع الإنسان اختراق عالم الغيب أو عالم الحقيقة المطلقة، أو على الأقل يمكن النظر إليها كونها سعيًا متواصلًا نحو الغيب. وبحسب ذلك، جاءت التجربة الصوفية في تجلياتها الروحية الفردية ثم الطرقية التنظيمية من أجل مساعدة أتباعها على تحقيق أعلى مستوى من الأمان خلال رحلتهم نحو عالم الغيب، ثم من أجل البحث عن موطئ قدم في الحياة الدنيوية.

 فمع ظهور الصوفية كحركة طرقية اجتماعية، شهدت كل طريقة وجود أعداد متنامية من الأتباع والمريدين، حيث عرفت طفرة ملحوظة في شعبيتها، فامتدت في البداية بين الريفيين، ثم بين الحضريين، بحيث نجدها- منذ عشرات السنين- قد توطنت بين مختلف الطبقات والشرائح  الاجتماعية، الأمر الذي خلق لها نفوذًا وتأثيرًا سياسيًا كبيرًا، ففي الوقت الذي حققت فيه هذه الطرق نوعًا من الانتشار في أنحاء العالم الإسلامي، فإن شيوخ هذه الطرق أيضًا حققوا سلطة في كل من العالمين الروحاني والدنيوي في آن، عبر حصولهم على التقديس والولاء من قبل الآلاف من الأتباع الذين أقسموا يمين الطاعة لهم.

وتأسيساً علي ذلك، فإن القائل بكون المتصوفة جماعات منعزلة وغير سياسية أو أنها مجرد أدوات بسيطة للهيمنة الرسمية (هيمنة الدولة)، يجانبه الصواب في شطرٍ كبيرٍ من ادعائه، حيث يشهد الواقع في معظم بلدان العالم الإسلامي- تاريخيًا- بأن المتصوفة قد لعبوا دورًا محوريًا وفاعلًا فيها وعلى جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وليس أدل على ذلك من الدور الذي لعبته الصوفية في كثير من الثورات ضد الحكومات المستبدة ولإزاحة القوى الاستعمارية، وكذلك استراتيجيات التعاون والصراع مع الحكومات والدول الحديثة في الشرق.

وبحسب ذلك، لم تكن الممارسة الصوفية -في كليتها- مهادنة للأنظمة والحكومات التي سعت -تاريخيًا- إلى خطب ودها، ولا معارضة ومتصارعة معها على طول الخط، بل كانت مزيجًا مركبًا بين المهادنة والمصارعة بحسب ما تقتضيه الظروف التاريخية والاشتراطات الاجتماعية والسياسية لكل حقبة زمنية، إلا أنه لا يجب أن يغيب عنا أن هناك بعض الطرق الصوفية التي اتخذت من أحد المسارين وجهة دائمة لها في تجارب دول مثل الجزائر وليبيا على سبيل المثال.

ويمكننا تفسير هذا التناقض في ضوء ما طرحه عمار علي حسن في كتابه «الصوفية والسياسة في مصر»، حيث رأى أن الفكر الصوفي يستند إلى أربعة أركان هي: الزهد والمعرفة والمحبة والولاية. وأن كل ركن من هذه الأركان يطرح ثقافة سياسية معينة متناقضة في أغلبها.

 فالزهد في الفكر الصوفي- بحسب عمار علي حسن- يعني الانسحاب والبعد عن الدنيا من أجل التطهر للاتحاد بالمطلق أو الحلول فيه، وبالنظر إلي المعرفة الصوفية فإنها تشير إلي تقديس الأشخاص أو الشيوخ، فالشيخ يسلك بالمريد طريق الاقتداء بالسلف، ومن ثم يكون هو المرشد والعارف والخازن للمعرفة والمحتكر لها، وعليه يكون هذا النمط من المعرفة مُكرِسًا لقيم الطاعة والخضوع والاستسلام.

أما المحبة فهي الركن الثالث في الصوفية، وتعمل بدورها على إعلاء قيمة التسامح بين المريدين من ناحية، وبينهم وبين الآخرين من ناحية أخرى، ومن ثم فهي تعمل على إعلاء مبدأ المواطنة، ذلك ما ساعد الصوفية -كمذهب ديني وأخلاقي-على الانتشار والتغلغل في المجتمعات كافة، أما الركن الرابع فهو الولاية تلك التي تأخذ شكلًا رمزيًا يعتمد علي فكرة الكرامة والأسطورة؛ يكون للولي وفقًا لها حق الوصاية على الأتباع، والطاعة والخضوع من المريد.

  وتأسيسًا على هذا التناقض في المنتوج النهائي للفكر الصوفي في نفوس اتباعه، فقد جاءت ممارسة هؤلاء الاتباع السياسية والاجتماعية متناقضة هي الأخرى، فبعض هذه الطرق أصبح أداة طيعة في أيدي الأنظمة والحكومات بل والاستعمار أحيانًا، وبعضها الآخر اتخذ منحًا آخر من أجل التجديف ضد هذا السياق، لكن في الحالتين كانت الدنيا حاضرة في الممارسة الصوفية؛ في الحالة الأولى آتت الممارسة الصوفية من أجل كسب الحظوة عند الحكام ومن ثم الحصول على المال والنفوذ، وفي الحالة الثانية جاءت من أجل الذود عن المكتسبات والدفاع عن الوطن والأرض.

 

 

تشير هذه الممارسة -بشقيها السابقين- إلى تحول في طبيعة الهدف الصوفي من الاتحاد بالمطلق والحلول فيه ومن ثم البعد عن الدنيا وملذاتها، إلى الحلول في الدنيا لأخذ نصيبهم منها بعد أن تركوها لغيرهم. ويرى عمار بن طوبال في مقاله «التصوف النخبوي والسلطة السياسية»، أن هناك نوعين من التصوف يعبران عن هذه النقلة في الهدف والممارسة الصوفيتين ومن ثم يختلفان اختلافًا جذريًا من حيث كيفية تعاطيهما مع السلطة السياسية:

النوع الأول هو التصوف الفردي الذي كان له دورًا كبيرًا في المعارضة السياسية وهو الأسبق في الظهور على الساحة الإسلامية، وارتبط بميل حاد نحو نقد تجاوزات السلطة السياسية والتنديد بشرعيتها.

أما النوع الثاني فيتمثل في التصوف الجماعي، وهو مرحلة لاحقة على التصوف الفردي وقد أوجد هذا التصوف بعض التحالفات مع السلطة السياسية، موظفاً سلطته الروحية في التأثير على العامة لصالح النظم القائمة، وموظفاً مؤسساته الطرقية والزوايا في هذا المجال، وهو ما يفتح الباب أمام مسألة «التوظيف السياسي للطرقية الصوفية»، وهو موضوع حديث آخر.

الوسوم

د. إصلاح عبدالناصر

مدرس علم الاجتماع السياسي- كلية الآداب- جامعة الفيوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق