مختارات

من تراثنا الفكري.. عن «مستقبل الثقافة في مصر»

يعد حلمي شعراوي أحد القامات الفكرية في مصر، فهو صاحب تجربة سياسية غنية تمتد على مدار أربع عقود، فضلا عن دوره البارز في تأسيس حقل الدراسات العلمية عن إفريقيا، فكان ولا يزال أحد أبرز المتخصصين في الشأن الإفريقي، وهو لكل لذلك يعد ركنًا أصيلًا من أركان الثقافة المصرية. حلمي شعراوي كتب هذا الراي علي «صفحته علي الفيس بوك» وتعيد أصوات أونلاين نشره تعميما لفائدته وتقديرا لصاحبه.

حلمي شعراوي

لا بد من مراجعة تراثنا الفكري والثقافي خاصة بين حين وآخر، لنتعرّف على المساهمات الحقيقية في معالجة مشكلاتنا، فقد تعددت الاجتهادات لنهضة مصر وتحديثها، أو تنويرها منذ وقت يحسب الآن بالقرون، ويمكننا أن نختار من نماذجها ما هو قريب منا نسبيًا مما يتصل بالمشكلات القائمة في مجتمعنا حاليًا، وخاصة في مجال الثقافة والتعليم، حيث نعاني من أوضاعهما البائسة، رغم تراثنا في تناولها، وخاصة في فكر الراحل طه حسين ورؤيته للمستقبل.

للراحل تراث متعدد الجوانب في هذا المجال، قدمه برؤية إصلاحية بدت «ثورية» دائمًا في دفعها لأمور حياتنا، وخاصة قلقه على «مستقبل الثقافة في مصر»، وهو عنوان عمل رئيس له، أعده عام 1938 كتقرير خاص طلبه منه مجلس الوزراء المصري للاستفادة من خبرة طه حسين الأوروبية، وإذ بالتقرير يصبح كتابًا من 550 صفحة اعتبره صاحبه الجزء الأول، ونشرته مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر، واعتبر مجلس الوزراء الكتاب جهدًا مشكورًا بعد سعادة الحكم بمعاهدة 1936.

طه حسين وكتابه «مستقبل الثقافة في مصر»

ويمتد أفق الكتاب الإصلاحي في تقديري حتى الآن، وعنوانه يغرى بمتابعته، وربط معالجاته بالوضع الراهن الذي يستوجب إعادة قراءة قضية التراث الغني من الفكر الإصلاحي الممتد التأثير في مصر، ويعرفه الكثيرون في الوطن العربي على الأقل.

ولجوؤنا لطه حسين خاصة، إنما يرجع لإلحاح القضية التي تناولها عن التعليم، مما يواجهنا بقسوة في الوقت الراهن، بينما كانت محاولة الإصلاح مطروحة من وقت ليس ببعيد، وها هي تعود إلى الأفق إزاء هذا الإلحاح لبعدها المستقبلي منذ طرحت.

تتحدد رؤية طه حسين -فيما يخصنا هنا- في رؤيته لوضع التعليم، وربطه بالوضع الاجتماعي والثقافي في البلاد، بينما هو يتحدث عن المستقبل، وقد قارنت ذلك بجهد خاص بالثقافة قدمه محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، تحت عنوان «في الثقافة المصرية» عام 1955 (بيروت – القاهرة)، تعرضا فيه لنقد التراث الثقافي الوطني بما فيه جهد طه حسين نفسه، وكيف أغضبه ذلك وسمى جهدهما: «يوناني لا يقرأ»، بينما لم يقصرا في تقديره مع نقده، لأن رؤاه لا يمكن تجاهلها، فقد رأى طه حسين مبكرا أن ثمة قضايا هامة يستمر تأثيرها في حاضرها والمستقبل، وكان بعض عناوينها يشير إلى مدركاته الإيجابية حولها.

محمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس وكتابهما «في الثقافة المصرية»

رأى مثلا ضرورة التوفيق بين القديم والحديث، بعد أن حصلت مصر على قدر من استقلالها فيما بين الحربين (معاهدة 1936)، وإن قال هنا: «لولا أن مصر قصَّرت طائعة أو كارهة في ذات الثقافة والعلم، لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، والاستقلال والحرية وسيلة للكمال فقط، فمصر الخالدة لن تقوم إلا على مصر القديمة وليس على الحاضر المتواضع».

وهنا يتناول عدة قضايا مثيرة للتفكير بالفعل، فهو يرى أن نشأة الإسلام والمسيحية ذات علاقة بالفلسفة أساسًا، وقوام الحياة العقلية في أوروبا إنما نتج عن اتصالها بالشرق عن طريق المتوسط، فأخذت العقل وتجاوزت الشرق، أو جعلته ينشئ عقلًا ضعيفًا، بينما حمت مصر العقل الإنساني مرتين، حين حمت العقل الفلسفي الموروث عن اليونان، وحين احتضنت الحضارة الإسلامية وحمتها حتى العصر الحديث.

وقد نهض الإسلام في رأيه من اتصاله بالحضارات الأخرى؛ الفرس والروم، ولم يقتصر اتصاله على العرب وحدهم، وعالج طه حسين بعض أبعاد رؤية التراث في الثقافة والتعليم والمحافظة عليها، فرأى أن ثمة ضرورة لإشراف الدولة على شؤون التعليم كلها، لقدرتها على مراقبة وضع المناهج والبرامج التعليمية، حيث أن القلة التي تعلمت خضعت لألوان مختلفة من التعليم يجب تجاوزها، فالتعليم الأجنبي تحميه الامتيازات الأجنبية.

والأزهر مثلا تبدو الدولة مشرفة عليه، بينما هو مستقل استقلالًا عظيمًا، وهو يصيغ الطلاب صيغة خاصة مختلفة عن الصيغة التي ينتجها التعليم المدني، ولابد أن تتابع الدولة إشرافها على تعليم اللغة الوطنية لأهميتها في تكوين الشخصية الوطنية، وكونها وسيلة التعامل في إطار وطن واحد، ولابد أن تلتزم المدارس الأجنبية بتدريس التاريخ الوطني المصري والعلوم الدينية.

ويجب عدم قصر التعليم العام على طبقة دون أخرى لضمان تحقيق العدل والمساواة، فالتعليم الصالح جزء من الدفاع الوطني المتين، ويحذر طه حسين من مخاطر الامتحانات في التعليم العام، لأن ذلك جعل التعليم وسيلة وليس غاية، وهذا إفساد لقيمة التعليم، وتدفع للإعراض عن القراءة الحرة وللإعراض عن التعليم العام.

ويرى المفكر الراحل ضرورة إشراك الجامعة في معالجة قضايا التعليم الثانوي الذي هو الطريق إلى الجامعة، ولا يجب الركون إلى الأزهر فقط لمراقبة تعليم اللغة العربية، فاللغة ليست شأنًا دينيًا فقط، ومعاهد العلم ليست مدارس فحسب ولكنها بيئة للثقافة والحضارة، والأزهر أساسًا معهد للدراسات الدينية الإسلامية، ويجب أن يستجيب لاحتياجات الشعب من دوره الثقافي وليس الديني فقط.

ويرى طه حسين مبكرًا أنه لابد من العناية بالأدوات الثقافية مثل الصحافة والسينما والراديو لفائدة الكثرة التي لا تقرأ، فالثقافة عنده ظاهرة إنسانية عامة، وليست وطنية مصرية فقط، وإن كان دورها الأساسي في تحقيق الوحدة الوطنية وربط الوطنية بقديمها وحديثها.

ونحن نحتاج لمعالجة مسؤولة للقضايا التي أثارها طه حسين، فالمعالجة المسؤولة تجمع قديم الفكر وحديثه، إذا شاءت الأمة أن تعبر في نفس الوقت عن تكوينها ككتلة تاريخية ثقافية واجتماعية، ساهم الفكر إذا تراكم تراكمًا سليمًا في تكوين مركبها الثقافي والاجتماعي على النحو الذي عرضناه من خلال «مستقبل الثقافة في مصر» للراحل طه حسين.

الناقد «أيمن بكر» في مناقشة كتاب مستقبل الثقافة في مصر لـ «طه حسين» بمعرض الكتاب 2019

نقلا عن: صفحة الكاتب على فيسبوك

حلمي شعراوي

رئيس مركز البحوث العربية والإفريقية

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: