منوعات

هزيمة 5 يونيو.. هل كسرت إسرائيل الإرادة المصرية حقًا؟

مع حلول ذكرى الخامس من يونيو (حزيران) كل عام، يعود من جديد الجدل حول ما حدث في ذلك اليوم من صيف عام 1967، وتنقسم الآراء ما بين من يحمل نظام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر المسؤولية كاملة عما حدث، ومن يبرر ما حدث مرجعًا إياه لمؤامرة خارجية وتحديدًا أميركية.

والغائب الأبرز في رأيي في هذا الجدل الذي يبدو أزليًا، وتحركه الأيديولوجيا والحزبية بأكثر مما تحركه الرغبة في التعلم من دروس التاريخ هو السؤال الأهم، وهو هل يصنف ما حدث في حزيران من ذلك العام على أنه هزيمة؟

قد تبدو الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب بديهية في نظر البعض، استنادًا للخسائر التي مني بها الجيش المصري والجيشين الأردني والسوري، وقدرة الكيان الصهيوني على التوسع وضم أجزاء واسعة من العالم العربي كالجولان والضفة الغربية وغزة إضافة إلى سيناء.

يونيو 1967

إلا أن الأمر في رأيي الشخصي، أكثر تعقيداً من ذلك، فاحتلال مساحات واسعة من أراضي العدو لا يعني بالضرورة تحقيق الانتصار، وإلا اعتبرنا أن ألمانيا النازية حققت النصر على الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، نظراً لقدرتها على استباحة الأراضي السوفيتية، والوصول إلى بعد عشرين كيلو مترًا فقط من العاصمة موسكو.

كما أن الخسائر البشرية لا تعد مقياسًا للنصر أو الهزيمة، فحرب فيتنام أسفرت عن مقتل 3 ملايين فيتنامي في مقابل 58 ألف جندي أميركي، إلا أن هذا لم يسفر عن انتصار الولايات المتحدة في تلك الحرب.

يُعرف الجنرال الفرنسي أندريه بوفر، الذي شارك في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية وقاد القوات الفرنسية في عدوانها على مصر عام 1956، النصر على أنه أحد أمرين «أما أن تحطم عدوك، أو تجعله في موقف يقبل ما تمليه عليه من شروط الاستسلام».

الجنرال الفرنسي أندريه بوفر

فهل تحقق أي من هذين الأمرين في يونيو؟ بداية فإن الهدف الصهيوني من الحرب لم يكن الاستيلاء على سيناء، بدليل استعداد الساسة الصهاينة لإعادتها إلى مصر ضمن صفقة تتضمن اعترافًا مصريًا بالكيان الصهيوني.

كانت سيناء أداة لا أكثر لتحقيق الهدف الأساس وهو انكفاء مصر داخل حدودها الأربعة، وتوقفها عن لعب أي دور في محيطها العربي والإفريقي، ذلك الدور الذي بات يتهدد المصالح الأميركية في منطقة الخليج العربي عبر التدخل في اليمن، ويهدد التوغل الصهيوني في إفريقيا عبر دعم حركات التحرر هناك، فضلاً عن تدريب ودعم مصر لفصائل المقاومة الفلسطينية.

عبدالناصر مع ياسر عرفات والملك فيصل بن عبدالعزيز

لم يحقق العدوان هذا الهدف بل حدث العكس تمامًا حيث زادت اللحمة بين مصر ومحيطها، كما عبرت نتائج مؤتمر الخرطوم الذي عقد بعد شهرين فقط من العدوان، وأنتج اللاءات الثلاث الشهيرة «لا صلح.. لا اعتراف.. لا تفاوض».

أما هدف «تحطيم العدو» الذي أشار إليه بوفر، فالمقصود هنا ليس تحطيم آليات العدو وأسلحته، فهذه قابلة للتعويض والاستبدال ولكن الأهم، وفقا لنفس الجنرال، هو تحطيم الروح المعنوية للعدو، وإشعاره بعدم جدوى المقاومة.

إلا أن هذا لم يحدث في الحالة المصرية، فتدفق جماهير الشعب على الشوارع يومي التاسع والعاشر من يونيو لم يكن فقط رفضًا لقرار التنحي عن السلطة الذي أعلنه الرئيس عبد الناصر، وإنما كان في جوهره رفضًا للهزيمة وإصرارًا على المقاومة.

الشعب يتمسك بقائده

بل أن المقاتل المصري ذاته الذي أجبرته قيادته، في قرار متسرع وغير مدروس، على الانسحاب من سيناء يوم الثامن من يونيو 1967، هو نفسه الذي صمد طويلًا ورفض أن يتراجع أو ينسحب في الثلاثين من نفس الشهر في معركة رأس العش، محبطًا محاولة صهيونية لاحتلال بورفؤاد.

ولم يقتصر الأمر على العسكريين بل أن المدنيين من أبناء مدن القناة وخاصة مدينة السويس، كونوا لجانًا شعبيًا هرعت لنجدة الجنود العائدين من سيناء وسرعان ما اتخذت هذه المجموعات شكلًا أكثر تنظيمًا حين تبنتها المؤسسة العسكرية، وخرج من رحمها منظمة «سيناء العربية» التي نفذت بعض أهم العمليات الفدائية، وأكثرها جرأة في الفترة التي عرفت باسم حرب الاستنزاف.

معركة رأس العش يونيو 1967

أما هدف إملاء شروط الاستسلام على العدو فلم يتحقق أيضًا، إذ لم تقبل مصر بالفصل الذي أرادته كل من تل أبيب وواشنطن بين كل من المسارين المصري والعربي، وأبت القيادة المصرية فكرة الصلح المنفرد مع الكيان الصهيوني، ذلك الموقف الذي لخصه الرئيس عبد الناصر بمقولته الشهيرة إن الصراع مع الصهاينة هو «صراع وجود لا صراع حدود».

ولعل إدراك مصر لهذه الحقيقة هو ما دفع قيادتها آنذاك لإطلاق يد المقاومة الفلسطينية التي تحررت نسبيا بعد يونيو 1967 من القيود التي كانت تفرضها عليها الأنظمة العربية، فانطلقت تنفذ العمليات الفدائية في قلب فلسطين المحتلة، بل وأثبتت قدرتها على التصدي للجيش الصهيوني الذي كان قد بلغ درجة من الصلف جعلت قادتهم يؤكدون أنهم يستطيعون احتلال أي أرض عربية يريدون، فكانت معركة الكرامة في الأردن عام 1968، التي اعادت الأمل للجماهير العربية، وجعلت عشرات الشبان العرب يتدفقون كمتطوعين على صفوف المقاومة الفلسطينية.

معركة الكرامة – مارس 1968

بل يمكن القول إن مصر استطاعت أن تقلب النكسة نصرًا بعد ثلاث سنوات من الصمود في 1970، تكللت بإقامة حائط الصواريخ غرب القناة الذي حد من قدرات الطيران الصهيوني، فعقب الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق نار، صرح العميد ماتي بيليد عضو هيئة أركان الجيش الإسرائيلي أثناء حرب الاستنزاف، والمسؤول عن شعبة الإمداد في الجيش الإسرائيلي، لصحيفة هآرتس العبرية أن: «إسرائيل منيت بالهزيمة في حرب الاستنزاف، وأن الجيش الإسرائيلي فشل من الناحية العسكرية، وأن هذه الحرب تعد أول مرة يُهزم فيها في ساحة القتال منذ قيام دولة إسرائيل… لدرجة أنها قبضت على أول قشة أُلقيت إليها بوقف إطلاق النار».

بل ان الاخفاقات المتتالية التي تعرض لها الجيش الصهيوني عقب 1967 بدءاً بحرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973، مروراً بحرب لبنان والانسحاب منه عام 2000، ثم الانتفاضتين الأولى والثانية جعلت الصهاينة يتساءلون عن جدوى ما حدث في يونيو 1967.

وينقل المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري عن الروائي الإسرائيلي عاموس عوز جملة ذات دلالة تعكس رؤية الصهاينة اليوم لحرب 1967 حين يقول «إن نصر 1967 حلم مجرد أن تصل إليه ترى عيوبه».

المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري

إن إصرار الأمة على المقاومة أفقد الانجاز الصهيوني في يونيو 1967 جوهره، فطالما هناك من يأبى الهزيمة ويصر على الصمود والتصدي للعدو، يغدو النصر ممكنًا ولا يصبح الفردوس عندها مفقودًا بتعبير الشاعر الإنجليزي جون ميلتون بل يصبح مستلبًا وقابلًا للاستعادة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: