رؤى

الصوفية والسياسة في مصر 2011-2020 (2-2) مراوحة بين الاستدعاء السياسي والانكفاء على الذات

يمكن للمتتبع لحركة الطرق الصوفية في التاريخ المصري أن يكتشف بوضوح حالة من التوظيف والاستخدام تطبع علاقتها مع النظام السياسي عبر مراحله المختلفة، حيث كان دائمًا يتم استدعاء الثقافة والفكر الصوفيين إلى النسيج الاجتماعي بشكل مكثف، بغية مواجهة تحدي الحركات الإسلامية الراديكالية بتجلياتها المختلفة (السياسية والحركية والجهادية) في أوساط الجماهير المصرية، وكذلك كانت النخب الحاكمة في مصر توجه أتباع الطرق الصوفية لتأييد سياسات الأنظمة الحاكمة لإضفاء نوع من الشرعية السياسية political legitimacy على حكمها.

تاريخيًا كان يُسمح دائمًا للتنظيمات والجماعات والحركات الدينية السياسية الاستمرار في المجال العام وعلى الساحة السياسية الرسمية، مقابل دعمها المتواصل للنظام ولقواعد اللعبة السياسية، الأمر الذي يجعل الصوفية عبر تاريخها تخضع لعملية مستمرة من التسييس والترويض من الأنظمة الحاكمة التي حاولت بكل ما أوتيت من قوة استخدام الدين كوسيلة لسد الفراغ الإيديولوجي الذي تواجهه في أي مرحلة.

وبوجه عام، يمكننا القول إن كل الخطابات الدينية -السماوية منها والأرضية- قد جرى استثمارها سياسيًا وإيديولوجيًا على مر الحقب والعصور التاريخية لصالح السلطة الحاكمة، تلك التي حكمت الأرض ومن عليها باسم السماء، وذلك ما تؤكده فكرة التماهي بين المعرفة والسلطة -بمفهوم المفكر الفرنسي ميشيل  فوكو- خاصة إذا ما كان الدين أو قل (المقدس) حاضرًا.

ناجح إبراهيم: الصوفية العلمية أفضل وسيلة لمواجهة الفكر المتطرف

المتصوفة والشعور بالخطر بعد يناير 2011

استطاع المتصوفة منذ نشأتهم الأولى أن يطوروا خيالًا خصبًا للعالم الذي يعيشونه. هذا الخيال ناجم بالأساس من تطويعهم للعقيدة الدينية لتوائم منظوراتهم الشخصية والجمعية المتأتية من الواقع الذي يعايشونه. ويمكننا أن نعزو هذا الأمر إلى روافد التصوف والأسس الفلسفية التي انبنى عليها منذ البداية، حيث جاء التصوف -بحسب معظم الباحثين- نتاجًا من مزيج مركب من عناصر وروافد ثقافية عدة، حيث أتاحت الفتوحات الإسلامية لهذه الحضارة الوليدة الامتزاج مع حضارات ضاربة في القدم ذات ثقافات دينية وروحية أثرت على الحضارة الوليدة.

هكذا استطاع المتصوفة أن يتكيفوا مع كل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بمجتمعاتهم، ففي حين انقرضت العديد من الجماعات والفرق الإسلامية الأخرى -ربما الأقدم من حيث النشأة- كالخوارج وعشرات الفرق الشيعية، بقى التصوف صامدًا في وجه الأزمان، نتيجة للمرونة السياسية الكبيرة للمتصوفة، تلك التي تجعلهم يتحولون من الثبات والانعزال عن الشأن العام إلى حالة الفاعلية السياسية بسهولة ويُسر أو العكس، وذلك عندما تقتضي طبيعة الظرف التاريخي هذا التحول.

وتأسيسًا على ذلك، فغداة ثورة 25 يناير 2011 وسقوط نظام مبارك، هذا النظام الذي تعهد المتصوفة على مدار ثلاثة عقود بالرعاية مقابل توظيفها سياسيًا، حدثت في مصر نقلة نوعية على صعيد المشهد السياسي، ما أسهم في إعادة تشكيل الخارطة السياسية بشكل جذري، وأدى إلى إفراز معادلات ضبط جديدة بين مختلف القوى السياسية والمدنية المتنافسة والمتصارعة في البلاد.

حزب النصر الصوفي الإخوان تسعى لبناء المركزية وليس الدولة

ويمكن النظر إلى التحرك السياسي للمتصوفة عقب المد الثوري بُعيد يناير 2011، كرد فعل للانفتاح السياسي ولتصاعد الدور السياسي والاجتماعي للجماعات الإسلامية الأخرى (خاصة جماعات الإخوان المسلمين والسلفيين)، التي حاولت الانفراد بالرأسمال الديني واحتكار المجال السياسي وإغلاقه مرة أخرى، فضلًا عن حضور التيارات الليبرالية وعودة جزء من النخبة والشباب المصري القبطي إلى المشهد السياسي المصري. 

 ومن المهم هنا  أن نشير إلى أنه غداة ثورة 25 يناير 2011، شهدت مصر حالة من الحراك الحزبي ظهر في إقبال شرائح واسعة من الجماهير على تجربة تأسيس أحزاب سياسية جديدة، واهتمام جماهيري واسع بالعمل العام، ولم يكن المتصوفة بمنأى عن حالة التوالد الحزبي تلك، فبُعيد سقوط نظام مبارك جاءت بعض القيادات الصوفية لتزج بنفسها في معترك اللعبة السياسية من خلال تأسيس أحزاب سياسية، منها حزب “التحرير المصري” و”حزب النصر” و”نهضة مصر”؛ إذ بدأ بعض مشايخ الصوفية في ممارسة دور سياسي من خلال الأحزاب، ليس بسبب دوافع  الطموح السياسي المعتاد ، ولكن ربما كرد فعل للصعود الإسلامي في الداخل، بالإضافة إلى محاولة إيجاد حركة نحو الخارج هدفها التقارب مع قوى خارجية، كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والغرب عمومًا، فضلًا عن إيران، لما تحمله هذه القوى من مواقف متشددة ومعادية للقوى السلفية والجهادية المعادية للصوفية من ناحية، والتي تستخدم العنف في هجمات على الدول الغربية من ناحية أخرى.

إن الإحياء الصوفي الحالي أو طرح التصوف نفسه على المجال السياسي، يجعل منه جماعة جديدة قررت أن تفتح لنفسها طريقًا أو وسيلة جديدة لتجسيد وجودها الاجتماعي والسياسي ولتدينها في ذات الوقت، وهو ما يجعلنا أمام إيديولوجية تستند إلى الإيمان الذي يخلق التسييس أو بعبارة أخري إننا أمام حركة دينية لها أهداف سياسية، وهو الأمر الذي يدعونا إلى القول إنها (أي الصوفية) في نهاية المطاف تركت أمر الخروج من المقدس لكي تتحد مع الدنيوي.

«شفيق» يلجأ لـ«الصوفية» في سباق الرئاسة

ولما كان التصوف –كنوع من التدين جرى استثماره وتوظيفه سياسيًا من قبل النخب الحاكمة– يُشكل ظاهرة دينية لا تنفك عن السياسة، فإن انتشار الأحزاب السياسية الصوفية، يجعل منها دعوة للجمع بين ما هو مقدس وما هو دنيوي، أو قل إن تأسيس الأحزاب الصوفية يجعل من المتصوف باحثًا عن الدنيا، بعد أن شاع عنه نظرة قديمة طويلة تبعده عن الانغماس في الرغبات والشهوات، وتجعله يزهد الدنيا، وينكفئ على ذاته ساعيًا للخروج إلى المطلق للاتحاد معه أو الحلول فيه، ولكن مع اشتباك المتصوف مع الدنيا من خلال البحث عن موطئ قدم في المعترك السياسي، فإنه بذلك يحمل خطابًا مفعمًا بالدلالات، يحاول من خلاله أن يأخذ بنصيبه من الدنيا بعد أن كان قد أدار ظهره عنها.

المتصوفة والانكفاء على الذات مجددًا بعد ثورة يونيو 2013

  عقب ثورة 30 يونيو 2013، عاد المتصوفة إلى زواياهم تاركين الشأن السياسي للقيادة الجديدة للبلاد بعد أن قاموا –وقبلهم الأزهر والكنيسة طبعًا-  بدور واضح في إضفاء نوع من الشرعية الدينية على هذه الثورة، عبر الانحياز لصفوف الرافضين لتحالف الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المتشددة، والذي عرف باسم (تحالف دعم الشرعية)، والذي كان يمسك بتلابيب الحكم حينذاك، الأمر الذي يمكننا تفسيره في ضوء العقلانية والبرجماتية المفرطة التي تتمتع بها القيادات الصوفية في مصر، فهم حين دخلوا المعترك السياسي لم يدخلوه بدوافع المشاركة السياسية والسعي إلى الحكم بقدر سعيهم إلى المحافظة على وجودهم (الفيزيقي) في مواجهة الجماعات الإسلامية السلفية والراديكالية التي تهدد بقائهم.

كما إن المتصوفة كتيار ديني معتدل ومتسامح قد آثروا -في الوقت ذاته- البعد عن المجال العام برمته كي لا يرتبطوا بأي صورة مع الإسلاميين الحركيين، الذين نحت حركة معظم فصائلهم نحو العنف والإرهاب بعد سقوط جماعة الإخوان عقب يونيو 2013، ومن ثم كان خيارهم المتمثل في ترك الشأن السياسي خيارًا عقلانيًا وبرجماتيًا بالدرجة الأولى، خصوصًا في ظل النخبة السياسية الجديدة التي جاءت بعد يونيو 2013، تلك التي رفعت شعار لا للتيارات الدينية  المتشددة وضرورة تجديد الخطاب الديني، ومن ثم فهي لن تسمح لأي تيار ديني حركي أيًا كان بالولوج مرة أخري إلى المعترك السياسي في تلك المرحلة.

الشيخ علاء أبو العزايم يعلن مشاركة الطريقة العزمية في 30 يونيو

ربما يدعم هذا التفسير الفرض القائل بأن المتصوفة لا يستيقظون من سباتهم إلا عندما يشعرون بخطر حقيقي يهدد بقائهم، ومن ثم فبمجرد أن استتب الأمر بعد يونيو 2013، لقيادة مغايرة لتحالف الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية المتشددة، عاد المتصوفة إلى أزقتهم وزواياهم، ومن ثم إلى خنادقهم الاجتماعية والسياسية، تاركين الشأن السياسي لأربابه، الأمر الذي جعل حضورهم السياسي في الآونة الراهنة كامنًا وخافتًا.

شيخ المشايخ يستقبل أتباع الطرق الصوفية أمام مسجد الحسين احتفالا بالمولد النبوي

الوسوم

د. إصلاح عبدالناصر

مدرس علم الاجتماع السياسي- كلية الآداب- جامعة الفيوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: