رؤى

كورونا وانقطاعات الحياة (2-4) صدع في الزمن.. يستدعي فرويد وهيجل

شهدت مرحلة ما بعد كورونا حالة من الانقطاع في العديد من القطاعات الاجتماعية الحيوية، كان من أبرزها الانقطاع في علاقة الطلاب بأماكن دراستهم، وكذلك في التفاعلات بينهم وبين زملائهم ومعلميهم في المدارس والجامعات، فصار «التعليم عن بعد» بديلًا هزيلًا عن عمليات الحضور والتفاعل الفعلي المباشر الحي، وازدادت تجارة الأبحاث المُلفَّقة والمُتكرِّرة وعلى المستويات كافة.

كما حدثت انقطاعات في عمليات ذهاب الجماهير لمشاهدة مباريات كرة القدم في الملاعب، وكذلك في متابعة الناس لهذه المباريات في المقاهي أو البيوت، وحدثت انقطاعات وعمليات توقف خطيرة في أرزاق أناس كثيرين خاصة هؤلاء الذين يعملون بأجر يومي أو حتى شهري، وفقد كثيرون أعمالهم ومصادر دخلهم في أماكن كثيرة في العالم.

مدن العالم خاوية بفعل كورونا

وانقطعت عمليات التلامس بالأيدي بين الناس، وانقطع الناس عن الذهاب إلى دور العبادة وتوقفت الابتهالات الجماعية والدعوات. وانقطعت حركة الطائرات والسيارات وانخفضت أسعار النفط، فانقطعت السياحة وتدهورت معها سلاسل الإمداد، وانقطعت حياة الكثيرين كذلك بموتهم حتى تجاوزت أعداد المصابين نتيجة لهذا الوباء ما هو أكثر من ثلاثة ملايين إنسان حول العالم في بداية شهر مايو الحالي، وانقطعت السبل بكثيرين من الذين ذهبوا خارج بلادهم لأغراض شتى، فصاروا لا يعرفون متى سينتهي هذا الانقطاع ومتى سيعودون.

وانقطعت بهجة الأطفال التي كانت تطغى عليهم عندما كانوا يخرجون مع أهلهم كي يلعبوا أو  يذهبوا إلى الحدائق أو المطاعم أو حتى يتجولوا في أماكن التسوق، وانقطع ولع كثيرين منهم بالدراسة والتعلم والمنافسة والإنجازات، فقد أغلقت المدارس ودور الحضانة أيضًا أبوابها.

وانقطع الناس عن زيارة أطباء الأسنان وعن الذهاب إلى المقاهي والمطاعم أو زيارة أهاليهم في السجون فصار التباعد الاجتماعي هكذا مُضاعفًا. وانقطعت فرص مشاركة الناس بعضهم بعضًا أفراحهم وأحزانهم، فصارت مراسم الزواج ومآتم العزاء تتم داخل البيوت وفي أضيق النطاقات. وانقطع الإيقاع الشخصي الخاص بالكثيرين منها، وأقصد به ذلك الإيقاع المميز لنا في العمل وتناول الطعام أو النوم وكل ما كان يعطي معنى لحياتنا، فتزايدت أوزان الكثيرين منا، لأنه وكما توصلت بعض الدراسات فإن تناول الطعام والشراب وشراء الأشياء أنشطة نقوم بها من أجل خفض التوترات الجسمية والنفسية، فأحيانًا ما لا يجد المرء أمامه سوى أن يتناول الطعام. ربما بشكل آلي يخلو من المتعة أيضًا.

وتم كذلك تأجيل دورة الألعاب الأوليمبية التي كانت مُقرَّرة في يوليو القادم في طوكيو وتم إيقاف مباريات كرة القدم وسباقات الخيل والسيارات وماراثونات الجري في العالم كله تقريبًا. وتم إلغاء العروض المسرحية وتأجيل مهرجان كان السينمائي وأُغلق متحف اللوفر بباريس ومتحف المتروبوليتان للفن، ومتحف الفن الحديث في نيويورك وتم تأجيل مهرجانات دولية ومحلية كثيرة للمسرح والموسيقى.

وانقطعت الفعاليات الثقافية والعلمية كمعارض الكتاب وحفلات توقيع الكتب وحفلات إعلان الجوائز والندوات والمؤتمرات ومعارض الفن التشكيلي ومناقشة الرسائل العلمية وغيرها، فتم تأجيل معارض الرياض وأبو ظبي ومسقط للكتاب.

كما تم إعلان جوائز البوكر والشيخ زايد للكتاب وغيرهما على نحو افتراضي أو عن بعد (أونلاين)، وتوقفت دور النشر عن إصدار الكتب، وأرسل اتحاد الناشرين المصريين خطاب استغاثة إلى رئيس الجمهورية يشكو فيه سوء الحال وعسر المآل، وتوقفت صحف كثيرة عن مواصلة إصداراتها الورقية. بل توقفت مواقع الكترونية مهمة في الفترة الأخيرة أيضًا، وتوقفت أنشطة وزارة الثقافة المصرية وتحولت من الواقع الفعلي إلى الواقع الافتراضي وبشكل جدير، على الرغم من كل شيء، بالإشادة والتنويه. وانقطعت بهجة الخروج من البيت واللقاء مع الأصدقاء والمشي وفقدت الحياة الكثير من حيويتها وحلت محلها الرتابة والتكرار والملل والخوف من انقطاع الحياة.

هكذا انقطعنا عن عالمنا وقبعنا في بيوتنا، فصار العالم بالنسبة إلينا عالمًا شبه شبحي، صرنا أشباه أشباح نرقب العالم من بعيد ونتحين أية فرصة للعودة إليه وأن ننظر إليه بعد أن صار هو الذي ينظر إلينا، وازدادت رغبتنا في أن نرود الأماكن التي نحبها، وأن نلتقي بالناس الذين نميل إليهم، أن نخرج من هذه البيوت التي أوشكت أن تصبح أشبه بالمقابر التي يعيش فيها بشر من الموتى الأحياء، هكذا عجزنا عن مديح العزلة، التي أحبها كازانتزاكس ومدحها على لسان زوربا بقوله: «لدي حب جارف للعزلة والصمت، إلى درجة أنني أستطيع أن أقضي ساعات وأنا أحدق إلى النار أو البحر دون أن أحس بالحاجة إلى أي رفقة».

ما بعد الصدمة

لقد أحدث وباء الكورونا الحالي ما يشبه الصدمة لدى معظم البشر، سواء كانوا أصيبوا به على نحو مرضي أم لا، وإنه لوباء سوف يترك آثاره النفسية والمادية والاجتماعية الكبيرة بعد أن يتراجع.

في كتابه «ما وراء مذهب اللذة»، قدم فرويد بعض الحكايات الخاصة حول بعض الناس الذين عانوا من حالات مرضية مخيفة (هي ما تعرف الآن باسم «اضطراب مشقة ما بعد الصدمة»)، قد حدثت عقب بقائهم أحياء بعد مرورهم بحرب مدمرة أو حادثة طريق أو اضطرابات عنيفة أو أوبئة قاتلة، وشعروا أنهم قد اقتربوا خلالها من الموت فعلًا، إن لم يكن اقترابًا فعليًا، فعلى الأقل، على مستوى التصور والتوقع والاحتمال.

سيجموند فرويد وكتابه «ما فوق مبدأ اللذة»

وقد أشار فرويد كذلك إلى إن تلك الاضطرابات، التي عانى منها هؤلاء الناس، لم يكن سببها ذلك التهديد الفعلي الذي شعروا به عندما اقتربوا من الموت، ولكن كان سببها ما أصابهم من دهشة أو ذهول مُصاحِب لذلك التهديد، وإنه لذهول قد تحول إلى رعب، ورعب تخلَّله أيضًا قلق جارف عنيف. وإن ذلك كله لم يحدث لأنهم واجهوا الموت، بل لأنهم، لم يكونوا قد أعدوا أنفسهم «على نحو مناسب» لمثل تلك المواجهة، أو بالأحرى لمثل تلك الصدمات. ومن ثم فإن تلك الصدمة قد حدثت نتيجة ذلك الصَّدْع، أو ذلك الانقطاع المُفاجئ الذي طرأ على تلك الخبرات المتعلقة بالزمن أو الوقت الخاص بهم، ونتيجة أيضًا لحالة الذعر المصاحبة التي هيمنت عليهم.

إن هذا الصدع، في رأينا، هو نفسه ما أصاب العالم عندما تم الإعلان عن ظهور وباء الكورونا في ووهان في الصين في بداية يناير من هذا العام ثم اجتاح العالم بعد ذلك. فقد حدث انقطاع مفاجئ في الحياة كلها، وحدث تعليق مؤقت لها قد يطول أيضًا، وبدا العالم وكأنه عالم آخر؛ عالم لم يعهده البشر أبدًا هكذا، عالم حدث فيه قطع في الزمن ووقع فيه صدع في العلاقات وطرأ عليه انفصال في الوعي وتفكك كذلك في الوجدان، فأصيب الناس بالذهول والخوف ووقعوا في براثن الضغوط القاسية، هكذا أصبح هذا العالم قريبًا من وصف هيجل لحالة الشك والريبة وفقدان اليقين التي وقع هاملت في براثنها فأدرك، كما قال هيجل «أن كل شيء يحيط به قد أصبح على غير ما ينبغي له أن يكون». لقد تزايدت الضغوط التي جلبتها التأثيرات الكورونيالية معها، ومعها أصبح كل شيء في حياتنا ليس كما ينبغي له أن يكون.

 

الوسوم

د. شاكر عبد الحميد

أستاذ علم النفس - وزير الثقافة الأسبق في مصر

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لا يمكن قراءة هذه المقالات العظيمة دون حفظها وذلك للرجوع إليها مرات ومرات
    ننتظر الجزء الثالث والرابع بشغف أستاذنا وعالمنا الجليل دكتور شاكر

إغلاق