رؤى

السود والملونون يحتجون والبيض مسئولون عما سوف يحدث

سافالا تريبشينسكي – المديرة التنفيذية لـ «مركز العدالة الاجتماعية» في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. ستقوم «Simon & Schuster» للنشر بنشر كتابها عن العرق والجندر والجسد في 2021.

عرض وترجمة: أحمد بركات

«كيف تعرف أنك أبيض؟». أتحدث إلى مئة من طلاب القانون في قاعة تحفل بالتنوع العرقي، وتضج بأشخاص درسوا القانون في أعرق كلياته، والآن، هم ملتزمون بجعل المساواة العرقية حجر زاوية في أعمالهم، وشغلهم الشاغل في حياتهم اليومية، وقد اختاروا حضور هذه المحاضرة الليلية حول الطرق الإشكالية التي يتناول بها القانون الأميركي والتعليم القانوني قضية العرق. رغم ذلك، فإن أحدًا منهم لم يرفع يده للإجابة على هذا السؤال! هذا أمر مهم للغاية.

غالبًا ما أبدأ هذا النوع من المحاضرات بسؤال بعض المتطوعين ليخبروني عن العرق الذي ينتمون إليه، ثم أسألهم كيف عرفوا ذلك؟ دائما ما يقول الطلاب الملونون أشياء من قبيل «أعرف أنني أسود لأن العالم لا يتوانى عن إخباري بتلك الحقيقة بصورة يومية»، أو «أعلم أنني لاتيني لأن عائلتي كذلك؛ فاللاتينية هي دمي ولغتي»، إلى غير ذلك.

لكن عندما أسأل الطلاب البيض كيف يعرفون أنهم كذلك؟ فإن الإجابة دائما واحدة لا تتغير، صمت مطبق. غالبًا ما يقف الطلاب البيض في حالة تعثر واضح وعجز كامل عن تحديد المؤشرات الثقافية والسياسية والاقتصادية والتاريخية التي تخبرهم بأنهم جزء من الجنس الأبيض، ومن أيديولوجيات سيادة البيض، ناهيك عما تعنيه هذه الحقيقة.

أترك الصمت يمتد لفترة، ثم أتدخل وأقترح أن هذه الظاهرة –وليس هذا الطالب الغارق في عجزه عن الإجابة تحديدًا– تمثل جزءًا مهمًا من مشكلة أميركا مع قضية العرق. إنها جزء كبير من كيفية وصولنا إلى لحظات كهذه، حيث تنتفض عشرات المدن تحت وطأة الألم العرقي، وعنف الدولة، والنظرة الساهمة في عيون الكثير من الأميركيين البيض عندما يسألون أنفسهم كيف يمكن أن يحدث هذا مرة أخرى؟ (لا يكون الأمر مبهمًا بالنسبة إلى السود).

هل تذكرون إيمي كوبر؟ إنها تلك المرأة البيضاء التي اتصلت بالشرطة قبل أيام قليلة لتبلغهم عن رجل أسود يشاهد الطيور في منتزه سنترال بارك، وأكدت مرارا للمرسل أنه «أميركي من أصول إفريقية».

ربما تبدو هذه القصة خبرًا قديمًا الآن، لكن أحداثها مفيدة للغاية في هذه اللحظة الجديدة الأكثر توترًا، (أراهن أنني إذا ألقيت عليها السؤال نفسه -كيف تعرف أنها بيضاء- فسوف تجيب بالصمت المطبق ذاته، مثل كثير من طلابي التقدميين المثقفين). كيف عرفتُ ذلك؟ إن الاعتذار الذي قدمته كوبر لاحقًا يبين أنها لا تفهم حقيقة ماذا يعني أن تكون جزءًا من أيديولوجيا سيادة الجنس الأبيض، لقد قالت بشكل حاسم «لم أتخيل مطلقا أنني سأتورط في حادثة كهذه».

هذا تماما كل ما في الأمر، في هذا البلد، لدينا الآلاف من البيض الذين يعتبرون أنفسهم مدركين تمامًا للألم الذي يمكن أن تسببه العنصرية، والذين لا يمكنهم أن يتصوروا أنهم يمارسونه، لكنهم يمارسونه على كل حال، فهناك الكثيرون من البيض الذين يعتبرون أنفسهم تقدميين و«طيبين» بشأن قضايا العرق، والذين يسخرون ويشعرون بالإساءة من أفعال كتلك التي أقدمت عليها السيدة «كوبر»، والذين -برغم ذلك- يفعلون الشيء نفسه، ربما تفاجئهم هذه الحقيقة.

أي شخص ملون يعرف «أشخاصًا بيض طيبين» يمكنه أن يخبرك بذلك. إن لدينا بهذه الطريقة – على سبيل المثال – زملاء تقدميين يسبوننا باسم المرأة السوداء التي نعمل معها، أو يعلقون على جمال شعرنا عندما يكون مسترسلا بقولهم: «عادة ما يكون مجعدًا جدًا». على الطرف الأكثر تطرفًا من الطيف العرقي، فإننا أيضا بهذه الطريقة لدينا شرطيين –يفترض بهم تكريس أنفسهم لحياة الخدمة– يخنقون السود من أمثال جورج فلويد وهم يستجدون حياتهم، وبهذه الطريقة أيضا نستنسخ هذه اللحظات مرارًا في حياتنا.

أحد أسباب هذا الارتباك المتكرر –وما يترتب عليه من أضرار– هو الافتقار العام لدى البيض إلى الطلاقة وتدفق الأفكار بشأن العرق، خاصة العرق الذي ينتمون إليه. فالبيض لا يفهمون غالبا أنهم «غارقون في قضية العرق» بنفس القدر الذي تشغل به هذه القضية سائر الملونين، إنهم يستطيعون أن يروا أن الشخص الأسود، على سبيل المثال، متجذر بعمق فيما نطلق عليه «العرق»، ويحيا حياة متأثرة به على جميع المستويات.

في الواقع، هذه الفكرة بديهية، لكنهم لا يستطيعون في الغالب استخلاص النتيجة نفسها عن أنفسهم، أو عن أيديولوجيات التفوق الأبيض، التي تعني الطرق التي أودت بهم إلى التماس بقوة مع قضايا العرق، كما أنهم لا يعرفون بوجه عام كيف يستفيدون بهذه المعلومة الجديدة حينما يمرون بلحظة إدراك، فيما الشعور بالذنب والسماح لهذا الذنب يدفعهم إلى مستوى أعمق من الصمت. هل السيدة كوبر تعيش الآن لحظة إدراك حقيقية وعميقة أم لا؟ كشخص ملون، أنا متشائمة على كل حال.

يمر عالمنا العنصري الآن بمرحلة بشعة ومريعة، صحيح أن الأمور لم تكن رائعة قبل اليوم؛ لكن طوفان الألم، وتدفق الجهل الإرادي والمتعمد في خضم هذا العنف – بدءا من التأثير العنصري المروع لكوفيد – 19، إلى مصائر أشخاص مثل جورج فلويد وأحمد أربيري وغيرهما، ومن أفعال السيدة «كوبر» إلى تقاعس كثير من البيض – يمثلان مرضا مزمنا لكنه جديدا في حدته.

ربما تلوح بشائر أمل وسط هذا الذعر، إذ أرى مزيدا من البيض يبكون علنًا خسائر الأرواح التي وقعت مؤخرًا في مجتمعات السود وأصحاب البشرات الداكنة، كما التزم بعض البيض التقدميين الذين أعرفهم بمحاولة استكشاف أدوارهم في أيديولوجيات «تفوق الجنس الأبيض» من خلال بعض الأدوات مثل التدريبات الواردة في هذا الكتاب الاستثنائي (سوف نرى إذا ما كانوا سيؤدونها فعليا أم لا).

أنا نفسي أشعر بالشجاعة بما يكفي للحديث هنا والآن، بغض النظر عما سببه لي هذا الحديث من أضرار في الماضي (مثل خسارة بعض العلاقات، وسماع بعض السباب العنصري، وغير ذلك). رغم ذلك، ينتابني شعور بالخوف من النتيجة التي يمكن التنبؤ بها، وهي صمت أبيض -إلى جانب ألم أسود- ربما إلى الأبد، متأصل في الغالب في جهل البيض الطيبين بأنهم (عن غير قصد) جزء من أيديولوجيا «تفوق الجنس الأبيض» أيضًا.

وحتى تبدأ كتلة حرجة من البيض أعمال مناهضة العنصرية، وتداوم على ذلك، ستبقى الانتفاضات والاحتجاجات تعبيرًا عن آلام السود والملونين أكثر منها منعطفات في الثقافة. في النهاية، فإن السود وأصحاب البشرات الداكنة يقاومون وينتفضون ويحتجون في هذا البلد على مدى قرون من الزمان، ولو كان ذلك كافيا لحقق نجاحًا، ولظهرت له نتائج على الأرض. إن الحلقة المفقودة هي أن يقوم البيض بعمليات «جرد وتنظيف» عميقة وصادقة ومستمرة لعلاقاتهم بأيديولوجيات سيادة الجنس الأبيض.

صورة تعبر عن العنصرية في أمريكا تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي

بعبارة أخرى، فإن البيض (وبخاصة التقدميين) هم المسؤولون عما يحدث الآن، فإما أن يعملوا ليفهموا (ويغيروا) الطرق والأدوات التي تنتقل من خلالها أيديولوجيات سيادة الجنس الأبيض في -ومن خلال- حيواتهم وقلوبهم وعقولهم وفضاءاتهم، أو أن يقرروا أنهم ليس لديهم الوقت الكافي لذلك، أو أنهم مرعوبين إلى درجة تحول بينهم وبين القيام بهذه المهمة، أو أنهم غير قادرين على التعامل مع هذه القضية، أو –على غرار السيدة «كوبر»– أن يستمروا في مغالطة أنفسهم بأنهم لا يمكن أن يتورطوا في حادث عنصري. إما أن يقبلوا بفكرة أنهم ورثوا منزل السيادة البيضاء الذي شيده أسلافهم وأرادوه لهم، وأنهم الآن المسؤولون عن دفع ضريبة هذا الإرث، أو أن تستمر الحالة الراهنة.

أتمنى أن يتشبع البيض حتى النخاع بهذه اللحظة، وأن يبدأوا القتال بضراوة من أجل العدالة العنصرية، لكن الأهم من ذلك، هو أنني أتمنى أن تنطلق البداية من دواخلهم، في عقولهم وقلوبهم. وكما أخبر طلابي دائما، فإن الشخص الأبيض الذي يندفع للقيام بعمل يحقق العدالة العنصرية دون أن يفهم أولا تأثير ذلك، وفوائده والخداع الذي يفرضه عليه الانتماء للجنس الأبيض، يشبه اندفاع شخص غير مدرب إلى غرفة الطوارئ لمساعدة الأطباء والممرضين. هنا يكون الضرر أكبر من النفع.

يبقى شيء واحد: لا تسألوني كيف نبدأ؟ فهذا أيضا جزء من عملكم. والإجابات تتناثر حولكم إذا أردتم النظر والاستماع.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: