فن

١٥ عاما على رحيله: عبد الله محمود.. طالع النخل

يحفل تاريخنا الفني بالعديد من المواهب التي تركت علامات هامة في مسيرة الفن المصري، منها من كان الحظ حليفه فلم يفلت الفرصة عندما واتته، وهناك كثيرون خذلهم الفن والظروف وتبددت قدراتهم الإبداعية في متاهات الأعمال الفنية الضعيفة وما أكثرها.. لكن الفنان «عبد الله محمود» له شأن آخر.. إذ استطاع على مدى ثلاثة عقود هي عمره الفني –القصير نسبيا- أن يبرهن على أن الموهبة الحقيقية تستطيع أن تثبت نفسها دون النظر إلى حجم الدور أو قيمة العمل الفني نفسه.. فبقدر ما كان «محمود» قادرا على إدارة مباريات الأداء الثنائية ببراعة، بقدر ما كان ماهرا في كسب الجماهير لصفه والتعاطف معه منذ البداية دون «توابل»، إنه فقط يقنعك كمشاهد أنك قريب جدا منه وأنه يتبنى موقفك الحياتي دون حاجة إلى تبرير فهو في كل الأطوار «المواطن مصري» الذي تقهرك تفاصيل سحقه، ولا تستطيع فقد التعاطف مع أبيه الذي باعه تحت وطأة الفاقة والعوز.

 

كان حضوره في الأعمال الدرامية في منتصف السبعينات لافتا.. برغم أنه كان دون العشرين إلا أن موهبته فرضت نفسها من خلال توظيف سماته الشكلية التي جعلته وجها مقبولا لدى الجماهير.. ورغم تعدد الأعمال التليفزيونية التي شارك فيها «محمود» إلا أن «عصفور النار» يعتبر العمل الأهم والأبرز في مشواره مع الدراما.. حتى أن بعض النقاد أطلقوا عليه لقب «عصفور النار».

هذا العمل الفني الرائع الذي اكتملت له عناصر التميز بحضور المبدع «أسامة أنور عكاشة» مؤلفا و«محمد فاضل» مخرجا والعملاق «محمود مرسي» بطلا في وجود مجموعة من المبدعين.. فكيف استطاع «عبد الله» من خلال دور «الحسيني» أن يبهر الجماهير على امتداد الوطن العربي، حتى اعتبر كثيرون مشهد موت «الحسيني» هو أقوى مشاهد العمل، وهو ما أثار إعجاب الفنان «محمود مرسي» نفسه.

عبد الله محمود من مسلسل عصفور النار

حمَّل «عكاشة» شخصية «الحسيني» الكثير من الدلالات، فهو رغم اعتلال صحته إلا أنه الأمل الذي عاد قويا بعد أن ساد الظلم وتمكن وصار من طبائع الأمور، وهو صاحب الحق الذي لا يبتغي مغنما بل يريد استعادة الوعي الذي غيبه عمه «صقر الحلواني» ببطشه تارة وبتحايله تارة أخرى.

يبدو لنا أن الفنان الشاب أدى الدور مستلهما مبادئ مدرسة «سانفورد ميسنر» في الأداء التمثيلي التي تعتمد على خروج الممثل من الشخصية وعدم الاعتماد على التقمص، على أن تكون مشاعره وانفعالاته ردة فعل لأداء الممثلين الآخرين.. هذا الاختيار هو الأذكى في مواجهة العمالقة؛ لأنه يلعب على فكرة التضاد ويجعل التصعيد الدرامي في المواقف الثنائية أكثر صدقا وواقعية.

سانفورد ميسنر

اتسم أداء «محمود» أيضا بالقدرة الفائقة على الإمساك باللحظة وتثبيت الزمن والتوحد مع المتلقي وإشراكه في الانفعال مع الشخصية بحيث لا يمكنه التنصل من تبعات الموقف التمثيلي.. حتى إذا كان الموقف يحمل نزوعا نحو الشر- كما في دور «خميس» في «الإمبراطور» مع العملاق «أحمد زكي» – أو يحمل ضعفا أمام رغبة ما كالانتقام مثلا كما في دور الضابط «عصام» في مسلسل «ذئاب الجبل».

عبد الله محمود من مسلسل ذئاب الجبل

في أدوار كثيرة نجد «عبدالله» منطلقا في أداء عفوي يفتح أمامنا أبواب الأمل وتحقق الأحلام وتجاوز المعوقات الصعبة كما في تجربة «إسكندرية ليه» التي خاضها مبكرا مع المخرج «يوسف شاهين» ورغم أن الأصحاب قد تفرقت بهم السبل بعد ذلك لأسباب كثيرة، إلا أن «عبد الله» ظل اختيارا مفضلا لـ «شاهين» كما في «حدوته مصرية» ثم في دور «برهان» الشاب الذي يستميل ابن الحاكم للانضمام إلى المتشددين في «المصير».

انتبه «عبد الله» مبكرا إلى أنه لا يجب أن يقع أسيرا لدور الشاب الطيب المسالم الفقير معتل الصحة الذي يتعاطف معه الجميع، وفي الفترة التي يعتبرها كثيرون فترة انتشار لا يجب أن يرفض الفنان فيها أي عمل؛ رفض «محمود» العديد من الأعمال التي كان دوره فيها تكريسا لهذا النمط من الشخصيات، كما وعى مبكرا إلى أنه لا يجب أن يشارك في أي عمل يروج لقيم تهدم المجتمع بدعاوى حرية الإبداع.. لأنه كان يرى بقناعة تامة أن الفن رسالة ترتقي بالمجتمع وتوجهه وتناقش مشاكله، وليس أداة ترفيه أو إلهاء.

مع المبدع الراحل «أسامة فوزي» يقدم «محمود» في «عفاريت الأسفلت»  واحدا من أروع أدواره، لنرى الشاب «رينجو» الذي يستغله صديقه «سيد» يقع في صراع نفسي رهيب بعد اكتشاف زيف علاقة الصداقة تلك، برفض «سيد» ارتباط «رينجو» بأخته.. ولا يجد «رينجو» سوى وسيلة وحيدة للتعبير عن غضبه، وهي حلاقة شعره «زيرو» حتى لا يستغله «سيد» بعد ذلك في إلهاء الحلاق! وفي هذا العمل الرائع يتفوق «محمود» مجددا في المباريات الثنائية في الأداء مع أحد أهم مبدعي السينما المصرية وهو الفنان «حسن حسني».

عبد الله محمود من فيلم عفاريت الأسفلت

وإذا كان المخرج «محمد فاضل» هو صاحب الفضل في تفجر موهبة «محمود» الفذة في «عصفور النار» فهو أيضا من منحه أحب الأدوار وأقربها إلى قلبه من خلال الفيلم التليفزيوني «طالع النخل» وهو العمل الذي يجسد بصورة ما رحلة الفنان الحافلة بالكفاح لكنها للأسف تنتهي بشكل مفاجئ بالمرض والرحيل المبكر.

عبد الله محمود من فيلم طالع النخل

نحن في الغالب لا نجد فنانا يستطيع أن يحقق النجاح في الدراما التليفزيونية وفي السينما معا بدرجة واحدة من الإبداع والإجادة، لكننا نستطيع أن نزعم أن الفنان «عبد الله محمود» حقق ذلك باقتدار، فهو بالأساس ابن التليفزيون المصري الذي فتح له الباب واسعا منذ مشاركته الأولى في مسلسل «البوسطجي» 1976، و«أبواب المدينة» و«الطاحونة» و«الوتد» و«مكان في الأرض» و «لا شيء يهم» و«كعب داير» و«الفراشات تحترق» و«الوقت» و«رجل طموح»، و«الحقيقة دائما» و«الفرسان» و«الأبطال» و«سيف الدولة الحمداني» وغيرها من المسلسلات التليفزيونية والسهرات الناجحة.. كما تعتبر أدواره في السينما في أفلام «المواطن مصري» و «شمس الزناتي» و«الطوق والإسورة» و«الطريق إلى إيلات» و«أجراس الخطر» و«شباب على كف عفريت» وغيرها من العلامات الهامة التي لا يمكن إغفالها.

وبطبيعة الحال كان للفنان عبد الله محمود مشاركات مهمة في العديد من الأعمال المسرحية، فهو في الأصل متخرج في معهد الفنون المسرحية، ومن الأعمال التي شارك فيها: عش العميان، قطب الرجال، الليل لما حِلى، باب التوفيق، دليلة، شربات، وقصة الحي الغربي.

في عامه الأخير أصرَّ الفنان «عبد الله محمود» على خوض تجربة الإنتاج، فقدم من بطولته فيلم «واحد كابتشينو» ولكن القدر لم يسعفه لمشاهدته في دور العرض، والفيلم يظهر فيه بوضوح ضعف الإمكانات المادية، رغم المجهود الكبير الذي بذله «محمود» لإنجاح العمل الذي أخرجه صديقه «سامح منسي» وقد ناقش الفيلم قضية البطالة وقضية حق الأداء العلني للفنان.

ثم يكون مشهد النهاية في معهد ناصر في مساء التاسع من يونيو عام 2005، ليسدل الستار على حياة فنية حافلة اتسمت بسمات عديدة، وتفردت بمميزات كثيرة، وكانت بحق علامة واضحة في مسيرة الفن المصري.. رحم الله الفنان «عبد الله محمود» الذي لمع وتألق في سماء الفن المصري معبرا عن آمال وأحلام وتطلعات جيل بأكمله تكسرت على صخور الواقع بفعل عوامل عديدة، فكان الرحيل المبكر بمثابة اعتراض على القهر والحرمان وطوفان القبح الذي أغرق كل شيء.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: