رؤى

العنصرية في أمريكا: بين جيل ريغان وجيل أوباما

‎على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تبادل المستخدمون في الولايات المتحده مقطع فيديو قصير يصور فتاه مراهقه تناقش والديها حول التظاهرات العارمة التي تشهدها البلاد حالياً منذ مقتل الشاب الأسود جورج فلويد على يد رجل أمن أبيض.

‎بدا مقطع الفيديو على قصره كاشفاً عن فرق شاسع بين جيلين من المواطنين الأمريكيين٫ الأول جيل الأب والأم والذي أغلب الظن نشأ في الثمانينات في عهد ريغان ولا يستطيع حتى الآن تجاوز ما نشأ عليه من تحريض عنصري وتنميط للأقليات وفي المقابل جيل الفتاة التي نشأت مع بداية الألفية الثانية والتي لا تعبأ بالعرق أو اللون.

‎ففي حين يدافع الأب والأم عن قوات الامن متهمين المتظاهرين بأنهم «مخربون» تدافع الفتاه وبحماس شديد عن المجتمع الأمريكي الأسود ومؤكدة أن هذه الموجة من التظاهرات حتى وإن شهدت أعمال عنف متفرقه فهي نتاج طبيعي لسنوات طوال من الحرمان والقهر عانى منها هذا المجتمع على يد النظام السياسي والاجتماعي على حد سواء.

‎الأمر الذي يطرح سؤالاً: لماذا تختلف رؤية هذه القضيه الشائكه بين الجيلين إلى هذا الدرجه؟ لماذا يراها جيل وكأنها طبيعة الأمور في حين يرفضها جيل آخر جمله وتفصيلاً ويتظاهر ضدها مطالباً بتغيير السياسات التي أدت إليها والتي أنتجت- بطبيعة الحال- جريمة مثل قتل جورج فلويد خنقاً.

‎في رأيي الشخصي ما حدث هو أنه حتى الستينات كانت الغالبية العظمى من البيض في المجتمع الأمريكي يرون السود باعتبارهم عرقا أدنى نتيجة ميراث العنصرية المتوارثة ونتيجه عنصرية النظام نفسه الذي سن قوانين تكرس هذا الانقسام العرقي خاصة المتعلقه بالسكن والتعليم والرعاية الصحية وغير ذلك من خدمات أساسية.

‎لكن شيئا ما حدث في تلك الفترة حيث ظهر الأمريكي الأسود بشكل مغاير للصورة النمطية التي رسمت له على مدار قرون، ظهر كمناضل من أجل المساواة من خلال حركة الحقوق المدنية التي تزعمها القس مارتن لوثر كينغ ثم بشكل أكثر عنفا وثوريه مع حركة القوة السوداء التي جسدتها شخصيات مثل الزعيم الأسود مالكولم إكس وبطل الملاكمة محمد على ثم حزب الفهود السود الذي انتهج نهج الكفاح المسلح للدفاع عن النفس ضد عنف قوات الأمن.

مالكولم إكس، ومارتن لوثر كينج

‎كانت هذه الصورة الجديدة لافتة وجذابة لجيل جديد من البيض ثار هو الآخر في أواخر الستينات على كل شي٫ على حرب فيتنام وعلى الأسرة كمؤسسة تقليدية وعلى الكنيسة كمؤسسة دينية.

‎التقى الغاضبون البيض والسود على أرضية رفض الماضي ومحاولة صنع واقع جديد، ولذا فمن الملاحظ أن البيض الليبراليين بدأوا في احتضان هؤلاء الثوار السود أو التحالف معهم على أقل تقدير وكان من بينهم نجوم هوليوود كجين فوندا التي فتحت لهم دارها ومارلون براندو الذي تعاطف معهم.

مارلون براندو

‎إضافة الى ذلك فإن اعتزاز السود بهويتهم في تلك الفترة وما اعتبروه عودة منهم إلى جذورهم الإفريقية والتي عكسها برنامج تلفزيوني مثل «سول تراين» على سبيل المثال جعلهم يبدعون أنواعا مختلفة من الفنون ويبتكرون رقصات وقصات شعر وملابس وغير ذلك أبهرت الجيل الجديد من البيض.

‎ومع التسعينات وصعود مرشح ديمقراطي هو بيل كلينتون إلى سدة الرئاسة تحول التحالف إلى اندماج وصار السود هم النموذج الذي يسعى الأبيض لأن يكون عليه خاصة مع انتشار موسيقى الراب والهيب هوب والثقافة المرتبطة بهما.

بيل كلينتون، ومحمد علي كلاي

‎وبات من الشائع رؤية شبان بيض يقلدون مطربي هذه النوعية من الموسيقى في الملبس والمظهر وصار المثل الشائع هو «بلاك إذ ذا نيو كول» وهو ما يمكن ترجمته إلى أن تكون أسود يعني أن تكون رائعاً».

‎بل إن الأمر تجاوز مجرد الإعجاب والاندماج ذلك إلى الزواج المختلط بين الأعراق، وبات نتاج هذا الزواج أي الأبناء المختلطين عرقياً لاسيما المشاهير منهم ذوي شعبية واسعة في المجتمع الأمريكي مثل المخرج السينمائي غوردان بيل والممثل كيغان مايكل كي و المطربة ماريا كاري ودوقة سوسيكس ميغان ماركل زوجة الأمير هاري وغيرهم.

‎من الطبيعي أن نجد هذا الجيل في صدارة التظاهرات الرافضة للعنصريه والتعامل الأمني العنيف مع الأقليات، فالسود يعبرون من خلال التظاهرات عن سخطهم ضد نظام كان ولا يزال يميز بين المواطنين على أساس العرق ونظرائهم من البيض يتظاهرون رفضاً لميراث تاريخي من الذنب أورثهم إياه أسلافهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: