دار الكتب

صلاح عبد الصبور يقرأ الشعر العربي القديم

‎كثرة من شعراء زماننا ينفرون من الشعر القديم، نفورًا يجعلهم لا يصبرون على قراءة قصيدة واحدة منه، بل لا يطيقون القراءة من بابها، فكيف هم شعراء؟.

‎كان الشاعر الكبير الراحل صلاح عبد الصبور غير هؤلاء، فعندما بلغ السابعة والثلاثين من عمره في العام 1968 قرر إعادة النظر في شعرنا العربي القديم، فقدم لدار الكاتب العربي كتابه «قراءة جديدة لشعرنا القديم».

صلاح عبد الصبور

‎أيامها كان عبد الصبور في أوج شهرته وفي ريعان شبابه، ولكنه لم يعتمد لا على الشهرة ولا على الشباب، هو وصف نفسه في مقدمة كتابه: «بأنه قارئ للشعر العربي، يحبه، لأنه ـ أي الشعر ـ جذوره الممدودة في الأرض، ويصدر عنه فيما يكتب ويطمع أن يستوعب أشرف تقاليده ثم يعرضه على مرآة عصره وفي هذا المقام لن يستهويني كبار الشعراء فيصرفونني، عن النظر في صغارهم، ولن تشدني القصيدة التي رزقت حظًا من الرواج والشهرة فأستغني بها عن خامل القصائد، بل إني لأطمع في أن أنظر في هذا التراث كله، نظرة بريئة جديدة ترى الجمال حيثما وجد بمقياسها العصري، فلا يأسرها حكم سابق، وتحاول أن تستشف ما وراء هذا الجمال من ظاهرة اجتماعية أو تيار نفسي أو إحساس عام».

هل للشعر فائدة؟.

‎عندما تقرأ كتاب الأستاذ عبد الصبور ستسأل: أي ثقافة حازها ذلك الشاب ومتى عرف كل ما عرف؟.

‎يبدأ الشاعر الشاب كتابه مقررًا بأن أي بحث في الشعر القديم يجب أن يقدم الإجابة عن ثلاثة أسئلة.

‎السؤال الأول هو: ما جدوى الشعر؟.

‎والسؤال الثاني هو: من أين ينبع الشعر؟.

‎والسؤال الثالث هو: ما موقف الشاعر ـ يقصد الشاعر المعاصر ـ من التراث؟.

‎في إجابته عن السؤال الأول قال عبد الصبور: «إن أقدم إجابة وصلتنا أطلقها الفيلسوف أفلاطون الذي أخرج الشعراء من مدينته الفاضلة، وذلك لأن مدينته تقوم على فكرة العادل، والشعراء يتلاعبون بعقول الناس معتمدين على الأوهام والخرافات ويصرفونهم عن جد العمل إلى هزل القول، فما هم بمحاربين يحملون السلاح، وما هم بصناع ينتجون ما تحتاجه الحياة من مقاعد وأسرة ودروع وسيوف، وما هم بفلاسفة يحكمون العقل في أمورهم. الشعر عند أفلاطون لا جدوى له، إلا أن يكون أناشيد تتقدم صفوف المتحاربين».

‎وبعد أن عرض عبد الصبور لرأي أفلاطون علق بقوله: «هذا الرأي تعرفه الإنسانية منذ وعت وجودها وستظل تعرفه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا».

أفلاطون

‎ليت عبد الصبور توقف عند رأي الإسلام في جدوى الشعر، فالأستاذ عبد الصبور قرأ ـ لا شك عندي في ذلك ـ أنه لما نزلت (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ). جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم يبكون, فقالوا: قد علم الله حين أنـزل هذه الآية أنا شعراء, فتلا النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

‎والأستاذ عبد الصبور يعرف أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكمة، وإذا التبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه من الشعر فإنه عربي».

‎على ما سبق فإن الرد على أفلاطون من أرض عربية إسلامية كان ميسورًا، فلا يقارن بين فائدة الدجاجة وبين فائدة القصيدة إلا معطوب الوجدان سقيم الفؤاد.

‎وفي سياق رده على رأي افلاطون قال الأستاذ عبد الصبور: «إن هناك من يرى أن الشعر هو سر الحياة وجوهرها، ونحن سنتوسط في القول فنزعم أن الشعر هو اكتشاف الجمالي والوجداني من الحياة، فبدون قصائد الحب والغزل لم نكن لنستطيع أن نرتفع بالجنس إلى أفق الحب».

‎ختم عبد الصبور مرافعته عن جدوى الشعر وأهميته بقوله: «إن الوردة ما كان لها أن تحتل مكانتها إلا بالشعر والشعراء».

‎ثم ذهب إلى الإجابة عن السؤال الثاني الخاص بمنبع الشعر فقال: «إن نظرية الوحى والإلهام من أهم النظريات في تاريخ الشعر، والوحي معناه الكشف الباطني عن حقائق لا تبدو ظاهرة لعيان البصر أو العقل، فهو عمل من أعمال البصيرة التي تستطيع أن تثب فوق أسوار الظاهر لتلتقي بعالم الموجودات لقاءً حميميًا حاد الرؤية.

‎العرب في جاهليتهم كانوا يؤمنون بهذه النظرية، فالوحي عندهم والإلهام كان يأتي من الجن، فقد قال الشاعر القديم أمرؤ القيس:

‎«تخيرني الجن أشعارها …. فما شئت من أشعارها اصطفيت».

‎ولكن تلك النظرية سقطت أو كادت تسقط سقوطًا نهائيًا لصالح نظرية جديدة وهى نظرية الصنعة!.

‎لقد أصبح الشاعر صانع (مثل أي حرفي) وأصبح الشعر صنعة مثل أي حرفة.

‎لكن عبد الصبور يقول ما ملخصه: لا يوجد شاعر لا يتمرن ولا يدرب نفسه ولا يثقفها حتى يحكم قصيدته، ولكن أن يهبط الشعر من سموات الوحي والإلهام إلى خشونة الصنعة والتكلف والتعمد، فهذا قد أضر بالشعر وبتطوره.

‎أما عن موقف الشاعر المعاصر من تراثه فقال عبد الصبور: هناك عبيد للتراث لا يخرجون عن مفرداته ولا عن صوره، حتى لو كانت قد غابت بحكم التطور الاجتماعي، والواحد من هؤلاء إذا أراد أن يصف عود حبيبته قال «إنها مثل غصن البان».

‎أين البان ذاته من حياتنا المعاصرة؟.

‎وإلى جوار هؤلاء الذين وقعوا في فخ التراث، هناك الذين عرفوا التراث وراحوا يستخدمونه ولم يتركوا له فرصة أن يستخدمهم، فكتبوا بعد أن تزودوا بخبرات تراثية هائلة فجاءت أشعارهم على أكمل ما يكون الشعر.

‎للأسف لم يلتفت الأستاذ عبد الصبور إلى الذين يكرهون التراث ويشنعون عليه ويلصقون به كل قبيح.

‎بدء الكارثة

‎كتاب الأستاذ عبد الصبور مقسم إلى ثمانية فصول، تناول في كل فصل قضية من قضايا الشعر من وجهة نظر الشاعر الشاب المحب، الذي لا يريد نسف التراث ولكن يريد استثماره والبناء عليه.

‎وفي فصل من أهم فصول الكتاب حمل عنوان «بين المهانة والتمرد». وضع عبد الصبور يده على بدايات الكارثة التي لحقت بالشعر العربي.

‎في بدء أمره كان الشاعر العربي نجم قبيلته بدون منازع وموضوع تقديرها، لأنه كان بمثابة وزارة إعلام القبيلة، ثم جرت في النهر مياه كثيرة فوجد الشاعر العربي نفسه في خدمة الأمراء.

‎يقول عبد الصبور: «لقد أجبر الشعراء العرب الكبار على التزام وضع اجتماعي مهين، فقام في نفوسهم الصراع بين هذا الوضع المهين وبين ثرائهم الروحي. كانوا يستبشعون فيما بينهم وبين ذواتهم أن يكون دورهم في الحياة هو دور المهرج الوضيع أو الخادم التابع، فتعرضوا عندئذ لنوبة حادة من نوبات تأنيب الضمير، واختلفت ردود أفعالهم، فلجأ بعضهم إلى القسوة على الحياة والناس بسخرية جارحة، كصنيع بشار بن برد، ولجأ آخرون إلى الملذات العنيفة والموت سكرًا كصنيع أبي نواس وزمرته، وحاول بعضهم الدوران مع الحياة وإلغاء شخصياتهم الفردية، كما فعل البحتري، وعانى آخر الشقاء الذي لا حد له بين ضيقه بوضعه الاجتماعي وطلبه للسيادة الفعلية بالاستحواذ على ملك أو ولاية كما فعل المتنبي».

عتاب المتنبي لسيف الدوله الحمداني

‎ثم يختم عبد الصبور قائلًا: «كان لابد ازاء هذا الصراع أن ينقسم معظم الشعراء الصادقين إلى اثنين، لا إنسان واحد متكامل، أحدهما مارس دوره الوظيفي بعد أن ألغى كرامته، وإنسان آخر ينتقم من الإنسان بأن يندفع إلى وجود فني مناقض لدوره الوظيفي ووضعه الاجتماعي».

‎إن انقسام الشاعر العربي على ذاته قد جعل الشعر العربي يخسر عطاء الكثير من فحوله، فالمتنبي عظيم وهو يدور في فلك سيف الدولة، فكيف كانت ستبلغ عظمته لو كان قد تخلص من كل قيد أو شرط؟.

‎وبعدُ فليت الشعراء العرب الشبان يطالعون يطالعون كتاب زميلهم الشاعر الشاب صلاح عبد الصبور، ليعرف كل واحد منهم أباه وجده فلا خير في إنسان يتنكر لنسبه.

أحلام الفارس القديم للشاعر صلاح عبد الصبور

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق