رؤى

‎لماذا تتعاطف دوائر عديدة في الأكاديميا الغربية مع الاسلاموية؟ (1)

تقديم

في السنوات الأخيرة انتبه العديد من الباحثين العرب الجادين المتداخلين مع الحضارة الغربية إلى وجود قدر من التعاطف في قسم وازن من الدوائر البحثية والأكاديمية الغربية مع ظاهرة الإسلام السياسي بما فيها أكاديميون منتمون إلى ما يعرف باليسار الجديد الذي تبلور بوضوح بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن هذا الانتباه لم يحظ بمناقشة نقدية جدية لهذه الأفكار التي قد تعكس في جزء منها عدم اطلاع كاف علي السياق الثقافي العربي / الإسلامي وفي جزء آخر تأثير الهجرة المبكرة لأكاديميين ونشطاء إسلاميين [أكثرهم من جماعة الإخوان] إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وممارستهم نشاطا فكريا و سياسيا ودعائيا منظما وتراكميا.
ولهذا تفتح أصوات أونلاين منبرها للأكاديمي العربي المقيم في كندا د. وائل صالح الذي اقترح أن يتفاعل مباشرة مع الافتراضات العشر التي تقيم بعض الدوائر الأكاديمية الغربية -علي أساسها -نظرتها الإيجابية لتيار الإسلام السياسي رغم تزايد مخاطر ظواهر العنف والإرهاب خلال الأربعين عاما الأخيرة التي نتجت عنه والتي تفجرت كظاهرة عالمية في أعقاب ماعرف بالجهاد ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام ١٩٧٩.
أصوات أونلاين

أبرز الهجمات الإرهابية في فرنسا خلال عامي 2015-2017

‎  عادة ما يقصد بالإسلاموية حركات التغيير السياسية التي تركز على الإسلام باعتباره «نظاما سياسيا للحكم»، حيث يجعل أعضاء هذه الحركات الوصول للسلطة السياسية الهدف الذي يتفوق علي ما عداه من روحيات وعبادات. ومما لا شك فيه أن أكثر ما يتفاجأ به الباحث العربي المتخصص في دراسة الإسلاموية هو كم التعاطف الكبير الذي يحظي به ذلك التيار وخصوصاً جماعة الإخوان في قسم مهم من الدوائر الأكاديمية الغربية.

‎يهدف هذا المقال إلي مشاركة القارئ و الباحث العربي محاولة من باحث عربي يعايش هذا المناخ الأكاديمي لفهم وتفكيك ونقد بعض دراسات ومقالات المتعاطفين مع الإسلاموية في تلك الأكاديميات الغربية خصوصاً المتحدثة منها باللغتين الفرنسية والإنجليزية من خلال الحوار المباشر مع بعض المنتمين إليها. 

‎بادئ ذى بدء، تبين لنا الأدبيات الحالية في الأكاديميات الغربية أنه بالنسبة لجماعة الإخوان والتي هي الجماعة الأم للإسلاموية و النسخة التي يوجد اعتقاد لدي بعض الباحثين الغربيين أنها الأكثر اعتدالا مقارنة بغيرها من الجماعات الاسلاموية  الأكثر عنفا.

لكن رغم ذلك فان هذا التقييم لايوجد إجماع عليه بين الباحثين الغربيين، كما لا يوجد إجماع على قدرة هذه الحركة علي التكيف مع الحداثة الاجتماعية والسياسية-

حادث تفجير بطابا الذي نفذته حركة حسم التابعة لجماعة الإخوان بعد عزل محمد مرسي

‎فبينما يعتقد بعض الباحثين أن الإسلاموية و علي رأسها جماعة الإخوان هي حركة معادية للحداثة و متطرفة بطبيعتها[1]

‎يصفها آخرون بأنها حركة عادة ما تكون سلمية غير عنفية و أنها مرشحة لتقبل الحداثة حتي و لو بمفردات قد تبدو مختلفة [2].

– في حين تشير فئة ثالثة من الباحثين إلى أن التيارين، الحداثي والمناهض للحداثة، يتواجدان و يتصارعان داخل التنظيم  الاخواني و انه من السابق لأوانه معرفة لمن ستكون الغلبة في نهاية الأمر[3].-

– وتعتقد فئة رابعة من الباحثين الغربيين، غالبا ممن يعملون في مجال علم الاجتماع، أن الإسلاميين في طريقهم إلى التحول إلى الحداثة، على الرغم من التحديات الكثيرة التي تنتظرهم قبل أن يمكن اعتبارهم بشكل نهائي ديمقراطيين عصريين[4].

سنتناول في المقالات القادمة من هذه السلسلة الأقانيم العشرة التي يتأسس عليها هذا الاتجاه الذي يغلب عليه التعاطف مع الإسلاموية. هذا التعاطف مؤسس منذ عقود علي أفكار خاطئة عن جماعة الإخوان بالأساس و لكنها أصبحت من المسلمات في اللاوعي الجمعي لهؤلاء الأكاديميين وهذه الأقانيم هي كالتالي:-

‎ ١-الحركة الاسلاموية هي الشكل الإسلامي للاهوت التحرير

‎٢- التيار الاسلاموي هو تيارً ذو بُعد ما بعد حداثي.

‎٣- ان فصل الدين عن الدولة هو خصوصية مسيحية بينما المزج بينهما بالطريقة التي ينادي بها الإخوان هي من خصوصية و هوية الإسلام .

‎٤- فريق يجزم بأن جماعة الإخوان هي ممثل الإسلام أو هي التيار الغالب في الإسلام.

٥- ان جماعة الاخوان هي جماعة يمكن لها أن تتوافق مع القيم الأساسية للمواطنة و العيش المشترك،

٦- أن العنف الذي تمارسه الإسلاموية ليس بسبب أيديولوجيتها السياسية ولكن لأسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية فقط

‎ ٧- أن الإسلاموية هي عملية ستؤدي حتما الي تطور الإخوان إلي تيار ما بعد إسلاموي

‎٨-  يزعم بعض هؤلاء الباحثين الغربيين أن جماعة الإخوان يمكن لها أن تسلك نفس الطريق الذي سلكته الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا، 

‎٩-ويعتقد آخرون أن جماعة الإخوان هي رد فعل مشروع لمحاولة استلاب الهوية الحضارية- الثقافية من قبل المستعمر الغربي السابق. 

‎١٠-ويعتبر البعض الآخر أن الاقتصار علي تحليل النصوص التأسيسية لفهم ممارسات ومخيلة الإسلاميين هو نوع من الإختزال لحقيقتهم.

‎… هذه الافتراضات العشر المتوارثة – من وجهة نظري – في قسم معتبر من الأكاديميات الغربية هى موضوع هذه السلسلة من المقالات التي ستتناول هذه الافتراضات بالتحليل والمناقشة من منظور الممارسة السياسية والاجتماعية الفعلية لهذه الجماعات على أرض الواقع السياسي الاجتماعي، والتي سابداها بمقال يناقش الافتراض الاول لبعض الأكاديميين الغربيين وهو: هل الحركات الإسلامية هي الشكل الإسلامي للاهوت التحرير المسيحي الذي عرفته امريكا اللاتينية؟، أم أن الأمر هو من قبيل النظر المتعجل عن بعد، أم هو نوع من الاستسهال الغربي في الحكم على ما لا نعرف قياسا على ما نعرف، دون توقف كاف أمام خصوصية الحركات السياسية من منطقة ثقافية لأخرى في عالمنا؟    

الاسلاموية واليمين المتطرف

 

[1] Gilles Kepel (1984), Ann Elizabeth Mayer (1991) et Wistrich (2012) et Abderrahim Lamchichi (1994).

[2] François Burgat (2002), Sana Abed-Kotob (1995), Kevin Koehler, Jana Warkotsch (2009), Adnan Musallam (2005) et Calvert (2010) et Khan (2011).

[3] Marc Lynch (2008), Barbara H E Zollner (2009) et Sylvain Besson (2005).

[4] Samir Amghar (2012), Noah Feldman (2008), Nathan J Brown, Amr Hamzawy et Marina Ottaway (2006), Jean-Noël Ferrié (2008) et Burhan Ghalioun (1997).

الوسوم

د. وائل صالح

مدرس مشارك في معهد الدرسات الدولية بجامعة كيبك بمونتريال

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: