رؤى

‎المتطرفون يستغلون معاناة الناس في الأزمات. ووباء كورونا ليس استثناءاً

مايكل زيلر – باحث مشارك في «مركز جامعة أوربا الوسطى» لدراسات السياسة (CEU)،
ويعمل في مشروع «بناء المقاومة ضد التطرف العنيف والاستقطاب» (BRaVE).

عرض وترجمة: أحمد بركات

في أوقات الأزمات، تاتي الآثار الأكثر خطورة لها من انقطاع الخدمات الأساسية والمهمة، مما يؤدي إلى خلق فراغ يصيب في المقام الأول الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع.

‎في هكذا أوقات تنهار سلاسل التوريدات، عندما يُدفع بها إلى تلبية مطالب تتجاوز طاقاتها، أو عندما يعجز العاملون بها عن الذهاب إلى أعمالهم بسبب المرض أو بسبب الإجراءات الاحترازية. وتجسد الندرة الانتقائية في الخميرة والدقيق و’ورق الحمام‘ في المتاجر في العديد من البلدان، والضغوط أو الإغلاق المؤقت لمزودي الخدمات والمواد الغذائية بسبب كوفيد – 19، نموذجا لهذا الانهيار.

تهافت على المواد الغذائية بسبب كورونا

في كثير من الأحيان، تتدخل قوى اجتماعية أخرى (على سبيل المثال، حركات اجتماعية، أو ممثلو عمل جماعي) لملء هذا الفراغ.

‎في أفضل حالاته، يمكن أن يساعد هذا التدخل  في تقديم الخدمات للأفراد والجماعات المعرضين للخطر، أو أولئك الذين لا يستطيعون تحمل أعباء اضطرابات الأزمة. لكن تقديم الخدمات في أوقات تفشي الأزمات، أو في أي ظروف ندرة أخرى، يمكن أن يتحول إلى هدف تسعى وراءه مشروعات أيديولوجية خبيثةومنذ وقت طويل أدرك المتطرفون هذه الحقيقة، وعكفوا طويلا على استغلالها لتوظيف السياسات المجتمعية لخدمة أفكارهم. وبطبيعة الحال فإن  كوفيد – 19 ليس استثناء من هذه القاعدة بوجه من الوجوه.

وتمتلك قوى التطرف تاريخا طويلا وسجلا ’حافلا‘ في الاستفادة من الأزمات. وقد أكدت بحوث علم النفس الاجتماعي مرارا وجود علاقة إيجابية بين التهديدات المتوقعة – التي تزداد بفعل الأزمة – والازدياد في اتخاذ المواقف الراديكالية، حيث يميل كثير من الأشخاص في ظروف الأزمات بدرجات أكبر إلى التحول إلى الكيانات المتطرفة التي تصور نفسها على أنها الضمانة الوحيدة لحفظ النظام والمحافظة على الاستقرار.

داعش يوزع منتجات غذائية جنوب دمشق

‎ويقدم الحزب النازي نموذجا جيدا في هذا السياق. ففي بداية عشرينيات القرن الماضي، عندما وقعت ألمانيا تحت براثن تضخم شديد وعدم استقرار سياسي، كان النازيون وأدولف هتلر يتمتعون بشعبية كبيرة، حيث وجدوا استجابة موسعة وغير مسبوقة لسردياتهم المتطرفة. لكن بعد ذلك، في الانتخابات الوطنية في مايو 1928 (أي قبل الانهيار الاقتصادي)، عندما كانت ألمانيا أكثر رخاء واستقرارا، حصل الحزب النازي على نسبة متدنية للغاية من الأصوات بلغت 2.6% فقط.

‎وبعد أربع سنوات، بعد أن تضرر الاقتصاد الألماني بشدة بسبب «الكساد الكبير»، فاز النازيون بأغلبية كبيرة من الأصوات في السباقات الانتخابية المتتالية التي عقدت في ألمانيا في هذه الفترة، وباتوا قريبين من الاستيلاء على السلطة المطلقة.

الحزب النازي

وبالمثل، عندما تشح الموارد أو الخدمات، يستطيع المتطرفون التربح من العمل كمنظمين مجتمعيين ومزودي خدمات. ففي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، نشطت «جماعات الإسلام السياسي المصرية» في تطبيق استراتيجية سياسية تقوم على تقديم الخدمات (خاصة خدمات ما قبل الولادة والأمومة) في العشوائيات والأحياء الفقيرة في العاصمة المصرية، القاهرة. وقد ساعدهم هذا النشاط على كسب تأييد واسع داخل هذه المجتمعات، وسار هذا جنبا إلى جنب مع تأكيداتهم على السيطرة على السياسات المحلية. بهذه الطريقة تمكن ’حصان طروادة‘- الذي أخذ هذه المرة شكل تقديم الخدمات – من تسريب أيديولوجيتهم المتطرفة عبر البوابات، وفي وضح النهار

‎يشتمل تقديم الخدمات على جزء مما يمكن تسميته «السياسات المجتمعية» (Community Politics). ويشير هذا المصطلح إلى العمل السياسي [الخدمي] المغرق في المحلية، والمتمركز حول العناية بالاحتياجات الأساسية والاهتمامات والخدمات اليومية للسكان. وقد اتجهت قوى التطرف إلى توظيف «السياسات المجتمعية» كوسيلة للبقاء والتمدد حتى بدون زخم أزمة اجتماعية كبرى.

على سبيل المثال، برز «الحزب الوطني البريطاني» اليميني المتطرف في ثمانينيات القرن الماضي كجماعة متطرفة تركز بقوة على «سياسات الشارع» التقليدية، مثل تنظيم المسيرات والتجمعات، وإرهاب الأقليات من خلال ممارسة عنف العصابات. لكن، في بداية التسعينيات، تمكنت «مجموعة العمل المناهض للفاشية» من تنفيذ تعبئة مضادة، نجحت بقوة في دحر الحزب الوطني وإقصائه عن الشارع. ويصف «نايجل كوبسي»، الباحث في دراسات الفاشية ومناهضة الفاشية بجامعة تيسايد في بريطانيا، كيف تحول الحزب الوطني بعيدا عن الشارع على إثر هذه المعارضة القوية، وانصرف إلى تنظيم المجتمع والتواصل معه. وقد قاد هذا التحور في الممارسة السياسية في نهاية المطاف إلى العديد من المكاسب الانتخابية للحزب، وهو ما وضعه بامتياز على رأس قائمة الأحزاب المتطرفة الناجحة في المملكة المتحدة.

‎تمثل السياسات المجتمعية بلا شك استراتيجية فعالة للمتطرفين، حيث يحولون التطرف  الحنجوري إلى كيان مفيد ومتعاون يطرق الأبواب، وهنا تبدو الأفكار المتطرفة أقل عدائية وتهديدا. وعندما ينقطع حبل الخدمات العادية التي تلعب الحكومة فيها دورا ملموسا فإن أوقات الأزمات تقدم الفرصة المثلى للمتشددين لجعل السياسات المجتمعية تحدث تأثيراتها العميقة.

‎ويمثل كوفيد – 19، بما له من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة، فرصة سانحة للمتطرفين للدفع قدما بمشروعاتهم الأيديولوجية. وفي كثير من الدول الأوربية يستخدم اليمين المتطرف مشروعات المعونات المجتمعية للترويج لأفكارهم وتجنيد مزيد من العناصر. وقد أبدى اليمين المتطرف في ألمانيا تحديدا نشاطا لافتا في هذا السياق، حيث عرض أعضاء من جناح الشباب بـ «الحزب الوطني الديمقراطي» في ألمانيا الذهاب للتسوق للتخفيف عن كبار السن المتقاعدين، ومساعدة المشردين، والتبرع لملاجئ الحيوانات. وعزز حزب «الطريق الثالث» – وهو حزب صغير من النازيين الجدد – عروضه للمساعدة في تقديم الخدمات داخل الأحياء، إلى جانب كشف المؤامرات حول الأصول والأهداف ’الحقيقية‘ لكوفيد – 19، والإعلان عن مظاهرات مخطط لها في وقت لاحق من هذا العام. 

الحزب الوطني الديمقراطي في ألمانيا

‎إن الترويج للتطرف عن طرق تقديم المساعدات العاجلة من الوضوح الذي يجعله بغير حاجة إلى إجلاء أو توعية، لكن الضغوط التي تفرضها الأزمات تدفع بمزيد من الأفراد إلى قبول المساعدات والتفكير في الأيديولوجيات المتطرفة.

‎والسؤال الذي يتعين طرحه الآن هو: ما الذي يمكن أن يحد – أو يمنع – من جاذبية السياسات المجتمعية التي يمارسها المتطرفون؟ ربما تكون الإجابة على هذا التساؤل ملحة، ولكنها بالقدر ذاته من البساطة، وتكمن بالأساس في ضرورة توجيه مزيد من الاهتمام إلى المجتمعات الفقيرة من أجل تقليل نقاط الضعف الاجتماعية التي يعتاش عليها المتطرفون.

لقد كانت خطة مارشال التي مولت إعادة الإعمار في ألمانيا وأوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية مدفوعة – ولو بصورة جزئية – بنوايا حكومة الولايات المتحدة لتقويض جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة. وبعد التصدي لنشاطات جماعات الإسلام السياسي المصرية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وجهت الحكومة المصرية مزيدا من الموارد إلى العشوائيات والأحياء الفقيرة في القاهرة حتى تقلل من استعدادات أفرادها لتقبل تلقي الخدمات من الجماعات المتطرفة.

وعلى إثر تحول الحزب الوطني البريطاني إلى السياسات المجتمعية، وجد المناهضون للفاشية أنفسهم مضطرين أيضا إلى التحول إلى العمل المجتمعي حتى يتمكنوا من محاربة تمدد الحزب الوطني وانتشاره.

وتبين نماذج حديثة للتعبئة المضادة السياسات المجتمعية المتطرفة مثل ذلك النموذج الذي قدمته مدينة بوكسبيرج – مدى التباطؤ والمشقة في تنفيذ هذه العملية. لكن، يبقى هذا الإجراء هو الحل الأمثل الذي تتطلبه حقيقة مواجهة توظيف المتطرفين للأزمات وحملات التنظيم المجتمعي من أجل نشر أيديولوجياتهم المسممة.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: