رؤى

كورونا وانقطاعات الحياة (3-4) الضغوط الكورونيالية: أدرينالين الهرب أو المواجهة؟

كان والتر كانون W.Cannon أستاذ الفيزيولوجيا الأمريكي (1873-1945)، من أوائل من أكدوا وجود التأثير السلبي للضغوط على الكائن الحي. فعندما يواجه هذا الكائن موقفًا خطرًا تفرز الغدة الأدرينالية هرمونات مثل الإيبنيفرين والنوريبنيفرين، فتخلق هذه الهرمونات حالة من عدم التوازن في أجهزة الكائن الحي الفسيولوجية، وهنا يصبح هذا الكائن محتشدًا بالطاقة، بحيث إنه قد يشترك في نشاط وقتال ومواجهة للخطر أو أنه قد يهرب من الموقف المُهدِّد له. وقد أطلق كانون على هذه المجموعة من الأمراض اسم متلازمة أعراض القتال (أو المواجهة) – الهرب Fight- flight syndrome، وهى تلك المتلازمة التي تدفع الكائن إلى توجيه وتحريك الطاقات التي تولدت بداخله نتيجة لإفراز هرمونات الأدرينالين  بالطريقة التي يراها مناسبة.

والتر كانون

لكن والتر كانون، ولأنه كان واثقًا أن الكائن الحي غالبًا ما يعود بعد قيامه بالنشاط المناسب إلى حالة الاتزان الداخلي الخاصة به مرة أخرى، فإنه لم يهتم بالنتائج السلبية المترتبة على استثارة مثل هذه الحالات. وقد كان هانز سيلي H.Selye (1907-1982) الأب الحقيقي لبحوث الضغوط وهو عالم كندي من أصل مجري، خلال الثلاثينيات ثم الخمسينيات من القرن العشرين، فهو الذي انتبه للآثار السلبية المرتبطة بعمليات الاستثارة الداخلية المرتبطة بالشعور بالخطر والتهديد التي وصفها كانون قبله، ومن ثم بدأ الاهتمام الفعلي بتلك الأعراض المشتركة التي تظهر في بدايات الأمراض المعدية، وكذلك عند التعرض للضغوط والمواقف المؤلمة، ومن الأعراض التي ظهرت هنا: تضخم قشرة الغدة الكظرية التي تفرز الأدرينالين، وكذلك حدوث قرح في الجهاز الهضمي، وأيضًا تقلص في الغدة الصعترية التي ترتبط بجهاز المناعة وبعضلات الابتسام في الوجه أيضًا. وتظهر هذه الأعراض على نحو خاص عندما يتعرض الكائن للبرودة الشديدة، أو الحرارة الشديدة، أو أشعة إكس، أو الضوضاء، أو الألم الجسمي، أو النزيف، وعند قيامه بجهد عضلي شاق، أي، وعلى نحو جوهري، عندما يتعرض لمواقف وظروف ضاغطة ومسببة للضيق، كالقلق، أوالطرد من العمل، أوالظروف المادية، والاجتماعية، والنفسية، والبيئية السيئة، وكذلك الشعور بالخوف الشديد والهلع والتوتر وكذلك عندما يعيش في ظل الزلازل والبراكين والفيضانات وأيضًا في ظل جائحة مرعبة كجائحة كورونا التي نعيش في ظلالها الآن.

هانز سيلي

عندما يوجد الأفراد في مثل هذه الظروف، تفرز مادة الجلوكوز، وكذلك الأشكال البسيطة من البروتينات والدهون من الخلايا الدهنية والكبد وبعض العضلات من أجل تغذية تلك العضلات الضرورية للقيام باستجابة القتال – الهرب المناسبة، ويتم توزيع الجلوكوز على العضلات المتحفزة، مصحوبًا بزيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم وحركة التنفس.

وعندما تتكرر الأزمات والضغوط في مثل هذه المواقف قد يعاني الكائن قلة مخزون المواد الضرورية للتوازن، فيتم استنفاد هرمونات الأدرينالين، ويقل الجلوكوز الضروري لتزويد الجسم بالطاقة الضرورية التي يستعين بها في مواجهة الأزمات والضغوط، على نحو مماثل لما يحدث عندما يتم استنفاد الدوبامين وغيره من مواد البهجة في المخ فيصبح الفرد مؤهلا للدخول في حالة من الاكتئاب.

لقد أكدت البحوث التي أجريت بعد «سيلي» كثيرًا من نتائجه، وخاصة ما يتعلق منها بهذا التتابع، أو التسلسل، الذي يحدث لدينا عندما يطلق لدينا جهاز الإنذار الداخلي صوته الخاص، فينبهنا إلى وجود خطر ما ينبغي أن نواجهه بالقتال أو الهرب. لكن هذه البحوث قد تشككت أيضًا في مدى صحة جانب واحد من نتائج سيلي، وهو الجانب الخاص بنضوب أو ضعف كفاءة الغدة الكظرية، ومن ثم كم الأدرينالين الذي تفرزه مع تزايد الضغوط، فالدراسات الحديثة تقول إن الاستجابة للضغوط نفسها، أي ذلك النشاط الخاص بالأدرينالين والذي يحرك الشخص الواقع تحت تأثير التهديد، وفي اتجاه المواجهة أو الهرب، وما يترتب عليه من نقص في هذا الهرمون، ومن ثم نقص هذا النشاط، هو الذي يمكن أن يكون ضارًا أو مدمرًا وخاصة عندما يتجاوز هذا النشاط فترة زمنية قصيرة معينة، أو عندما يكون الإنسان في حالة تحفز دائم وتوقع لحدوث شيء ما، وتنبه عصبي وانفعالي وعضلي وعقلي مستمر، كما يحدث الآن.

كيف يفاقم الانقطاع عن الحياة المشكلة؟

وهكذا فإن تلك الاستجابة الخاصة بالأدرينالين، والتي تكون مفيدة وضرورية في المواجهات التي تتم عبر فترة قصيرة من الزمن، هي نفسها قد تكون مدمرة أيضًا بدرجة عالية عندما تحدث على نحو متكرر ولفترات طويلة من الزمن.

إن ما نريد أن نشير إليه هنا، على نحو خاص، هو أن انهماك الإنسان في أعمال وأنشطة ولقاءات واهتمامات يومية هو ما يحفز بداخله طاقة المواجهة والاستمرارية في الحياة، أما وجود الهرمونات الخاصة بهذه المواجهة، ولكن دون مواجهات فعلية، كما يحدث في حالات الانقطاع هذه في أيامنا هذه، فهو الذي يجلب إليه مشاعر الانهماك والتعب والملل ومن ثم الاكتئاب، وذلك لأنه قد لا يجد أمامه في هذا الوضع سوى أن يواجه نفسه وينهكها ويستهلك طاقاتها دون جدوى، ناهيك عن أن الضغوط بشكل عام، والضغوط التي يعاني منها كثيرون منا الآن، تحت وطأة هذا الانقطاع عن ممارسة الحياة، وكذلك التكرار اليومي الإجباري القهري للتوقف عن ممارسة الأفعال والأعمال، يكون لها تأثيرات سلبية عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

1-  فقدان الشهية للطعام والجنس والعمل، وحدوث اضطرابات في الجهاز الهضمي، قد تتفاقم فتحدث الغازات، وسوء الهضم، والقرح، والسكر (بسبب نقص الأنسولين). إلى غير ذلك من الاضطرابات والأمراض.

2-  حدوث عمليات نقص في النمو لدى الصغار بسبب نقص الحركة واللعب والبهجة في عالمهم، وكذلك حدوث اضطراب في العمليات التي يعيد الجسم بناء نفسه من خلالها، وخاصة بواسطة الكالسيوم، لدى الكبار، ومن ثم فالضغوط مسؤولة عن أمراض العظام لدى هؤلاء الكبار أيضًا، ناهيك عما تحدثه قلة الحركة والمكوث في مكان واحد وقتًا طويلاً من زيادة في الوزن وغير ذلك من التأثيرات السلبية.

3-  حدوث ضعف في جهاز المناعة لدى الكبار والصغار أيضا، وكأننا هنا نهرب من احتمالية إصابتنا بمرض ما نتيجة لهذا الفيروس القاتل، كي نقع في قبضة أمراض أخرى ربما لا تقل عنه ضرًرًا أو تدميرًا لحياتنا.

في دراسة حديثة نشرت في شهر أبريل الماضي، أجريت على 1200 شخص من 194 مدينة صينية، وفي بداية ظهور الوباء في ووهان، قال 75% منهم إنهم كانوا في قلق دائم حول إمكانية إصابة أفراد أسرهم بالفيروس، كما تزايد القلق لديهم على أطفالهم أكثر من غيرهم، وكذلك ظهرت لدى أغلبهم علامات واضحة على حدوث ارتفاع في مستويات القلق والاكتئاب والضغوط لديهم. لكنهم قالوا أيضًا إنهم وجدوا أنه كلما زادت معرفتهم بالمعلومات الطبية الحديثة الدقيقة حول الوباء ومصدره وأعراضه وحول إمكانيات علاجه،.. إلخ، وكذلك قيامهم باتخاذ الاحتياطات والإجراءات الاحترازية المناسبة (غسل اليدين، ارتداء قناع، التباعد الاجتماعي ..إلخ) كلما أدى ذلك إلى خفض الشعور بالقلق والاكتئاب والمشقة لديهم.

إن دراسات مثل هذه قد تستخدم كدليل في تطوير استراتيجيات مساندة نفسية على المستوى القومي في مصر والبلاد العربية وغيرها من المجتمعات على مستوى العالم.

الوسوم

د. شاكر عبد الحميد

أستاذ علم النفس - وزير الثقافة الأسبق في مصر

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: