منوعات

هامش تاريخي على أزمة سد النهضة.. إرادة دولة يوليو وإفشال مخطط قطع مياه النيل من (سد أوين) عن مصر

رغم أنه لم يكن قد مر على جلاء الاحتلال البريطاني عن مصر أكثر من عامين، ولم يمر على ثورة 23 يوليو سوى 4 سنوات فقط، وكان نظام الجمهورية الوليدة لا يزال يتحسس خطاه لتثبيت قواعد الدولة الجديدة، إلا أن بريطانيا العظمى كانت تتحسب من رد الفعل المصري في حال أقدمت على الإضرار بمصالح مصر المائية.

قبل أن تقرر بريطانيا مشاركة فرنسا وإسرائيل في العدوان الثلاثي لإجبار مصر على التراجع عن قرار تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبدالناصر فى 26 يوليو 1956، بحثت الحكومة الإنجليزية قطع تدفق المياه عن سد أوين في أوغندا بهدف التأثير على القرار المصري، ألا أن وزيري الدفاع والخارجية في حكومة أنطوني إيدن نصحا بعدم المضي قدما في تلك الخطة «إلا إذا كانت الحكومة البريطانية مستعدة للدخول في حرب صريحة مع مصر التي سترسل قاذفاتها عبر السودان لقصف السد».

في عام 2006 رفُعت صفة السرية عن العديد من الوثائق البريطانية المتعلقة بأزمة تأميم قناة السويس وما تبعها بعد مرور 50 عاما على إيداعها، وكشفت بعض الوثائق عن نية الحكومة الإنجليزية حينها في استغلال ورقة المياه لإرغام مصر على التراجع عن قرار التأميم وإشراكها في إدراة قناة السويس.

إيدن يلوح بورقة المياه

الوثائق التي نشرها موقع الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ثم نشرتها جريدة «الأهرام» حينها، أشارت إلى أنه بعد مرور 34 يوم من قرار عبد الناصر بتأميم شركة قناة السويس، تحدث رئيس وزراء بريطانيا أنطونى إيدن فى خطاب بجلسة المساءلة الأسبوعية في مجلس العموم عن الأزمة مع النظام الناصرى وتطرق الحديث إلى استخدام ورقة مياة النيل للضغط على القاهرة.

رئيس وزراء بريطانيا أنطونى إيدن

بعد 4 أيام من هذا الخطاب، أرسلت وزارة الخارجية البريطانية توجيها إلى سفاراتها في نحو 30 دولة تطلب منها الترويج لالتزام بريطانيا بحق مصر فى السيطرة على سد شلالات أوين، «على الرغم من أن السد يقع على النيل الأبيض فى الأراضى الأوغندية، فإن الاتفاقات المسبقة تعطى لمصر حق السيطرة الكاملة على السد الذى أسهمت فى تمويله بهدفين أولاهما تمكين أوغندا من توليد الكهرباء، وثانيهما الحفاظ على تدفق المياه إلى مجرى نهر النيل الرئيسى الواصل إلى الأراضى المصرية، ويمارس حق مصر فى السيطرة، مهندسون مصريون مقيمون فى منطقة السد، ولا يمكن تنفيذ أى إشغالات أو أعمال فنية إلا بموافقتهم» .

وتضمن توجيه الخارجية البريطانية أيضا أن «هذا الأمر لا يزال قائما، وإن السد مقام على أراض بريطانية، وهو ملك حكومة استعمارية بريطانية، ومصر مستخدم وليست ذات سيادة على هذا السد، غير أنه وبفعل اتفاقية سلمية، سلمت بريطانيا للمستخدم المصرى بالسيطرة على مشروع حيوى لمصر، وليس هناك ما يوحى بأن امتلاك مصر لهذا الوضع الخاص ينتقص بأى حال من السيادة البريطانية».

كانت بريطانيا تهدف بترويج تلك الفكرة إلى أن هناك وضع مماثل على حالة قناة السويس التي تقع على أراضي مصرية لكنها تخضع لإدارة أجنبية، «يبدو أن التشابه فى هذا الوضع مع المتطلبات الغربية فيما يتعلق بقناة السويس كبير جدا جدا بالفعل».

وطالب وزير الخارجية البريطاني هارولد ماكميلان من البعثات البريطانية فى نحو 30 دولة منها مصر وإثيوبيا وإسرائيل بالترويج العلنى لفكرة التماثل بين القضيتين «قناة السويس» و«سد أوين»، وأصدر توجيهاته إلى كل سفير بأن «تتأكد من أن الحكومة التى أنت معتمد لديها على دراية بهذه النقطة، واستخدم ما يمكنك استخدامه بشأنها فى الإعلام».

وزير الخارجية البريطاني هارولد ماكميلان

بالتوازي أعدت وزراة الخارجية دراسة عن أهمية سد شلالات أوين بعنوان «استخدام مياه النيل ضد ناصر»، جاء فيها أن «تأثير تقييد تدفق المياه عند شلالات أوين سيكون أوضح فى مصر خلال الشهور من يناير حتى يونيو عندما تشكل مياه النيل الأبيض معظم 83% من مجرى النيل الرئيسى عند أسوان، وخلال بقية العام من يوليو إلى ديسمبر، سوف تؤدى التقييدات فقط إلى إحراج مصر».

برقية معاقبة مصر

وفى 15 سبتمبر من عام 1956، بعث رئيس الوزراء ببرقية سرية موجهة إلى وزير الخارجية تتضمن توجيها بإعداد ملف يساعد فى اتخاذ قرار بشأن فكرة «معاقبة مصر» بورقة مياه النيل بسبب موقفها من قناة السويس.

إيدن قال في برقيته إلى وزير خارجيته أنه «فيما يتصل بالوضع الحالى فى مصر، فأني متلهف لدراسة مسألة مياه النيل برمتها.. تتذكر أنه فى النقاش يوم 13 سبتمبر، استفدنا من نقطة أن مصر تتمتع بحقوق المستخدم فيما يتعلق بسد شلالات أوين فى أوغندا هذا، وربما جوانب أخرى لمياه النيل، وهو ما يتيح لنا حجة مفيدة وعقوبة ممكنة».

وزارة الخارجية البريطانية حذرت في دراستها المشار إليها من تأثير عقاب مصر مائيا على السودان، وقالت: «سوف تصبح الملاحة فى النيل صعبة إن لم تكن مستحيلة.. وسوف تتأثر الزراعة خاصة القطن بشكل رئيسي، على طول النيل الأبيض بين كوستى وجبل الأولياء، وسيتم تقييد عملية ملء خزان جبل الأولياء، وسوف يزيد التأثير بشكل أكثر خطورة لو اضطر المصريون لإفراغ الخزان مبكرا من أجل التخفيف من نقص المياه فى الشمال».

وأشارت الدراسة إلى رد فعل سكان أوغندا والسودان على التقييد من جانب الحكومة البريطانية لتدفق النيل من أجل ممارسة الضغط على مصر «سيكون رد فعل حاد وعدائي.. وسوف يتصاعد العداء بفعل أى صعوبات اقتصادية تنتج عن ذلك الضغط».

وشملت التحذيرات تأثير خطة العقاب المائى البريطانية على وضع الاتفاقات الدولية بشأن نهر النيل، وقالت الدراسة أنه بتنظيم التدفق عند شلالات أوين بما يضر بمصر، فإننا لابد سننتهك:

أولا: اتفاقية مياه النيل لعام 1929 والتى بمقتضاها تعهدنا بألا نباشر إلا بموافقة مسبقة من الحكومة المصرية إجراءات من شأنها خفض كمية المياه الواصلة إلى مصر أو تعديل تاريخ وصولها أو تقليل مستواها بطريقة تضر بحقوق مصر.

اتفاقية مياه النيل لعام 1929

ثانيا: المذكرات المتبادلة عام 1949، التى بمقتضاها يباشر مجلس الكهرباء الأوغندى تنظيم تدفق المياه المارة عبر السد بناء على تعليمات المهندس المصرى المقيم، وفقا للترتيبات المتفق عليها بين وزارة الأشغال العامة المصرية والسلطات الأوغندية.

ونصحت الخارجية البريطانية باستغلال قبول إنجلترا لسيطرة مصر على سد أوين الذى يقع فى أراض ذات سيادة بريطانيا كوسيلة للدعاية لمقترحها بتدويل إدارة قناة السويس، وقالت في دراستها: «نرى أنه يجب أن نكسب باستخدام ترتيبات شلالات أوين التى تعطى مصر حقوقا أكيدة على أراض بريطانية دون خرق السيادة البريطانية ليس كأساس للتهديدات، بل كتعبير عن استعدادنا للتخلى عن ممارسة السيادة غير المحدودة من أجل مصلحة العلاقات المتحضرة والحساسة مع الجيران. وهذه العلاقات تمثل نموذجا عمليا للاعتماد المتبادل الذى هو أساس مطالبتنا بالسيطرة الدولية على قناة السويس».

وخلصت وزارة الخارجية البريطانية إلى أن «استخدام مياه النيل فى أوغندا كوسيلة للضغط على مصر سيكون تأثيره بطيء، وعلى الأرجح سيضرنا أكثر من ضرره بالرئيس المصري عبدالناصر، رغم أنه سوف يضر بالاقتصاد المصري».

وأرسلت الوزارة الوثيقة «السرية للغاية» التى جاءت فى 8 صفحات إلى رئيس الوزراء ومعها خطاب مؤرخ فى 16 نوفمبر 1956 تخطره فيها بأنها فى انتظار تعليماته قبل الاتصال بالأمريكيين.

وفى 18 نوفمبر عام 1956، أرسل مكتب رئيس الوزراء برقية إلى الخارجية يعلمه فيها بعرض دراسة الوزراة على إيدن، البرقية التي دمغت بخاتم «سري للغاية» جاء فيها أن «رئيس الوزراء يرغب في إثارة القضية فى مجلس الوزراء قبل التوصل إلى أى قرار بشأن ما يجب عرضه على الأمريكيين ومتى يُعرض، ويمكن أن يكون البديل هو إحالة الأمر إلى لجنة مصر، ويساور رئيس الوزراء بعض الشكوك فيما إذا كان هذا هو توقيت الاتصال بالأمريكيين بالطريقة المقترحة».

سد أوين في أوغندا

الدفاع تحذر استعداء مصر

أما وزراة الدفاع والتي كان رأيها حاسما فيما بعد، فقالت أنه يجب دراسة احتمال رد فعل مصر العسكري فضلا عن الدبلوماسي، وتوقعت بأن يستخدم الجيش المصرى قاذفاته، عبر الأراضى السودانية، لقصف سد شلالات أوين، ونصحت بدراسة موقف السودان من أى إجراء بريطانى ضد مصر.

ونصحت وزارة الدفاع ببحث «ما إذا كان التدخل أو التهديد بالتدخل، فى تدفق النيل عند شلالات أوين، أداة فعالة ضد مصر»، وانتهت نتائج دراسة قدمتها الوزراة إلى رئيس الحكومة إلى أن مياه النيل «مسألة حياة أو موت بالنسبة للمصريين».

هيكل: التخطيط لقطع مياه النيل عن مصر بدأ منذ 800 عاما

وقالت الدراسة: «بالإضافة إلى أى نتائج مادية، فإن أى اقتراح بفرض قيود على تدفق النيل سيكون لها أثر نفسي قوي.. ونظرا لأن النهر حيوى لمصر، فإنهم غير مرتاحين دائما للسيطرة البريطانية على المنابع.. وبالتالي، فمن المؤكد أن يسبب أى اقتراح بالسيطرة على النيل دون موافقة مصر أعنف التداعيات.. أى محاولة لتطبيق مثل هذا العمل سوف يُعامل يقينا من جانب مصر على أنه عمل عدائى صريح».

وأرجعت وزراة الدفاع البريطانية ذلك إلى: احتجاز سبعة أثمان المياه عند شلالات أوين لفترة ممتدة سوف سيكون لها تقريبا النتائج التالية فى مصر:

أولا: بعد 16 شهرا سيصبح هناك إمكانية لإدراك التخفيض فى المياه الواصلة إلى أسوان.

ثانيا: فى العام التالى سيكون التخفيض فى أسوان بمعدل 30 فى المائة خلال الموسم.

ثالثا: فى السنوات اللاحقة، قد يكون التخفيض أكبر، اعتمادا على سقوط الأمطار فى شرق إفريقيا.

وهذا التخفيض سوف يسبب، وفق الدراسة نفسها، «تخفيضات فى مناطق زراعة الأرز والقطن، التأُثير على محصول القطن من المحتمل أن يكون أقل من التأثير على محصول الأرز».

وعن رد الفعل المصري المحتمل، قالت وزارة الدفاع البريطانية إنه «بعيدا عن العمل الدبلوماسي، يمكن لمصر أن تهاجم سد شلالات أوين فقط باستخدام الطائرات القاذفة عبر السودان، ولهذا فإن موقف السودان من أى تصرف مخطط ضد مصر سيكون مهما».

ونصحت الوزارة بأنه لا يجب فرض قيود على تدفق المياه إلا إذا كانت بريطانيا مستعدة للحرب مع مصر. «نظرا لأنه من المرجح أن تعتبر مصر فرض قيود أو حتى التهديد بفرض قيود عملا عدائيا، فإنه يمكن استخدامه فقط لو كنا مستعدين للذهاب إلى حرب معها او لو أننا فى حرب فعلا معها».

ورغم تحذير وزارة الدفاع البريطانية من الإقدام على تلك الخطوة ألا انها أشارت إلى أن مجرد التلويح باحتمال إعادة النظر فى الاتفاقيات المنظمة للاستفادة من مياه النيل يبقى مفيدا، «التهديد بالتدخل فى اتفاقيات مياه النيل قد يكون أداة سياسية ونفسية فعالة لمنع مصر من اتخاذ عمل ما يضر ضررا خطيرا بمصالحنا، مثل إغلاق قناة السويس».

قناة السويس

وأوصت الوزراة إلى ضرورة «لفت انتباه مصر والعالم للتشابه بين الموقف الذى قبلته الحكومة البريطانية بالنسبة لشلالات أوين بالموقف الذى نرغب أن تتخذه مصر فى قناة السويس»، كما طالبت بأن يجب أن يترك لمصر أن تستنتج بأن الإنجليز قد يعيدوا النظر فى اتفاقيات مياه النيل، داعية إلى إجراء دراسة مفصلة عن الآثار المحتملة للتدخل في تدفق المياه عن شلالات أوين قبل الشروع في تنفيذ الفكرة.

ودعت وزارة الدفاع البريطانية إلى محاولة إقناع مصر بأن تتخذ موقفا من قناة السويس يشبه موقف بريطانيا من سد شلالات أوين.

وكانت نتيجة للدراسة التي قدمتها وزارة الدفاع ومن قبلها توصيات وزراة الخارجية أن تراجعت الحكومة البريطانية عن فكرة استغلال مياه النيل للضغط على مصر، وأغلق ملف سد شلالات أوين، نتيجة الحسابات الدقيقة المتوقعة لرد فعل الموقف المصري.

خلاصة القصة التي كشفت عنها تلك الوثائق، أن بريطانيا العظمى قبل أن تقدم على خطوة تضر بمصالح مصر المائية التي تعلم أنها مسألة «حياة أو موت بالنسبة للمصريين» بحثت ودرست العواقب، وانتهت إلى أن النظام المصري الجديد الذي طرح نفسه كلاعب مهم على الخريطة الأقليمية والدولية لن يقبل بالعبث بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، قادر علي الرد وأنه مستعد لاستخدام القوة العسكرية للدفاع عن تلك المصالح.

جمال عبد الناصر

بالحسابات العسكرية، لم تكن مصر حينها تملك من المعدات والأسلحة ما يجعلها ندا لمقارعة  الإنجليز وتجعلهم يخشون ردها على إغلاق سد أوين، فالدولة الجديدة بكل مؤسساتها وعلى رأسها الجيش كانت لاتزال في طور التأسيس، لكن مصر آنذاك كانت تملك الإرادة السياسية والقدرة على إقناع خصومها بأنها قادرة على الرد وإنها لن تسمح بالاقتراب من حقوقها مهما كلفها ذلك.

فقد نصحت وزارتا الدفاع والخارجية البريطانيتين رئيس الوزراء  ايدن بعدم اللجوء الي ورقة قطع مياه النيل بناءا علي نمط استقلالي من قرارات السياسة الخارجية اتخذها هولاء الشباب الذين حكموا مصر بعد ١٩٥٢ اظهرت قدرتهم علي اتخاذ مواقف تحقق المصلحة الوطنية حتي لو تضمنت قدرا من المخاطرة او عاداها الغرب لانه اعتبرها تهديدا لمصالحه في المنطقة العربية.. وهي :

-قرار رفض الانضمام لحلف بغداد وتحدي الإرادة الأمريكية في السادس من مارس ١٩٥٥.

-قرار التحول الاستراتيجي عن الغرب كمورد وحيد للسلاح للعالم العربي وهو قرار صفقة الأسلحة التشيكية في٢٧ سبتمبر ١٩٥٥ .

-الاعتراف كأول دولة عربية وإفريقية بجمهورية الصين الشعبية – برغم العزلة التي فرضها الغرب علي الصين الشيوعية – في ٣٠ مايو ١٩٥٦.

فنظام ثورة يوليو الذي قاده في تلك الفترة مجموعة من شباب الضباط، كان يعلم ثقل الدولة التي يديرها، تلك الدولة التي ملكت على مدار تاريخها أدوات الردع حتى وهي في أضعف حالتها، وكان يعلم ان الفيصل هو  في كيفية إدراة تلك الأدوات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: