منوعات

تواريخ وشخصيات (1): المنصور محمد بن أبي عامر.. قصة صعود شاب من العامة إلى سدة الحكم

بدأ حياته العملية «كاتب رِقاع» في دكانٍ أمام قصر الخليفة الأموي في قرطبة عاصمة الأندلس، يكتب بقلمه وبأسلوبه المميز الرسائل والتهاني والشكاوى والعرائض لأصحاب المصالح، لفتت فصاحته، وبراعة أسلوبه، وجزالة عباراته، نظر من في قصر الخليفة، ثم ما لبث الفتى طويلاً حتى صار هو صاحب الأمر والنهي والكلمة العليا داخل هذا القصر.

هي قصة صعود شاب من عامة الناس آمن بأنه مهيأ لدور كبير يلعبه عند قمة الحكم في الأندلس، وكان يشعر بيقين أنه يملك القدرات التي تؤهله للصعود إلى القمة، لم يسقط ايمانه بنفسه وثقته في قدراته في أي مرحلة من مراحل صعوده المضني نحو الذروة، رغم صعوبات الرحلة وعوائق الطريق إلى القمة. كان مثله الأعلى عبد الرحمن الداخل الأمير الأموي الذي جاء هارباً من الشام ومن بطش العباسيين، وليس معه إلا عزمه وذكاؤه وخادمه بدر، فاستطاع أن يؤسس دولة الأمويين في الأندلس.

هذا الفتى ابن حصن «طورش» بالجزيرة الخضراء، جنوب شرق الأندلس، كان أبوه عبد الله بن عامر من أهل الدين والعفاف والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان، وقد مات في مدينة طَرَابُلُس الغرب، وهو عائد من أداء فريضة الحج، وأمه هي بُريهة بنت يحيى بن زكريا التميمي من أهل بيت من أشراف قرطبة، وجِدُه لأمه يحيى بن إسحاق كان وزير وطبيب الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله، أما جِده لأبيه فهو عبد الملك المعافري فقد كان من الداخلين للأندلس مع طارق بن زياد فنزل بالجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس، واستقرَّ بها.

قدم الفتى محمد بن أبي عامر من الجزيرة الخضراء إلى قرطبة «موطن الحل والعقد» كما كان يقول، يطلب العلم والأدب والحديث والقضاء، ويراوده حلمه المستحيل بأن يحكم الأندلس في قادم الأيام، وكان الحلم يملأ جوانحه كلها، ويملك زمام نفسه، حتى أن أبا الحسن النباهي ذكر في كتابه «تاريخ قضاة الأندلس[1]» أنه من عجيب أخبار محمد بن عبد الله بن أبي عامر، ما وقع في كتاب الفقيه أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أبي الفياض، عند ذكره أيام المنصور ودولته، قال: أنه كان بائتاً ليلة، مع بعض إخوانه، في غرفة، فرقد رفيقه، ولم يرقد هو قلقاً وسهراً، فقال له صاحبه: يا هذا، قد أضررتني في هذه الليلة بهذا السهر، فدعني أرقد. فقال محمد: إني مفكر مشغول البال، فقال له صاحبه: يا هذا، وأنت أمير المؤمنين؟، فقال له: هو ذلك، فعجب منه، وقال له محمد: بالله، لتأخذ معي هذا الأمر، وساعدني فيه، فقال له: يصلح فلان ويصلح فلان، وسمى له جماعة، وهو لا يُجِّوز من المذكورين أحداً، إلى أن قال له: يصلح أبو بكر بن يبقى بن زرب، فقال له ابن أبي عامر: يا هذا، فرجت عني، ليس بالله يصلح أحد غيره، ثم رقد.

مضت الأيام والليالي، وولى محمد ابن أبي عامر الخطط، إلى أن صار له ملك الأندلس كله بخلافة المؤيد بالله، واستولى على الأمر والنهي به، وذلك الرجل رفيقه وصاحبه يتوقع أن يتذكر المنصور لاحتقاره في تلك الليلة، فلما كان في بعض الليالي، مات القاضي ابن السليم ليلاً. وكانت لمحمد بن أبي عامر في أيامه عيون بالليل والنهار، لا يقع أمر من الأمور حتى يعلم به، فأخبر بموت ابن السليم ساعة موته في الليل، فبعث في ذلك الرجل رفيقه في تلك الساعة. فلما وصل إليه رسوله، تداخله من الفزع غير قليل، فخشي على نفسه، فنهض إليه، وأكفانه معه، فلما وصل قال له: يا هذا، قد مات القاضي ابن السليم، قال: فزاد فزع الرجل، ثم قال له: من ترى أن يولي القضاء؟ قال له: الذي رأيناه تلك الليلة، محمد بن يبقى بن زرب، فقال له المنصور: فانهض إليه، واقرأه سلامي، وبشره بالقضاء، وأخبره بكل ما دار بي معك في تلك الليلة، حرفاً بحرف، ولا تنقصه شيئاً، ولا توجده عذراً إن اعتذر، وسكن روع الرجل ونهض إلى ابن زرب، فاعتذر له، فلم يقبل له عذراً، وحكى ما دار له مع المنصور قديماً، فرضى القضاء، وتقدم له.

قصة أخرى تؤكد أن الحلم الذي قاد خطى محمد بن أبي عامر ظل يصاحبه منذ زمن بعيد قبل أن يتحقق على أرض الحقيقة والواقع، والقصة يرويها ابن أبي الفياض في كتابه «العبر» وهي تؤكد أن خمسة فتيان اجتمعوا في بستان في حي «الناعورة» أحد نواحي عاصمة الأندلس، أولهم محمد بن أبي عامر وهو في حداثة سنة، وأوان طلبه، ومعه ابن عمه عمرو بن عبد الله بن عسقلاجة، والكاتب ابن المرعزي، وموسى بن عزرون والحسن بن عبد الله بن الحسن المالقي، وأخذوا يتسامرون وكان معهم سفرة طعام، وفجأة وبعد طول شرود وتفكير قال محمد بن أبى عامر لأصدقائه من ذلك الكلام الذي كان يتكلم به: إني لا بد أن أملك الأندلس، وأقود العساكر، وينفذ حكمي في جميع الأندلس، وهم يضحكون معه، ويتعجبون من قوله، فقال لهم: تمنوا عليًّ، فقال عمرو ابن عمه: أتمنى أن توليني على المدينة، نضرب ظهور الجناة، ونفتحها مثل هذه الشاردة، وقال ابن المرعزي: أشتهي أن توليني أحكام السوق، وقال ابن الحسن: أحب أن توليني قضاء رية.

وظل رابعهم موسى بن عزرون صامتاً، وقد ظهر على وجهة الازدراء والامتعاض، فخاطبة ابن ابى عامر: وماذا تتمنى أنت؟، فقال له مغتاظاً: إذا أفضى لك الأمر، فمُر أن يُطاف بي في قرطبة كلها على حمار، ووجهي إلى الذنب، وأنا مطلي بالعسل ليجتمع عليًّ الذباب والنحل.

تمر الأيام ومحمد بن أبى عامر يتقلب في وظائف الدولة، ويترقى في المناصب حتى صار إلى منصب الحاجب، وأصبح الحاكم الفعلي للأندلس فاستدعى أصدقاءه، ونفذ لكل منهم رغبته القديمة، يقول موسى بن عزرون: «فلما صار المنصور إلى ما صار إليه من ملك الأندلس، ولي ابن عمه المدينة، وابن المرعزي السوق، وولي ابن الحسن قضاء رية، وبلغ كل واحد منهم إلى ما تمنى. وأغرمني مالاً عظيماً أجحف بي وأفقرني، لقبح ما كنت قد جئته به».

كانت الدولة الأموية التي أسسها عبد الرحمن بن معاوية الأموي عام 138 هـ (756 م) في الأندلس وأجزاء من شمال أفريقيا، قد تحولت إلى خلافة بإعلان عبد الرحمن بن محمد في ذي الحجة 316 هـ (يناير 929م) نفسه خليفة قرطبة بدلاً من لقبه السابق أمير قرطبة، وهو اللقب الذي حمله الأمراء الأمويون منذ أن استقلّ عبد الرحمن الداخل بالأندلس، وكان الخطر الذي مثلته نشأة الدولة الفاطمية في شمال أفريقية، هو الدافع وراء اعلان عبد الرحمن نفسه خليفة على الأندلس، وتلقب بالناصر لدين الله، ليقوي مركزه الديني في مواجهة الدولة الفاطمية في شمال أفريقية. ولمواجهة هذا الخطر حصّن الناصر الموانئ الجنوبية، وضم موانئ المغرب المواجهة للأندلس في مليلة وسبتة وطنجة، إضافة إلى دعم البربر المعادين للفاطميين في المغرب ماديًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه، استطاع عبد الرحمن الناصر لدين الله التصدي لأطماع الممالك المسيحية في الشمال. واستعادت البلاد وحدتها السياسية وقوتها العسكرية وهيبتها، بعد أن خاض حروبًا طويلة استطاع من خلالها استعادة السيطرة على البلاد تحت السلطة المركزية في قرطبة، بل وامتدت سلطة الأمويين إلى أجزاء من شمال المغرب الأقصى الذي تسابق أمراؤه في الدخول في ولاء الأمويين.

عرفت البلاد أوج ازدهارها في عهد ابنه الحكَم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر (350 – 366هـ / 961 -977م) الذي واصل سياسات أبيه، وكان عهده عهد ثقافة وعمران، وكان خطأوه الأكبر حين اختار ابنه الوحيد الطفل هشام المؤيد بالله لولاية عهده، وهي الثغرة التي نفذ منها طموح محمد بن أبي عامر ليجد الفرصة لتحقيق حلمه القديم المتجدد.

الحكَم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر

التحق محمد ابن أبي عامر بخدمة الخليفة الحكم المستنصر بالله عندما رشحه الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي ليكون وكيلاً لعبد الرحمن أول أولاد الخليفة، ونال تعينه وكيلاً عن ولي العهد موافقة أم عبد الرحمن الجارية «صبح البشكنجية»، ومن هنا بدأت رحلة صعود محمد بن أبي عامر، الذي اقترب من أم ولي العهد وقربته هي إلى الخليفة، الذي أعجب بمواهبه وأقر بقدراته فولاّه دار السكة، ثم ولاه خطة المواريث، فقاضيًا على أشبيلية ولبلة وأعمالهما.

ولكن مسيرة صعود الفتى الحالم كادت أن تتوقف حين توفى عبد الرحمن ولي العهد صغيراً، ولكن القدر أمهله ليبقي في خدمة جارية الخليفة المفضلة «صبح البشكنجية» إلى أن أنجبت ولدها الثاني هشام، فأصبح وكيلاً له، ثم جعله الخليفة الحكم على الشرطة الوسطى، ثم أنفذه إلى المغرب، بأموال كثيرة إلى المغرب لاستمالة زعماء البربر إلى جانب الخلافة، ثم أرسل مرسومه بتوليته قاضياً لقضاة عدوة المغرب.

تجلت مواهب محمد ابن أبي عامر في أفضل صورة لها أثناء خدمته للجارية «صبح البشكنجية»، واستطاع استمالتها إليه بحُسن خدمتها، وخدمة ولدها أولاً، وبإتحافها بالهدايا أخيراً، وكان أشهرها نموذجاً مبهراً لقصر من الفضة أنفق عليه قدراً كبيراً من المال، وأهداه إليها في الفترة التي ولي فيها دار السكة. أثار ذلك عدداً من رجال الدولة الذين رأوا في صعوده في المناصب ما يقلقهم، فسعوا لدى الخليفة يتهمون ابن أبي عامر بالإنفاق من مال دار السكة، فأمر الخليفة بالتحقق من ذلك، وكان ابن أبي عامر قد أنفق منه بالفعل، فلجأ إلى صديقه الوزير ابن حُدير ليقرضه ما نقص من أموال السكة، فأقرضه ابن حدير من المال ما أتم ابن أبي عامر به ما لديه من عجز، فزاده ذلك قرباً من الخليفة الذي كانت آخر أفضاله على ابن أبي عامر أن أسند إليه النظر على الحشم وهو في مرض موته.

بعد وفاة الخليفة الحكم، كان لدى صقالبة قصر الخلافة خطة تهدف إلى تنحية وليّ العهد الصبي هشام، لنفور أمه منهم، ولسيطرة ابن أبي عامر عليه، ووضعوا خطتهم على أساس أن يتولى عمه المغيرة بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بدلاً منه، وفي سبيلهم لتنفيذ ذلك، استدعى زعماؤهم الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي وأنبأوه بخبر وفاة الخليفة، وبنيتهم على تولية المغيرة، وتظاهر الحاجب المصحفي بموافقتهم، وعمل من جانب آخر على إفشال ذاك المخطط خشية أن يزيد نفوذ الصقالبة في القصر، وقرر مع عدد من كبار رجال الدولة وزعماء البربر من بني برزال، ضرورة التحرك السريع لإفشال هذا المخطط، وكان القرار يقتضي قتل المغيرة بن عبد الرحمن نفسه لقطع السبيل أمام مخطط الصقالبة.

قام محمد بن أبي عامر في جماعة من الرجال بتنفيذ ذلك القرار، لينتهي الأمر بقتل مرشح الصقالبة، وتنصيب ولي العهد هشام خلفًا لأبيه، وبعد أن فشل مخطط الفتيان الصقالبة، رأى المصحفي أن يقسمهم، فكان نصيب ابن أبي عامر منهم خمسمائة فتى، ولكي يستميلهم، أغدق ابن أبي عامر عليهم وأجزل لهم العطاء، فأحبوه واستقوى هو بهم، ثم ما لبث أن انضم إليه بنو برزال وهم من زعماء البربر وصاروا تحت قيادته، فاشتدّت بهم قوته.

وجاءت الفرصة من جديد أمام ابن أبي عامر لكي يثبت جدارته في مجال القتال، فلم تمض أشهر على خلافة الصبي هشام المؤيد بالله، حتى هاجمت الممالك المسيحية أراضي المسلمين في الشمال، فأشار ابن أبي عامر على الحاجب المصحفي بتجهيز جيش لمنازلتهم، وعرض المصحفي على أكابر الدولة قيادة هذا الجيش فرفضوا، فوجدها ابن أبي عامر فرصة مناسبة ليضم إليه قيادة الجيش، فجهزه المصحفي بمائة ألف دينار لتلك المهمة، خرج ابن أبي عامر في جيشه مهاجماً أراضي جليقية، فحاصر حصن الحامة، ثم عاد إلى قرطبة بعد 53 يومًا محملاً بالسبي والغنائم، ما عزز مكانته داخل الدولة وبرزت أمام الجميع قدراته العسكرية إضافة إلى ما عرفوه من قدراته ومواهبه الإدارية.

بعد أن وطد أبو عامر وجوده عند قمة السلطة بدأ  في التخطيط لإزاحة الحاجب جعفر المصحفي من طريقه إلى الانفراد بتلك القمة، فاستغل سوء العلاقات بين المصحفي وغالب الناصري القائد المظفر  وصاحب الانتصارات الكبرى على أعداء الأندلس، وقد ساءت تلك العلاقات بسبب اتهام جعفر لغالب بالتقصير في الدفاع عن الحدود الشمالية أمام حملة الممالك المسيحية في الشمال على حدود الدولة بعد وفاة الخليفة، ومن ناحية أخرى  استغل حسن علاقته بأم الخليفة التي كانت تساعده على إنفاذ ما بدا له من مراسيم باسم الخليفة، ووجدها محمد بن أبي عامر فرصة للتقرب إلى غالب الناصري الرجل القوي في الدولة فخرج في جيشه والتقى جيش غالب في «مجريط»، ثم افتتحا معاً حصن «مولة» وغنما فيها الكثير، وتناول غالب  عن مغانمه لابن أبي عامر، وبعث للخليفة ينبئه بحسن تدبير ابن أبي عامر في تلك الحملة، ما رفع أسهم ابن أبي عامر لدى القصر والعامة على حد سواء.

وهكذا ضمن ابن أبي عامر إلى جانب تحالفه مع أم الخليفة تحالفاً آخر مع الرجل القوي غالب الناصري فقرر أن يخطو خطوة أخرى نحو القمة فأقنع أم الخليفة، باستصدار مرسوم من ابنها بعزل محمد بن جعفر المصحفي كحاكم للعاصمة، وتوليته هو حاكماً على «قرطبة» بالإضافة إلى منصبه كقائد لجيش المدينة، عندها أحس الحاجب جعفر المصحفي بخطر التحالف الجديد بين غريميه غالب الناصري ومحمد ابن أبي عامر، فبادر إلى طلب يد أسماء بنت غالب للزواج من ابنه محمد بن جعفر، وهو ما دفع بمحمد ابن أبي عامر إلى الإسراع إلى إفشال مخطط المصحفي بأن طلب أسماء لنفسه، وهو ما وافق هوىً عند غالب، ثم خرج ابن أبي عامر في غزوة جديدة فاجتمع بصهره غالب في «طليطلة»، وهاجما «شلمنقة» وعادا معاً من تلك الحملة إلى قرطبة بالغنائم، وجرت وسط أفراح النصر  وقائع زفاف أسماء إلى ابن أبي عامر في قصر الخلافة، وأصدر الخليفة أمره برفع القائد غالب لرتبة الحجابة بالمشاركة مع الحاجب جعفر المصحفي، وهو ما عدّه المصحفي انتقاصاً من سلطاته.

الخطوة قبل الأخيرة في طريق الصعود كانت تتمثل في الإطاحة بالغريم الكبير المتبقي الحاجب جعفر المصحفي الذي يشغل موقع الرجل الثاني في الخلافة (رئيس الوزراء)، فلم يزل محمد بن أبي عامر يتحين الفرصة حتى استطاع أن يستصدر مرسوماً من الخليفة بدعم من أم الخليفة بإقالة المصحفي وسجنه هو وأبنائه وأقاربه ومصادرة أموالهم.

لم يتبق أمام انفراد محمد بن أبي عامر بالسلطة كاملة من دون منازع أو شريك غير أن يتخلص من صهره غالب الناصري، الذي أدرك ما يضمره صهره، فداهنه ودعاه وهو عائد من إحدى حملاته على “قشتالة” إلى وليمة في إحدى مدن الثغر الأدنى، ودبّر له مكيده كادت تودي بحياة ابن أبي عامر، إلا أنه نجا بعد أن أصيب إصابة خفيفة. وغادر ابن أبي عامر مسرعاً إلى “قرطبة” وهو ينوي التجهيز لقتال غالب، الذي استعان بقوات ملك ليون، ثم اقتتلت قوات غالب ومحمد بن أبي عامر في معركة فاصلة كادت أن تنتهي بانتصار قوات غالب، لولا سقوطه صريعاً من على جواده، وحُملت رأسه لابن أبي عامر.

بقي أمام ابن أبي عامر خطوة أخرى، وأخيرة، وهي الخليفة الشرعي نفسه، فعزله بين جدران قصره لا يتصل به أحد ولا يتصل هو بأحد، ثم أشاع بين الناس أن الخليفة قد قرر التفرغ للعبادة وأنه فوّضه إدارة البلاد، ثم أحاط قصر الخليفة بسور وخندق، ووضع عليه الحرّاس ومنع الخليفة من الظهور.

أدركت صبح أم الخليفة الصبي أن عرش ابنها بات مهدداً بعد أن تمكن محمد بن أبي عامر من كل السلطات، لم يعد في قدرة صبح مواجهته مباشرة، فأشاعت بين العامة أن المنصور يسجن الخليفة ويحكم رغماً عنه ويغتصب سلطته، ثم راسلت حاكم المغرب لنصرة ولدها، وأرسلت أموالاً اليه ليجهز جيشه ويعبر إلى الأندلس. وحين علم ابن أبي عامر بذلك المخطط، رفع يدها عن الأموال الموجودة بخزائن قصر الخليفة التي كانت تقوم بتهريبها بواسطة فتيانها، وأرغم الخليفة على أن يوافق على أن تنقل كل الأموال من قصر الزهراء إلى قصر الزاهرة الذي كان قد بناه لنفسه ليمارس منه حكم البلاد، وعندها يئست صبح من قدرتها على استرجاع سلطة ابنها، فاعتزلت الحياة حتى وفاتها.

انفرد محمد بن أبي عامر بكل السلطات بعد أن تخلص من كل شركائه في الحكم الواحد تلو الآخر وحجر على الخليفة الصبي، لتبقى بذلك السلطة الإسمية فقط للخليفة، والحكم الفعلي لابن أبي عامر الذي تلقب بعد ذلك بالحاجب المنصور. ودُعي له به على المنابر، وبدأت أولى وأهم مراحل ما سمي بالدولة العامرية بالأندلس والتي كانت هي آخر عناوين وحدة المسلمين في بلاد الأندلس والتي قامت على أنقاضها دولة ملوك الطوائف التي انتهى مع نهاية دولتهم الوجود الإسلامي في تلك البقاع.

سنوات محمد بن أبي عامر في الحكم التي قاربت ربع قرن كانت سنوات عز وقوة للأندلس، قاد خلالها أكثر من خمسين حملة عسكرية ضد الإسبان في أرجاء شبه الجزيرة «الأيبيرية»، حتى إنه كاد يقضي على وجودهم، ويضع معظم المؤرخين الأوربيين والعرب المنصور محمد بن أبى عامر كواحد من أعظم حكام الأندلس ويعدون عهده من أهم الاسباب التي أدت إلى تأخر سقوط الأندلس لألف عام بسبب إنهاكه القوى والممالك الأوربية لعدة أجيال.

تمثال المنصور محمد بن أبي عامر بالجزيرة الخضراء

————————–

المصادر:

[1] كتاب «تاريخ قضاة الأندلس المسمى بـ: (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)»، الذي ألفه الشيخ «أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي المالقي النُباهي، المالقي، الأندلسي (ولد سنة 713هـ)»، من أهم المراجع في التعريف بأعلام المالكية في الأندلس. وقد جاء في مقدمة المؤلف: “فَهَذَا كتاب أرسم فِيهِ بحول الله نُبذاً من الْكَلَام فِي خطة الْقَضَاء، وسير بعض من سلف من الْقُضَاة، أَو بلغ رتبه الِاجْتِهَاد، وفيمن يجوز لَهُ التَّقْلِيد وَمن لَا يجوز لَهُ، وصفات الْمُفْتى الَّذِي يَنْبَغِي قبُول قَوْله، والاقتداء بِهِ لمن ذهب إِلَى مقلده، وبالجاري من الْفَتَاوَى على منهاج السداد، وَهل يجوز للمفتي قبُول الْهَدِيَّة من المستفتى، أم هِيَ فِي حَقه من ضروب الرشاء الْمُحرمَة على الْجَمِيع.”. حقق الكتاب ونشره: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة.

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: