رؤى

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية (3): هل الإسلاموية تيار ينتمي إلى ما بعد الحداثة؟

مقدمات لابد منها

بداية يتوجب علينا تعريف الحداثة و ما بعد الحداثة بشكل موجز، فهى مفاهيم معقدة بالنسبة لغير المتخصصين. الغرض هنا فقط التبسيط و ذلك من أجل فهم أفضل للمقال.

ماهى الحداثة؟

الحداثة هي مفهوم لوصف الخصائص المشتركة للبلدان الأكثر تقدّما على صعيد التنمية التكنولوجيّة، السياسيّة، الاقتصاديّة والاجتماعيّة. [1] وترتبط الحداثة بالحقبة التاريخيّة التي بدأت في الغرب مع عصر النهضة الأوربية، ومن أبرز سماتها تحقّق تحوّلات كبرى شكّلت انقلابا على خصائص المجتمع التقليدي في العصور الوسطى، إذ ظهرت معها الحياة المدنيّة، وولدت الرأسماليّة، كما ظهرت قيم الفرديّة والحرّيّات العامة والمساواة في الحقوق والديمقراطية، والأهم بروز الفكر العقلاني لأول مرة في التاريخ الإنساني بهذا الوضوح. ويعتبر ماكس فيبر أنّ عقلنة النشاطات الإنسانيّة كافة هي السمة الأساسية في الحداثة، «إذ تخلّصت كلّ مجالات النشاط الاجتماعي من وطأة الفكر التقليدي لتتبع في ما بعد منطقها العقلاني الخاص بها» [2].

ماكس فيبر

ما بعد الحداثة

في مرحلة تالية من التطور الأوربي، بدأت الانتقادات للحداثة (وللعقلانية بطبيعة الحال)، لتظهر اتجاهات جديدة أُطلق عليها «ما بعد الحداثة»، لتشكل تيارا فكريا يقوم علي  نقد المفاهيم الكونية للحداثة (التي تفترض وجود إنسان واحد في كل المجتمعات، يمكن فهمه بطريقة واحدة، وأن هناك مسارا عقلانيا واحدا للتطور هو الذي سلكته الحضارة الأوربية، وبالتالي فعلى كل المجتمعات والحضارات أن تسلكه بغض النص عن خصوصيتها)، ومثل الأخلاق الواحدة والحقيقة الواحدة والطبيعة البشرية والعقل الواحد. وبدأ استبدال تلك المفاهيم بأخري «ما بعد حداثية»، مثل التركيز علي وجود قيم و خصائص ذاتية مميزة سواء للإنسان أو للمجتمعات المختلفة، والنسبية المعرفية والأخلاقية، والتعددية الثقافية.

هل تقبل الإسلاموية تعددية ما بعد الحداثة؟

كيف للباحث والأكاديمي «ما بعد الحداثي» الذي ينكر وجود نظام عقلاني متسق أو حقيقة واحدة صحيحة ويؤمن بتعددية الآراء ونسبيها، أن يتعاطف مع الإسلاموية أو فكر حركات الإسلام السياسي من الإخوان إلى داعش؟ وكيف له أن يظن أن هذا الفكر ينطوي على أبعاد مابعد حداثية؟ كيف للباحث و الأكاديمي «ما بعد الحداثي»، الذي يلجأ في البحث إلى مناهج مثل تحليل الخطاب وتفكيك الظواهر والنصوص – بما فيها النصوص الدينية – وإمكانية القراءة المزدوجة لها، أن يتعاطف و يدافع عن الإسلاموية، بانغلاقها الفكري وواحدية تفسيرها للنصوص الدينية ولطواهر المجتمع؟

كان هذا هو السؤال الذي سيطر علي تفكيري لمدة طويلة، حيث لاحظت أن بعض الباحثين الغربيين «ما بعد الحداثيين» يظنون أنه بما أن الإسلاميين ينتقدون الحداثة ومفاهيمها الخاصة بدور الدولة المركزي و الهوية الوطنية الواحدة الشاملة، فإنه يمكن اعتبارهم تيار ذو بُعد ما بعد حداثي و أن هناك أرضية محتملة للعمل معا. 

و لتفنيد و نقض مقولة اعتبار الإسلاموية تيار ذو بُعد ما بعد حداثي و الذي يتبناه أيضاً  بعض من قابلتهم في الأكاديميات الغربية، من المهم أن نلاحظ أولا أن ما بعد الحداثة هى ردة فعل من داخل الحداثة، في حين إن الإسلام السياسي هو ردة فعل من خارجها أساساً، بل إن فكر جماعات الإسلام السياسي يرفض الحداثة و يدعو إلي النكوص عنها، لا إلى تجاوزها كما فعل أنصار ما بعد الحداثة.

ثانيا، يرى أستاذ الفلسفة السياسية الجزائري «علي قايدي» [3] أنه لا يمكن للخطاب القائم على يقين طبيعته ثيوقراطية دينية أن يحتوي على خطاب يؤمن بنسبية الحقيقة ونعدديتها مثل خطاب ما بعد الحداثة. و يتفق عبد الرحيم لامشيشي مع هذا الرأى الناقض لاعتبار الإسلاموية تياراً ذو بعد ما بعد حداثي، موضحا أن الإسلاموية  تسعي لتصفية قيم الحداثة الإيجابية و ليس لتصويب بعض مثالبها.

علي قايدي

ثالثا، بانتقادهم العواقب السلبية المجتمعية والسياسية للحداثة، يطالب ما بعد الحداثيون بمزيد من الحرية والاستقلالية الفردية عن السلطات التي تجسد قيم الحداثة «العقلانية»، وهو مطلب مناقض لما يطمح إليه الإسلاميون بانتقادهم للحداثة. فالإسلاميون يريدون حرية فردية واستقلالية أقل بكثير مما تقدمه الحداثة.

ورابعا، أن ما بعد الحداثيين يرون أن العلمانية اليعقوبية الجمهورية (كما يتم تطبيقها في فرنسا لتصل لحد الحظر علي المواطنين إظهار إنتمائهم الديني في الأماكن العامة) هى عمل ضد حرية الاعتقاد و الضمير. إن ما بعد الحداثيون لا يطمحون ولا يطالبون بالإستئصال التام للديني من الفضاء العام. أما الإسلاموية فهي تتغذى كليا على دمج الديني والسياسي بهدف المصادرة الكلية للفضاء العام، وقصرها على أنفسهم دون غيرهم.   

وأخيراً، ما بعد الحداثة  هي حركة فكرية مدفوعة بالقيم الفلسفية وليس بالقيم الثيوقراطية الدينية كما هو الحال مع الإسلام السياسي. ويرى كلود جيفري أن النقاش حول ما بعد الحداثة كمؤشر على أزمة في الحداثة هو إشكالية غربية وأوروبية تحديدا، أما الإسلامويون فيتخذون من نقد ما بعد الحداثيين للحداثة منطلقاً لرفض الحداثة بمجملها ولتنمية مشاعر التمترس على هويتهم الدينية الخاصة باعتبارها أعلى من هويات غيرهم، لا باعتبارها هوية ضمن هويات عديدة لها قيمتها بالنسبة لأصحابها، والأهم هو ما تولده هذه الطريقة في التفكير من نرجسية ثقافية ونزعة أصولية تسعي فقط لدغدغة مشاعر تيارات شعبوية تبرر استمرار الخصومة مع الحداثة كما يقول محمد سبيلا ومحمد السيد سعيد.

المفكر المصري «محمد السيد سعيد»، والمفكر المغربي «محمد سبيلا»

في المقال القادم سنتناول بالنقد فكرة أخرى يتبناها بعض الأكاديميين الغربيين المتعاطفين مع فكر جماعات الإسلام السياسي وهى اعتبار  أن هذه الحركات أو الإسلاموية هي نفسها الإسلام، وكذلك مقولة أنها التيار الأكثر شعبية في العالم الإسلامي.

[1] Blandier,1982, p283

الرجاء الرجوع الي تعريف الحداثة علي موقع مؤمنون بلا حدود.

[2] دورتيه، ج.ف. (2011). معجم العلوم الإنسانيّة. (جورج كتورة، مترجم). (ط.2). أبو ظبي- الإمارات العربيّة المتّحدة، بيروت-لبنان: كلمة ومجد المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع. ص ص 335-336

[3] K. ALI (2012). L’islam politique, est-il postmoderniste ? (III),

http://kabyleuniversel.com/2012/07/07/lislam-politique-est-il-postmoderniste-iii/

الوسوم

د. وائل صالح

مدرس مشارك في معهد الدرسات الدولية بجامعة كيبك بمونتريال

مقالات ذات صلة

إغلاق