رؤى

أوبئة غيرت التاريخ (1 – 2) كورونا ليست الأولى.. حضارات بشرية أطاحت بها الجوائح

عرض وترجمة: أحمد بركات

في حالات الأمراض المعدية، يمثل الوباء السيناريو الأسوأ على الإطلاق. وعندما تتفشى العدوى خارج حدود الدولة، تصبح وباء.

كانت الأمراض القابلة للانتقال موجودة في حقبة الصيد الجماعي في فجر التاريخ البشري، لكن التحول إلى الحياة الزراعية قبل 10 آلاف عام من الزمان خلق مجتمعات زادت فيها احتمالية ظهور الأوبئة. في هذه الفترة تحديدا ظهرت الملاريا والسل والجذام والأنفلونزا والجدري وغيرها لأول مرة.

وكلما ارتقت البشرية في مدارج الحضارة عبر بناء المدن وشق الطرق للاتصال بالمدن الأخرى، أو لخوض الحروب ضدها، زادت احتمالات ظهور الأوبئة. وفيما يلي عرض للخط الزمني للأوبئة التي غيرت التاريخ بعد أن عاثت في أجساد البشر.

430 قبل الميلاد: أثينا

ظهرت أقدم جائحة على الإطلاق سجلها التاريخ في أثناء «حرب البيلوبونيز». وبعد أن مر المرض بليبيا وأثيوبيا ومصر، اجتاز الأسوار إلى داخل اثينا التي كان الأسبرطيون يضربون حولها حصارا محكما. وحصد هذا المرض في رحلته القاتلة عبر البلدان أرواح ثلثي سكانها.

شملت أعراض هذا المرض ارتفاع شديد في درجة حرارة المريض، والعطش، ونزيف من الحلق واللسان، وظهور طفح جلدي. وترك المرض – الذي يُشك في أنه كان حمى تيفودية – آثارا غائرة على الأثينيين وذهب بقوتهم بدرجة كبيرة، وكان عاملا حاسما في هزيمتهم أمام الإسبرطيين.

165م: الطاعون الأنطوني

ربما مثل الطاعون الأنطوني ظهورا مبكرا للجدري الذي بدأ مع شعب الهون، ومن خلالهم وصلت العدوى إلى الألمان الذين نقلوها بدورهم إلى الرومانيين قبل أن ينشرها الجنود الرومانيون العائدون إلى بلادهم في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية. شملت أعراض هذا المرض الحمى واحتقان الحلق والإسهال، وفي حال بقاء المريض على قيد الحياة لفترة طويلة فإنه كان يعاني من تقرحات معبأة بالصديد. استمر هذا الوباء حتى عام 180م، ويذكر بعض المؤرخون أن الإمبراطور ماركوس أورليوس كان أحد ضحاياه.

 

250م: الطاعون القبرصي

أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى أول ضحاياه المعروفين، وهو الأسقف المسيحي في قرطاج. كان هذا المرض مسببا للإسهال، والقيء، وتقرحات الحلق، والحمى، وغرغرينا في اليد والقدم. وبسبب هذا الطاعون هرب سكان المدن إلى الريف تجنبا للعدوى، لكنهم – بدلا من ذلك – تسببوا في مزيد من انتشارها. ويرجح بعض المؤرخين أن بداية هذا المرض كانت من أثيوبيا، ثم مر عبر شمال أفريقيا إلى روما، ثم إلى مصر التي اتجه منها شمالا.

تكرر تفشي هذا الطاعون على مدى القرون الثلاثة التالية. ففي عام 444م، ضرب الطاعون القبرصي بريطانيا، وقوض جهودها الدفاعية ضد البيكت (الشعوب التي استوطنت شمال اسكتلندا في عهد الإمبراطورية الرومانية) والاسكتلنديين، مما دفع بالبريطانيين إلى طلب النجدة من الساكسونيين الذين سرعان ما بسطوا سيطرتهم على الجزيرة.

541م: طاعون جستنيان

كان أول ظهور لهذا الطاعون في مصر، ثم انتشر منها إلى فلسطين والإمبراطورية البيزنطية، وعبر البحر المتوسط. أعاق طاعون جستنيان مسار الإمبراطورية، فأفسد خطط الإمبراطور جستنيان لإعادة توحيد الإمبراطورية الرومانية وأثار صراعا اقتصاديا طاحنا. كما تسبب أيضا في خلق مناخ مروع أدى إلى انتشار المسيحية بسرعة هائلة.

وأدى تكرار تفشي طاعون جستنيان على مدى القرنين التاليين إلى مقتل حوالي 50 مليون شخص، وهو ما يعادل 26% من سكان العالم آنذاك. ويعتقد أن هذا الحدث المروع مثل أول ظهور مهم للطاعون الدبلي، الذي يؤدي إلى تضخم الغدة الليمفاوية، وتنقله الفئران، وتنشره البراغيث.

القرن الحادي عشر: الجذام

رغم أنه كان موجودا على مر العصور، إلا أن الجذام لم يتفشى كوباء في أوربا إلا في العصور الوسطى، مما أدى ألى بناء مستشفيات عديدة مختصة بهذا المرض لتستوعب أعداد الضحايا الهائلة.

وبوصفه مرض جرثومي بطيء التطور ويتسبب في انتشار القروح والتشوهات في الجسم، صار اعتقاد بأن الجذام عقوبة إلهية تتفشى في بعض العائلات. وأدى هذا الاعتقاد إلى إطلاق أحكام أخلاقية، ونبذ الضحايا. يُعرف هذا المرض الآن بمرض هانسن، ولا يزال يصيب عشرات الألاف من الأشخاص كل عام، ويمكن أن يتسبب في الموت ما لم يتم علاجه بالمضادات الحيوية.

«يوم الدين» فيلم مصري يناقش مأساة مرضى الجزام

1350: الموت الأسود

بدأت في آسيا ثاني أكبر موجة تفشي لطاعون الدبلي – والمسئولة عن موت ثلث سكان العالم آنذاك – في آسيا، ثم انتقلت غربا مع قوافل المسافرين إلى صقلية في عام 1347م عندما وصل حاملو المرض إلى ميناء ميسينا، وانتشر سريعا في جميع أنحاء أوربا. على إثر ذلك تناثرت جثث الموتى في كل مكان حتى تعفن كثير منها فوق الأرض وأطلقت رائحة نتنة في المدن.

تضررت كل من إنجلترا وفرنسا بشدة بسبب الطاعون حتى دعت كلتا الدولتين إلى وقف الحرب بينهما والدخول في هدنة. وانهار النظام الإقطاعي في بريطانيا عندما أدى الطاعون إلى تغير الأوضاع الاقتصادية والديموغرافية. ومع تعرض السكان في جرينلاند إلى ما يشبه الإبادة، فقد الفايكنج قدرتهم على الدخول في معركة ضد السكان الأصليين، وتوقفت عملياتهم الاستكشافية لأمريكا الشمالية.

1492: التبادل الكولومبي

في أعقاب وصول الأسبان إلى منطقة البحر الكاريبي، انتقلت أمراض مثل الجدري والحصبة والطاعون الدبلي إلى السكان الأصليين عن طريق الأوربيين. ولما كانت هذه الأمراض غير معروفة، فقد فتكت بهم حتى أن 90% من السكان تعرضوا للإبادة الكاملة في جميع أنحاء القارتين الشمالية والجنوبية.

ومع وصوله إلى جزيرة هيسبانيولا، عثر كريستوفر كولومبوس على شعب التاينو، الذين كان يبلغ تعدادهم 60 ألفا. وبحلول عام 1548، كان عدد التاينو قد تراجع إلى 500 فقط. وتكرر هذا السيناريو في جميع أنحاء الأمريكتين.

كريستوفر كولومبوس

وفي عام 1520، كان مرض الجدري قد دمر إمبراطورية الأزتك، حيث قتل كثيرن من شعبها، وأدى إلى إضعاف من تبقى منهم على قيد الحياة، مما جعلهم غير قادرين على مواجهة المستعمرين الأسبان، كما ترك المزارعين عاجزين عن إنتاج المحاصيل الضرورية.

وخلصت الأبحاث في عام 2019 إلى أن موت حوالي 56 مليون من الأمريكيين الأصليين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بسبب المرض إلى حد كبير، ربما أسهم في ظاهرة التغير المناخي التي نعاني منها الآن، حيث كان نمو النبات في الأراضي التي كانت تزرع في السابق عاملا مساعدا على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتلطيف درجات الحرارة. وهو أمر لم يعد قائما بعد موت هذا العدد من الناس.

الأميرند أو الهنود الحُمر «السكّان الأصليين لأمريكا»

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: