رؤى

أصوات القرآن المتكلمة من الخالق جل وعلا إلى الإنسان والجان: توجيه صارم بالتعددية والتسامح

مما لا شك فيه لدى كل مسلم ومسلمة أن القرآن هو كلام الله الذي أنزله على رسوله ليبلغه للناس كافة، فهو النص الأول للإسلام الذي ينبثق منه ما عاداه من نصوص وتدور حوله، ما جعله النص المركزي والتأسيسي للإسلام بلا جدال.

لكن دعونا نتساءل عما تعنيه حقًا مُسلّمة أن «القرآن كلام الله»، هل يعني هذا أن الله هو من يتكلم حصرًا في القرآن؟ بالطبع لا، بل إن من يبادرنا بالحديث بضمير المتكلم في أول آيات القرآن – على حسب ترتيب القراءة – ليس هو الله وإنما الإنسان/ القارئ: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» الفاتحة/ 5،6. فمن يعرف القرآن جيدًا يعرف أنه ليس نصًا مونولوجيًا يستأثر فيه الله لنفسه بالحديث مخاطبًا قارئه/سامعه، بل إنه على نحوٍ يدعو حقًا للتدبر يترك المتلقي يسمع أولَ ما يسمع صوت ذاته، كما هو الحال في فاتحة الكتاب، لابد وأن لهذا دلالة تستحق أن نقف عندها طويلًا، وكأن الله يبتدئ كتابه بعقد ثقة بينه وبين القارئ بأن يعطيه طرف الحديث ويتحول هو – جل جلاله – إلى المخاطَب الذي يسمع صوت قارئ كتابه ويقيم معه «دياليكتيكًا صاعدًا» بتعبير نصر حامد أبو زيد.

نصر حامد أبو زيد

لم يعطِ الله شرف الكلام في كتابه الكريم للمؤمنين به فقط ممن يثنون عليه ويحمدونه ويسألونه الهداية إلى طريقه المستقيم، بل إنه أعطى هذا الشرف حتى لمن لا يؤمن به، بل وسمح لهم بأن يسردوا حججهم في عدم الإيمان بأنبيائه ورسالتهم: «فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ» المؤمنون/ 24.، هكذا يفسح القرآن المجال للجميع بأن يدلوا بدلوهم ويعطيهم طرف الحديث ليسردوا حججهم وتقارع الحجةُ الحجةَ «ليتذكر أولوا الألباب».

ولأن القرآن «ذكرٌ للعالمين» فالمتكلمون فيه ليسوا البشر فقط، بل إننا نسمع فيه كذلك صوت الملائكة يتحدثون إلى الله ويجادلونه عندما أعلمهم بشأن الخليفة الذي جعله في الأرض فَ «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ» البقرة/ 30، وكذلك صوت إبليس الذي عصى أمر ربه وأبى السجود لآدم، لم يكتف القرآن بذكر خبره وخبر عصيانه بل أفسح له المجال في مواضع عديدة كي يتكلم هو بذاته ويعرض أسباب عصيانه وتبعات ذلك العصيان وعن العهد الذي طلبه من الله فأذن له به «قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ» ص/ 79-81، وكذلك الحال مع الجِن، حيث أفسح لهم سورة كاملة يتكلمون فيها ويخبرونا عن عالمهم الذي لا يتراءى لنا وعن أنواعهم وموقفهم من النبي ورسالته وعن تأثير القرآن على مشاعرهم وعن علاقتهم بعالم البشر وعن حدود قدراتهم.

بل إن القرآن لم يهمل مخلوقات أخرى لا نتصور فيها صفة الكلام، فها هي النملة تخاطب قريناتها وتأمرهم بأن يأخذوا حذرهم كي لا يفتك بهم سليمان وجنوده: «قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» النمل/ 18، ويخبرنا القرآن بوقع هذا التواصل بين عالم الحيوان وعالم البشر على نفس سليمان، كيف أنه «تبسم ضاحكًا من قولها» عندما التمست له ولجنوده العذر حتى وإن أهلكوها هي وقريناتها، لأنهم ساعتها سوف يكونون قد فعلوا ذلك عن دون عمدِ منهم، وربما أدرك سليمان ساعتها كيف أن الإنسان كائن همجي فوضوي بطبيعته يرى نفسه دائمًا في مركز الكون بينما تستطيع نملة صغيرة أن تفسر العالم حولها تفسيرًا نسبيًا غير مركزي، تفسيرًا يعذر للإنسان جهله وقصور رؤيته للعالم ويغفر له ما لا يعلم، فما كان من سليمان إلا أن تَبَسّم تَبَسُّمَ المتواضع بعد الزهو عندما عرف حدود عالمه البشري، ثم شكر الله بأن أتاح له هذه الفرصة النادرة في الوقف على حدود عالمه أولًا وفي اكتساب لمحة من عالم آخر أكثر رحابة وسعة.

هكذا يجد المتأمل في القرآن أنه يحوي بين دفتيه عوالمَ عديدة، عوالمًا لا يجعلها القرآن فقط «موضعًا» يخبرنا عنه، بل يجعلها أيضًا «ذاتًا» تتحدث هي بنفسها عن نفسها فتجعلنا ننظر إلى عالمها من حيث تنظر هي إليه، بل إنه يشركنا نحن كذلك في هذا الديالكتيك التفاعلي البديع ولا يجعلنا نلزم موقع المتلقي الخامل دائمًا، فيشركنا في دور المرسِل أيضًا، الأمر الذي يجعل القرآن – حتى في نظر من لا يؤمن به، بل من لا يؤمن بوجود الله أصلًا من المنصفين – كتابًا ليس كباقي الكتب، فهو كتاب فريد ينبض بالحياة ولا تنضب كنوزه أبدًا، مهما تقادمت علينا الأزمان ومهما حصلنا من معارف جديدة،، بل إنه كلما تقادمت علينا الأزمان وكلما حصلنا من معارف جديدة تَكَشّفَ لنا المزيد من كنوزه الزاخرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لاحظت أن سيادتك نستدل على أن الله قد أعطى الفرصة لعباده بالحديث نيابة عن أنفسهم فى القرٱن الكريم و لم يحتكر – جل و علا – لنفسه فقط دور المتحدث

    و هو قول حق…..فالقارئ للقرٱن يلحظ ذلك بسهولة.

    مبدئيا ، لست عالما أو حتى مجرد مبتدئ فى علوم اللغات و النصوص ، و لكنى لاحظت أنك نستدل على تلك الحقيقة الثابتة بٱيات لا تعتبر دليلا عليها……فكلا تبدأ بالكلمات ” قال ” أو ” قالوا ” ………و هى كلها تعنى أن الله ما زال هو المتحدث

    و لكن ……الملحوظة التى لاحظتها كثيرا لدرجة تفوق قدرتى حاليا على الحصر….هى وجود ٱيات يتحدث فيها أطراف عديدة نيابة عن أنفسهم ….أى بغير كلمات مثل ” قال ” أو ” قالوا “……بل إنهم كثيرا ما يتحدثون عن الله كطرف ٱخر…..و نجد أنهم يحملون ما يشبه ” التفويض ” من الله بالتصرف و الحكم فى بعض الأمور .

    و هم – من وجهة نظرى المتواضعة – يملكون بعض الصلاحيات…..و لكنهم يملكونها ” بالوكالة ” و ليس “بالشراكة “…….فيمكن تشبيه الموقف كما لو أن الله – و لله المثل الأعلى تعالى علوا كبيرا – مثل ما نرى من الملوك فى حياتنا الدنيا…..فجميعهم لديهم وكلاء و رجال….و لكنهم لا يملكون شيئا

    فكما قال الله عن هؤلاء العباد – بتصرف – أنهم عباد مخلصون يعملون بأمره و لا يملك أحدهم أن يزيغ عن أمر الله .

    وهم كثيرون متنوعون….و يتباينون فى القرب و الأهمية

    و تلك الٱيات كثيرة لدرجة أنها تحتاج المكوث لبعض الوقت لأجل تجميعها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق