منوعات

حكاية ضريح الشيخة تريزا بمسجد مولانا أبي الحجاج الأقصري

عبر نوافذ التاريخ المطلة على معبد الأقصر، جلس الملك «رمسيس الثاني» يشيد معبده «الفخم»، برصانته وعناده، ويحرك رأسه في عمق المستقبل، ذلك الذي كان يحبو بين الأحجار المتناثرة، حيث جاء هذا المستقبل ذات يوم في صورة رجل زاهد من بغداد، وجلس بين أطلال المعبد، وبجواره نخلات عالية، ألقي دروسه وسط مريديه وتلاميذه، وذات يوم جاءته امرأة، لتحكي له: عن الماضي وعن الموت وعن عظمتها وماضيها وديانتها المخلتفة عنه، تحكي عن رجال أشداء وعن نساء ينزلن النهر لغسل الثياب وعن ساحرة تصنع التعاويذ وتقرأ الطالع، وعن مياه النهر العجيب التي تحف بالمعبد العظيم.

هذه هي بعض من مفردات حكاية الشيخة «تريزة» رضى الله عنها، تلك التي سنجدها هناك في الجنوب، حيث ضريحها المعبق برائحة البخور والعنبر والأسرار، داخل مسجد سيدي يوسف أبو الحجاج الأقصري الممتليء بالنقوش الفرعونية.

صورة قديمة لمسجد أبى الحجاج ومعبد الأقصر

حكايات وأساطير عن قصة حب إلهي بين الشيخ والراهبة

حكايات فريدة وغامضة، عن الراهبة «تريزا» القبطية والشيخ أبو الحجاج صاحب الكرامات الفريدة، تقول القصة «أن تريزا وهي راهبة قبطيّة كانت تعمل في كنيسة مقامة على أطلال المعبد، وكانت تساعد أبي الحجاج في الإنفاق على طلاّب العلم ورعايتهم والتكفّل بطلباتهم، فأمر الأقصري أن تدفن بجواره بعد وفاتها إكراماً لها ولجهدها» وهذا هو السر في وجود الضريح داخل الجامع، حيث تذكر كتب التاريخ عن تريزا إنها كانت راهبة رومانية ذات نفوذ كبير فى الأقصر وتسيطر على المدينة، وتعرف باسم «تريزا بنت القيصر»، وهناك أساطير قالت بإسلام تلك الراهبة على يد الشيخ الجليل، وحكايات عن زواج لم يكتمل بينهما.

كل ذلك حدث على أرض مدينة «الأقصر»، التي أنجبت التاريخ واختزلت العقائد بين ثنايا أروقه معابدها، نحن هنا نستمع لتلك الحكاية التي جمعت بين تلك الراهبة والشيخ الزاهد، لنعرف كيف تقاسما أشهر أضرحه مدينة الأقصر.

من بين تلك الحكايات «أن السيدة تريزة كانت راهبة عاشت فى عصر سيدى أبو الحجاج، وكانت راهبة فى الكنيسة التي أقيمت أسفل المسجد، وأحبته وأسلمت من أجل أن تتزوجه بعد أن هامت به حبًا، لكنها لم تتزوجه وأن ظلت مسلمه حتى توفيت».

والحكاية الأخري والتي تبدو هي المسيطرة على أفئده وعقول أهل الأقصر، هذه الحكاية التي تغلفها كرامات الشيخ الجليل حيث يذكر «أنه عندما قدم «أبو الحجاج» إلى الأقصر طلب من أميرة المدينة الراهبة «تريزة بنت القيصر» أو «تريزا بنت القمص» مقدار جلد بعير من الأرض يتعبد فيه، فاستجابت لطلبه فى وثيقة مكتوبة، وفى الليل جعل جلد البعير على شكل سير طويل ربط طرفه بأحد أعمدة معبد الأقصر وأحاط به المدينة كلها فتملكها بموجب الوثيقة، وقد اعجبت الراهبة بذكاء الشيخ فأسلمت وتزوجته.

حجرة السيدة تريزة

حكاية أخري تقول: «إن تلك السيدة كانت أميرة قبطية على مدينة الأقصر، ورفضت إقامة الشيخ أبا الحجاج في بادئ الأمر بالمدينة، وتعنتت معه بشكل شديد، لكن سرعان ما أُعجبت به وبزهده، فطلبت الزواج منه، واعتنقت الإسلام».

ورغم شعورنا بضغف بعض تلك الحكايات، وتوحد بعض المفردات أو الموضوعات بها، خاصة كيف استولي الشيخ أبا الحجاج على المدينة، كما أن معظم تلك الحكايات تعبر عن دهاء الشيخ الجليل في السيطرة على مدينة الأقصر، وهذا لم يكن من صفاته.

السيرة بين الباحثين والدراسين

كثير من الباحثين والدارسين لسيرة أبي الحجاج الأقصري، ينفون تلك الروايات، ويخلصوا الحكاية من أدران الخرافات، حيث يتم ذكر كل موضوع وتفنيده بداية من أسباب مجيء الشيخ لمدينة الأقصر، ثم  مكان نشأة المسجد. كما أن كثير من الباحثين لا يزالون يعيشون في الأقصر حتى الآن، وهما إذ لا يدافعون عن الحكاية بقدر دفاعهم عن جدهم الأكبر أبي الحجاج.

فالباحث الأثري «عبد الجواد الحجاجى» وهو أحد أحفاد الشيخ «أبو الحجاج» يذكر الحكاية في كتابه «الأقصر في عهد الشيخ أبو الحجاج»، حيث ينفي كثيرا من تلك الأساطير خاصة استيلاء الشيخ على المدينة من الراهبة «تريزا» فيروى عن تلك العلاقة مضمنًا بحثه بكثير من الأدلة التاريخية منها «أن العصر الذي جاء فيه أبي الحجاج للأقصر، كان عصرًا يتمتع فيه الأقباط بحقوقهم كاملة، وكانوا يتولون الدواووين والمناصب العليا في مصر».

فكيف يستولي الشيخ من «تريزا بنت القيصر» وهي حاكمة المدينة، عليها، إذا إنها كانت راهبة ذات نفوذ فهل كانت عاجزة عن المطالبة بحقها المسلوب منها، كما يدافع الباحث عن جده بأنه رجلا زاهد متصوف، والطمع ليس من صفاته أو شيمه.

وتذكر بعض كتب التاريخ الإسلامي بعض الروايات عن قصة الراهبة تريزا والعارف بالله أبي الحجاج الأقصري، فيقال «إنها كانت أميرة قبطية على مدينة الأقصر، ورفضت إقامة الأقصري في بادئ الأمر بالمدينة، وتعنتت معه بشكلٍ شديدٍ، لكن سرعان ما أُعجبت به وبزهده، فطلبت الزواج منه، واعتنقت الإسلام».

حوار حضارات «فرعوني قبطي إسلامي»

هنا في تلك البقعة الفريدة من أرض الأقصر وربما أرض مصر، نجد إنَّ مسجد سيدي أبي الحجاج الذي يعدُّ ملتقى لثلاثة حضارات متعاقبة «فرعونيّة وقبطيّة وإسلاميّة»، حيث يجتمع الثلاث في مكان واحد، لنجد المعبد والكنيسة والجامع، هذا المزيج لن تجده إلا نادرًا.

ومن خلال تلك التراكمات التاريخية، نشأ هذا الحوار الحضاري والعقائدي الفريد، حيث يذكر أن الرمال كانت  تغطي مساحة المعبد الذي بناه رمسيس الثاني، ولم يكن يظهر منه إلا الأعمدة العلوية فقط، وكان أسفله كنيسة قبطية قد أقيمت من الناحية الغربية، بالتالي عندما إنشأ أبا الحجاج مسجده، كان فوق الأرض، لذا فعندما ندخل المسجد سوف ندهش، هل نحن في مسجد أم معبد فرعوني، فلن ترى عيوننا إلا النقوش الفرعونية التي تملأ  كل مكان، بل أن المحراب تغلفه الجداريات الفرعونية.

وعن تاريخ المسجد نجده قد تأسس في عهد الدولة الأيوبية عام 658 هـ – 1286 م، لأحد أشهر أقطاب التصوّف الإسلامي السُّني القادمين من العراق أبي الحجاج الأقصري، الذي ينتهي نسبه إلى الحُسين بن علي رضي الله عنه.

وهو السيد يوسف عبدالرحيم بن يوسف بن عيسي الزاهد الملقب «بأبي الحجاج الأقصري» ولد في أوائل النصف الثاني من القرن السادس الهجري في مدينة «بغداد»، حاضنة الخلافة العباسية في عهد الخليفة المقتفي بأمر الله الخليفة العباسي، وكانت عائلته على قدر كبير من الورع والتقوى، وكان والده يشغل منصبا رفيعًا في الدولة العباسية.

رحل والده وهو طفل صغير، فعمل في صناعة غزل الصوف وحياكته، وكان له دكان شهير في بغداد. وقد درت عليه هذه الصناعة رزقا وفيرا وتزوج صغيرا، وأنجب أيضا صغيرا، وكان بجانب عمله في هذه الصناعة يتردد على حلقات الوعظ والدروس التي كان يعقدها شيوخ التصوف والعلماء في «بغداد».

وفي سن الأربعين، وكان قد جمع لنفسه من تجارته ما يكفيه مدة طويله من الزمن، رحل إلى مكة، وأقام بها عامًا، تعرف خلالها على أشراف من نسل أجداده وأسهم بالرأي والمناقشة في مجالس علمها، وتعرف على القادمين من مصر ومنهم بعض من عرب جهينة وعسير وهؤلاء هم الذين عرفوه بأن له أجدادا مدفونين بأرض مصر ورغبوه في السفر إليها وخاصة أن مصر كانت تمتاز في ذلك الوقت بالهدوء والسكينة والأمان والاطمئنان دون سائر البلدان الإسلامية.

ويذكر أن رحلته إلى الأقصر كانت بناء على رؤية منامية تأمره بالرحيل إلى مدينة تسمي «الأقصر» في صعيد مصر.

كما توجد رواية أخري عن اختياره للأقصر، وهي بسبب أن الناس قديما كانوا يخافون من الإقامة في الأقصر بسبب كثرة المعابد الفرعونية، وكان يوجد شائعة تقول إنها مساكن للعفاريت، ومن أجل ذلك قرر أبو الحجاج المجيء للأقصر وبناء مسجده.

كما يذكر أن أبي الحجاج وكان من علماء الشريعة على نهج أهل السُّنة، ولهذا السبب قرر القدوم إلى مصر من أجل الدعوة إلى صحيح الدين، ومواجهة الرواسب الفكريَّة للدولة الفاطميّة بعد سقوطها.

وقد نال الشيخ الجليل ثقة قادة الدولة الأيوبيّة، فشغل عدة مناصب بها، لكنه سرعان ما تركها ليتفرغ للدعوة والتدريس في مدينة الأقصر حتى وفاته، حيث كانت دروسه يحضرها جمعٌ غفيرٌ من طلاب العلم من كل المدن المصريّة، كما إنه ألتقي بالشيخ عبد الرحيم القنائى (صاحب مسجد قنا الشهير)، وبعدها أقام واستقر بالأقصر

صورة قديمة لمسجد الشيخ عبد الرحيم القنائي

توفى الشيخ الزاهد في شهر رجب سنة 642 هـ، وذلك فى عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب عن 90 عامًا، ومن أبنائه أحمد بن يوسف الذي ينعت بالنجم ومشهور بالكرامات، وهو الذي بنى الضريح على أبيه.

لذا فخلال النصف الأول من شهر شعبان، يبدأ الناس بالألتفاف والزيارة لضريح أبي الحجاج، حيث مولده الذي يتم الاحتفال به،  والمقام بالمسجد يحظى بمكانةٍ كبيرةٍ في نفوس الأهالي بصعيد مصر، ويزوره الملايين سنويًا.

وبعد وفاة الشيخ أبي الحجاج قام ابنه الشيخ «أحمد نجم» بتشييد مسجد يخلد ذكرى والده فى عام 658 ‏هـ‏- 1286‏ م‏، ويضم المسجد كل من ضريح العارف بالله الشيخ أبي الحجاج الأقصري، وضريح ابن عمه وولديه، وآخر لتلميذه، بالإضافة إلى مقام  «السيدة تريزا»، والذي تم تخصيص غرفة خاصة بها لإقامة مقامها، ويحرص الأهالي والزائرون على زيارة مقامها بشكل مستمر. حيث يتم معاملتها معاملة مقامات الصالحين المنتشرة في أرجاء مصر.

ضريح الشيخ أبو الحجاج الأقصري

الوسوم
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: