فن

ملح الفن (1) السنِّيدة العظام.. من حسب الله السادس عشر وترتر إلى إبراهيم نفخو

قبل اثنين وستين عاما كتب عبد السلام النابلسي قصة فيلم «حبيب حياتي» الذي أخرجه نيازي مصطفى وشارك فيه النابلسي بالتمثيل أمام أحمد رمزي وصباح، وفيه قام النابلسي بدور ممدوح الشاب الثرى الذي يترك له والده ثروة ضخمة يبددها ويضطر للعمل كسائق تاكسي، يتعامل مع الركاب بتعال شديد، باعتباره ثريا أناخ عليه الزمن، غير أن ما يلفت الأنظار بشدة هذه الأيام إلى النابلسى ومشاهده بالفيلم هو تلك المشاهد التي ظهر فيها وهو يمسك ببخاخة ضخمة و يقوم برش سيارته بالمطهرات وبتعقيم زبائنه من الركاب، وكذلك وهو يأخذ أجرته من الزبائن على طبق يضع فيه الراكب النقود ثم يقوم النابلسى برش النقود أيضا بالمطهرات خوفا من العدوى، وربما كان مقصد النابلسى من هذه المشاهد هو إظهار تكبر وعنجهية الشاب الذي كان غنيا ثم أصبح فقيرا، لكن مسألة تطهير وتعقيم السيارة والنقود والزبائن تستدعي لنا فورا ما نعانيه ونعايشه هذه الأيام مع فيروس كورونا، وكيف أن مشاهد النابلسى هى نفس ما تنادي به منظمة الصحة العالمية والجهات الصحية في العالم كله من اجراءات احترازية للنظافة والتطهير لمواجهة الفيروس، وهو ما يؤكد على أن الفنان الحقيقي يسبق عصره دائما حتى ولو على الطريقة النابلسية الساخرة الهزلية.

الكلام عن النابلسي بالتأكيد يصلح مدخلا للحديث عن أصحاب الأدوار الثانية في تاريخ السينما المصرية الذين يعتبر النابلسي عنوانا لهم، السنيدة العظام الذين يحملون عبء نجاح الأعمال الفنية على أكتافهم، ويتكفلون بهذا النجاح، ولا يستطيع الأبطال الجانات تحقيق النجاح بدونهم، إنهم أشبه بالملح، الذي لا يمكن تذوق الطعام بدونه، ولا عمل الطبخة دون إضافته، إنهم ملح الفن ومذاقه الجميل، وهم فنانون حقيقيون اعتمدوا فقط على مواهبهم الفطرية في التمثيل ولم يعتمدوا على وجوه جميلة أوأجسام ممشوقة أو أصوات يطرب لها الجمهور، فنجحوا وأنجحوا الأ فلام التي شاركوا فيها، تطول قائمتهم من النابلسي إلى ماجد الكدواني مرورا بعشرات الأسماء العظيمة في تاريخ السينما المصرية.

النابلسي.. صك النجاح للعندليب

يمثل عبد السلام النابلسي النموذج الساطع، لظاهرة الممثل السنيد الموهوب، الذي يشارك بالدور الوافر في نجاح العمل الفني، من دون أن يحصل على لقب البطل المطلق، تميز طوال تاريخه الفني بخفة الظل وبالكاريزما الخاصة التى حققت له قبولا هائلا لدي جمهور السينما، وكانت مشاركته لعبد الحليم حافظ في خمسة من أفلامه صك نجاح مؤكد لهذه الأفلام -مع اعتراف نجوم الفن مثل أحمد رمزي، نادية لطفي، عماد حمدي،… بأن عبد الحليم حافظ كان أحسن المطربين موهبة في التمثيل-، كما كانت مشاركته في أفلام نجوم آخرين تؤدي نفس المهمة، وتقوم بذات الدور، إنجاح العمل السينمائي وضمان قبوله لدى الجمهور.

شاعت في فترة الأربعينات والخمسينات على وجه التحديد ظاهرة استغلال نجومية مشاهير الغناء في البطولات السينمائية من أجل شباك التذاكر، ولأن بعض هؤلاء النجوم لم يكونوا ممثلين محترفين، ولا يستطيعون بمفردهم تحمل بطولة الفيلم السينمائي وملء مساحته الإبداعية والزمنية بما يجذب الجمهور، لجأ المخرجون والمنتجون إلى فنانين من نوعية خاصة وطراز خاص ليحملوا –في حقيقة الأمر- عبء العمل بشكل كبير وليساهموا في نجاح تلك النوعية من الأفلام التي كانت تزخر بعدد من الأغاني التي يغنيها البطل أو البطلة، وكان عبد السلام النابلسي، أبرز من جسدوا الظاهرة خاصة مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.

في أربعة من الأفلام الخمسة التي شارك فيها عبد السلام النابلسي حليم كان النابلسي يقوم بدور صديق البطل «حليم» الذي يقف خلفه يسانده ويؤازره ويدفعه دفعا للنجاح، ففي فيلم شارع الحب الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار، يقوم النابلسي بدور حسب الله أو حسب الله السادس عشر صاحب الفرقة الموسيقية وسليل عائلة موسيقية فنية من شارع محمد علي، يكتشف «البطل» المطرب المغمور عبد المنعم صبري «عبد الحليم حافظ» ويؤمن بموهبته، ومن أجله يضحي ويتنازل ويتزوج   الثرية سليطة اللسان طيبة القلب «سنية ترتر» «زينات صدقي» حنى تقوم بالإنفاق على الفرقة وعلى المطرب، لتتحقق النهاية السعيدة، ان يحقق المطرب المغمور النجاح ويظهر للناس، وقد طغت بشكل خاص وتألقت خفة دم النابلسي ومواقفه مع زينات صدقى، مثل قيامها بـ«دلق حلة الملوخية على رأسه» وايفيهاته مثل قوله ماتبسطهاش بالشكل ده، وشاركته زينات صدقي فى تلك المشاهد الكوميدية الرائعة، التى ستبقى خالدة في تاريخ السينما المصرية.

وفي فيلم ليالي الحب يقوم النابلسي بدور شمس الموظف بأرشيف شركة البلاستيك صديق البطل «أحمد ممتاز» «عبد الحليم» خريج العلوم، والموظف بنفس الشركة ويسكنان سويا فوق السطوح ويخترع البطل قماشا من البلاستيك ضد الحرق ويقدمه لرئيسه الذي يقدمه بدوره لرئيسه و تكاد براءة الاختراع وحق البطل النابه يضيعان لولا تدخل صديق البطل شمس أو النابلسي الذي يحث صديقه على الذهاب مباشرة إلى منزل رئيس مجلس الإدارة وبعد عدة مواقف كوميدية كان النابلسي قاسمها المشترك وبهجتها الجميلة يعود الحق لصاحبه متوجا بزواج البطل من البطلة آمال فريد ابنة رئيس مجلس الإدارة.

وفي فيلم حكاية حب يقوم النابلسي بدور رفعت السناكحلي صديق البطل أحمد مدرس الموسيقى المغمور الباحث عن فرصة لإبراز موهبته والذي يعول والدته الكفيفة «فردوس محمد» وشقيقه الأصغر الطفل «أحمد يحيى» المخرج المعروف بعد ذلك ويؤمن السناكحلي بموهبة أحمد ويقف معه حتى يحقق أحلامه، وفي آخر أفلام النابلسي مع حليم «يوم من عمري»  فإن النابلسي هو يونس المصور الصحفي الفاشل الذي يتعرض للسخرية من رئيس التحرير «محمود المليجي» ويرافق بطل الفيلم المحرر الصحفي صلاح شوقي إلى أن يحققا أهم خبطة صحفية، حين يكلفهما رئيس التحرير بالذهاب إلى مطار القاهرة لتغطية عودة نادية ابنة المليونير المعروف أبو عجيلة، ومن المطار تهرب نادية بعد أن عرفت أن زوجة أبيها المتسلطة ستزوجها عنوة من شقيقها طمعا في ثروة والدها وتركب الأوتوبيس الذي يستقله صلاح ويونس، وتقع نادية في حب صلاح وتذهب نادية وصلاح للمبيت عند يونس ويقومان بقضاء وقت جميل مع يونس وخطيبته، ويكتشف المليونير الحقيقة ويقرر أن يعود بابنته من حيث أتى لكن صلاح الذي كتب خبطة صحفية ويونس الذي نجح أخيرا في مهمته كمصور صحفي يقرران أن يتخليا عن مجدهما المهني من أجل الحب ويسرق صلاح الموضوع والصور قيل النشر ويذهب بهما للمليونير أبو عجيلة الذي  يرضخ لأمر الحب ويوافق على زواج ابنته من صلاح.

أما الفيلم الوحيد الذي لم يقم فيه النابلسي بدور صديق عبد الحليم بل قام بدور غريمه، فهو أول أفلامهما معا «فتى أحلامي»، ثالث أفلام حليم بعد فيلميه لحن الوفاء وأيامنا الحلوة، وفي هذا الفيلم الذي أنتج عام 1955 قام النابلسي بدور نوفل السرياقوسي وكيل دائرة رضوان بك الذي يسرق أموال الدائرة وينافس عادل «حليم» على حب البطلة منى بدر، وربما لهذا السبب «أن النابلسي لم يكون صديق البطل خفيف الدم طيب القلب» مع أسباب أخرى منها تهافت القصة وضعف الحوار كان فيلم فتى أحلامى أضعف خماسية أفلام حليم مع النابلسي، وربما اكتشف حلمى حليم منتج أغلب أفلام عبد الحليم في تلك الفترة هذا الأمر فكان حرصه الشديد على أن يظهر النابلسي في دور الصديق الصدوق المحب والمخلص للبطل عبد الحليم في الافلام التي تلت هذا الفيلم.

وقد كان النابلسي مرشحا لمشاركة حليم في فيلم معبودة الجماهير مع النجمة شادية لكن سفر النابلسي إلى لبنان هربا من مطاردة الضرائب له واستقراره في بيروت حال دون مشاركته للفيلم السادس على التوالي مع حليم ليذهب دوره كصديق مخلص للبطل أيضا إلى الفنان القدير فؤاد المهندس.

وقد شارك النابلسي في أفلام نجوم غناء آخرين غير حليم مثل فريد الأطرش الذي شارك معه في أحد عشر فيلما منها شهر العسل وآخر كدبة ولحن حبي، كما شارك مع محمد فوزي في بعض أفلامه مثل معجزة السماء غير أن التجلي الابرز للنابلسي كان بالطبع في أفلام عبد الحليم، الذي حكمت الصدفة أن تكون سنة ميلاده «1929» هى ذات السنة التى  شهدت بداية المشوار الفني للنابلسي في فيلم غادة الصحراء الذي أتبعه بفيلم وخز الضمير عام 1931 ثم فيلم العزيمة عام 1939 ثم فيلم ليلي بنت الريف، وفي كل هذه الأفلام في بداياته الفنية كان النابلسي يظهر في دور الفتي المستهتر او ابن الذوات، ولم يترك النابلسي أي بصمة في تلك الأفلام وتلك البدايات، ولم ينجح نجاحا مبهرا إلا حين تحول إلى الصديق الصدوق للبطل وإلى ذلك الفقير الباحث عن فرصة للخروج من دائرة فقره وهو ما أتاح له مساحة دور أكبر وقماشة فنية أوسع تتحرك فيها موهبته العريضة.

فشل البطولة المطلقة

والغريب أنه حين قرر النابلسي أن يكون بطلا مطلقا أخفق وفشل فشلا ذريعا في تجربتين اثنتين متعاقبتين لم يكررهما بعد ذلك هما حلاق السيدات الذي أنتجه وقام ببطولته عام 1960 وقد قام اسماعيل ياسين بالدور الثاني كصديق للبطل وسنيد للنابلسي دعما له في تجربة بطولته المطلقة الأولى في وقت كان فيه ياسين هو نجم الكوميديا الأول الذي تصنع له أفلام باسمه والغريب أن اسم اسماعيل ياسين تصدر أفيش الفيلم في بعض طبعاته كبطل ربما حيلة من النابلسي الذي يبدو أنه كان يشك في مسألة قبوله كبطل مطلق لدى الجمهور وفيه يقوم النابلسي بدور زيزو الذي ورث صالونا للحلاقة عن والده ويعمل معه صديقاه ويقرر أن يطور الصالون بتقسيمه إلى قسم للرجال وآخر للنساء وثالث للحيوانات ولكن الفيلم فشل في أن يقدم النابلسي كبطل أول، وهو ما تكرر مع فيلم عاشور قلب الأسد عام 1961 الذي قدم رشدي أباظة فكرته وقبل -وهو الجان الشهير – أن يعمل سنيدا للنابلسي الذي قام بالبطولة المطلقة من خلال شخصية عاشور الذي يعمل مدربا للتربية البدنية ويحاول أن يلفت نظر نادية لكنها لا تهتم به لضآلة جسمه وضعف بنيانه إلى أن يصادف عالما يخترع حقنة تعطي قوة بدنية جبارة ليتحول إلى شخص آخر وهي نفس قصة فيلم أونكل زيزو حبيبي لمحمد صبحى الذي أنتج بعد عاشور قلب الأسد بسنوات وفشل عاشور قلب الاسد قبل أن يترك النابلسي الفلسطيني الأصل الذي كان جده يعمل قاضيا لمدينة نابلس مصر عائدا إلى لبنان بعد أن طاردته الضرائب وحجزت على شقته بالزمالك ليكمل بقية عمره في بيروت ويرحل إثر أزمة قلبية عام في 5 يوليو عام 1968 عن عمر ناهز التاسعة والستين عاما.

زينات صدقي.. أشهر عانس

يسمونها «أشهر عانس في السينما المصرية».. هي دائما تلك العانس التي تبحث عن عريس.. وتطارد من أجل ذلك من يقع قلبها في هواه.. وهي سليطة اللسان غير أنها طيبة القلب.. جميلة الروح.. هذه هي الصورة النمطية التي حصر فيها صناع السينما المصرية زينات صدقي.. ساعدهم على استمرائهم لهذا التنميط نجاحها المبهر في تأدية هذه النوعية من الأدوار باقتدار وتمكن.. وبخفة ظل هائلة وبشكل خاص في طريقة نطق الكلام واختيار الالفاظ والجمل والإيفيهات، وكذلك اختيار الملابس والاكسسوارات، التىي كانت تميز زينات صدقي وتدشن لتفردها في أداء أدوارها الكوميدية التي حفظها جمهور السينما المصرية عن ظهر قلب.

شكلت زينات صدقي دويتو فنيا رائعا مع إسماعيل ياسين في كثير من الأفلام.. وأشاعا جوا كوميديا مبهجا.. في مباريات كوميدية يشعر مشاهدوها أن الحب والألفة هما ما كان يحكم علاقات أبطالها في الحقيقة.

شاركت زينات صدقي مع إسماعيل ياسين فى عدد كبير من الأفلام منها بن حميدو الذي قامت فيه بدور حميدة الفتاة العانس ابنة الريس حنفي التي تفعل هي وأمها المستحيل للزواج من ابن حميدو «إسماعيل ياسين» كما شاركت مع يس في فيلم عريس مراتي الذي قامت فيه بدور هويدا صاحبة بيت الأزياء العانس التي تبحث عمن يعمل في بيت أزيائها بشرط أن يكون أعزبا.. ومع إسماعيل ياسين والنابلسي أيضا شاركت زينات في فيلم حلاق السيدات في دور أشجان السيدة الثرية التي   يتزوج عليها زوجها ستيفان روستي وتتصدي لهذا الزواج في مواقف كوميدية رائعة.

وتطل زينات صدقي على جمهورها في واحد من أخلد أدوارها بل أدوار الكوميديا في تاريخ السينما المصرية بدور سنية ترتر  بنت البلد الطيبة الثرية سليطة اللسان خفيفة الدم والروح التي تطارد حسب الله أو النابلسي للزواج منه مشكلة معه ثنائيا كوميديا مدهشا.. وتظل مشاهد سنية ترتر وهي تلقي بالمياه أو بالملوخية الفاسدة على رأس حسب الله أو وهي تتغزل في جماله وعبقريته تستدعي ضحكات الجمهور  في كل عصر رغم مرور أكثر من ستين عاما على فيلم شارع الحب الذي ضم هذه المشاهد بين زينات والنابلسي وتبقى أيضا ايفيهاتها الرائعة مثل انسان الغاب طويل الناب أو يا سارق قلوب العذارى خالدة على مر الزمن.

ومع عبد الفتاح القصري أيضا دخلت زينات صدقي مساجلات كوميدية شديدة الروعة في عدد من الأفلام منها فيلم ابن حميدو الذي قامت فيه يدور ابنة القصري وكذلك في فيلم القلب له أحكام مع فاتن حمامة وأحمد رمزي ومن أجمل مشاهد الفيلم ذلك المشهد الذي جمع بين زينات و القصري والذي يقول فيه القصري أو الحانوتى موجها كلامه لزينات أو زنوبة: «يا أرض اخسفي ما عليكي فترد زينات: أمك لما وعيت عليك رقعت بالصوت».

وفيه قامت زينات بدور زنوبة التي تقدم النصائح لبطلة الفيلم فاتن حمامة طالبة الطب الفقيرة البسيطة التي تسكن حي بولاق الشعبي والتي تحب زميلها الثري المستهتر أحمد رمزي ساكن الزمالك، وهناك مشهد تقدم فيه زينات درسا في  شقاوة البنات لفاتن حمامة للفت نظر الشاب الذي تحبه هو من أجمل المشاهد وأبدعها.. وفي هذا الفيلم كان أحمد رمزي ممثلا ناشئا يشعر بالرهبة من الكاميرا فأسدت له زينات نصيحة بأن يكون طبيعيا وأن ينسى أنه يقف أمام الكاميرا وشجعته  بعد أن لاحظت خوفه وقد أشار أحمد رمزي إلى أنه كان من الممكن أن ينسحب من مجال التمثيل نهائيا لو لم يجد مثل هذه النصيحة وهذه المساندة من زينات صدقي.

وفي فيلم أيامنا الحلوة بطولة عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد رمزي تقوم زينات صدقي بدور زنوبة «نفس اسمها في القلب له أحكام» صاحبة المنزل الذي يقيم به حليم وعمر الشريف وأحمد رمزي الذين يتصارعون على قلب هدى فاتن حمامة المقيمة بنفس المنزل لكنها تميل لأحمد «عبد الحليم» وحين تمرض هدى ويتطلب الأمر عملية جراحية تتكلف ثلاثمائة جنيه تبيع زنوبة في مروؤة شديدة مصاغها وتبدي استعدادها لرهن منزلها من أجل إجراء الجراحة لهدى

وبعد مشوار حافل تعطي السينما ظهرها لزينات صدقي فلا تلتفت إليها على عظمة تاريخها فيها فتنعزل وحيدة وتحت وطأة الحاجة تشارك في فيلمي السراب ثم بنت اسمها محمود عامي 1970 و1975 وتقرر بعدها أن تغلق باب بيتها على نفسها

ومن العجيب الغريب أن هذه الفنانة المتدفقة شديدة الجراة التي تفجر الضحكات لدى جمهورها على الشاشة كانت فى الواقع خجولا وحزينة لا تبتسم.. ومن الغريب أيضا أن زينات صدقي بدأت حياتها الفنية مطربة تحيي أفراح أعيان الأسكندرية التي ولدت بها بحى الجمرك في مايو 1913 ثم عملت راقصة بكازينو زيزينيا ثم كازينو مونت كارلو بالأسكندرية وقد أسمت نفسها آنذاك «زينب العالمية» فقد كان اسمها الحقيقي زينب محمد سعد قبل أن تنتقل للقاهرة حيث عملت راقصة أيضا بكازينو بديعة وسافرت مع فرقتها إلى لبنان وحاولت بديعة إقناعها باحتراف الرقص بشكل كامل لكن نداهة التمثيل كانت تناديها دائما وجاءتها الفرصة حين غابت عزيزة زكي إحدى ممثلات فرقة الريحاني عن مسرحية «الدنيا جرى فيها إيه» وفي عز حيرة الريحاني وجد زينب محمد سعد أمامه فأسند إليها الدور.. دور الخادمة سليطة اللسان فأدت الفتاة السكندرية التي كانت ترقص في فرقة بديعة الدور بعبقرية نالت إعجاب الريحاني ومن يومها لم تفارق زينات مسرح الريحاني الذي أسماها باسم زينات بينما اختارت لنفسها الاسم الثاني «صدقي» نسبة لاسم والد أقرب صديقاتها في بداياتها بالاسكندرية ورفيقة هذه البدايات فى الغناء بالأفراح «خيرية صدقي».

عملت زينات بفرقة الريحاني وفرقة يوسف وهبي ثم انتقلت لفرقة إسماعيل ياسين بعد وفاة الريحاني وعملت بها حوالي ست سنوات. وإذن فإن لزينات تاريخ مسرحي حافل امتد من منصف الثلاثينات وحتي منتصف الخمسينات ومن سوء الحظ أن التليفزيون لم يكن قد دخل مصر لتسجيل وتوثيق هذه المسرحيات تليفزيونيا.

وكرمتها الدولة في شخص الرئيس الراحل أنور السادات عام 1976 في عيد الفن وقرر لها معاشا استثنائيا ومنحها شيكا بألف جنيه وأعطاها رقم تليفونه الخاص.

 ورغم كل البهجة التي صنعتها زينات صدقي في حياتنا فقد عاشت حزينة إذ فشلت زيجتاها، الزيجة الأولي من قريب لها في صباها الباكر ثم الزيجة الثانية من ملحن مغمور اسمه إبراهيم فوزي، ثم ماتت حزينة بعد أن طاردتها الضرائب كما فعلت مع النابلسى وباعت أثاث بيتها قطعة قطعة، وتكالب عليها المرض في القلب والرئة ورفضت توسلات ابنة شقيقتها بالاتصال بالسادات لترحل فى 2 مارس عام 1978

المعلم عبد الفتاح القصري.. صانع البهجة.. الحزين!

عبد الفتاح القصري.. عبد المجيد ساطور في «سي عمر» والمعلم نفخو فيي «لعبة الست» والريس حنفي في «ابن حميدو».. صاحب أشهر الإيفيهات والجمل في تاريخ السينما المصرية في فيلم ابن حميدو الذي قام فيه بدور الريس حنفي  شيخ الصيادين.. فهو صاحب جملة أنا كلمتي لا ممكن تنزل الأرض أبدا.. ثم حين يصطدم بإصرار زوجته التي تخيفه وتتحكم فيه فينظر إليها قائلا «خلاص.. تنزل المرة دى» شخصية الريس حنفي حاضرة دائما على مواقع التواصل.. وعبارة «خلاص .. تنزل المرة دى» يرددها المصريون ويقولونها لبعضهم جدا أو هزلا أو إشارة إلى من.. يتراجعون عن قراراتهم ومواقفهم التي كانوا يصرون عليها.. هي بالفعل أكثر الجمل والإيفيهات السينمائية التي يتداولها المصريون.. وهناك إيفيهات وجمل سينمائية أخرى للقصري لا تقل خلودا مثل نورماندي تو .. ويا صفايح الزبدة السايحة.. يا براميل القشطة النايحة.. عبد الفتاح القصري ابن الذوات وابن أحد كبار صاغة الذهب خريج مدارس الفرير الفرنسية لم يكن مظهره ولا شكله يوحيان على الإطلاق بطبقته الاجتماعية في عصر الملكية غير أنه كان يعيش بحي الجمالية ويختلط بأولاد البلد ومنهم عرف وتشرب شخصية ابن البلد التي أجاد تجسيدها على الشاشة.. لذلك حصره شكله في شخصية المعلم الجاهل الظريف الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ويقع بسبب جهله في مواقف كوميدية تستدر الضحكات الصافية.. وربما ساعده قصر قامته والحول البادي علي عينه وطريقة نطقه للكلام على أن تصبح شخصية المعلم الجاهل ماركة مسجلة باسمه.. وسواء وهو يرتدي الجلباب البلدي أو يرتدي البدلة كانت تليق عليه شخصية المعلم تماما.

 في الآنسة حنفي هو المعلم كتكوت الجزار والد حنفي «إسماعيل ياسين» الذي يتحول إلى فيفي وفي ليلة الدخلة هو المعلم خرطوش الذي يبحث لابنتيه الدميمتين عن عريسين وتوقعه الصدفة في الشابين نايلون وبلابيعو إسماعيل ياسين وحسن فايق ويحاول اجبارهما على الزواج من ابنتيه لكنهما ينجوان في النهاية ويتزوجان من أحبهما قلباهما الفتاتين الجميلتين «ماجدة» و «سميحة توفيق»، وفي «لعبة الست» يقوم القصري بدور المعلم ابراهيم نفخو والد لعبة الذي حاول تطليقها من زوجها حسن أبو طبق «نجيب الريحاني» امتثالا لرغبة زوجته سنية جنح «ماري منيب»

وفي سكر زيادة هو المعلم شاهين الذي يريد الشابان نبيل وفريد «كمال الشناوي وعمر الحريري» الزواج من ابنته وابنة شقيقه بينما يقع هو في حب سكر هانم المزيفة عمة فريد التي يتورط صديقهما عبد المنعم ابراهيم بتمثيل شخصيتها  ونرى عددا من المشاهد والمواقف الكوميدية المبدعة بين شاهين وسكر وفي الاستاذة فاطمة يجسد القصري شخصية المعلم عبد العزيز التاجر الميسور والد فاطمة المحامية «فاتن حمامة» الذي يحقق أمنيته في أن تصبح ابنته محامية ويفتتح لها مكتب محاماة وتتواصل المواقف الكوميدية الرائعة بين القصري وبين جاره عمر والد عادل المحامي الذي يحب فاطمة «كمال الشناوي» والذي يتهم في جريمة قتل فتتصدى فاطمة للدفاع عنه وإثبات براءته لتقنع عادل بأنها محامية شاطرة فيتزوجان في النهاية وتصل الخلاف بين المعلم عبد العزيز ووالد عادل على أمور الجيرة إلى المحكمة وفي موقف لا تنساه ذاكرة السينما المصرية يترافع المعلم عبد العزيز فيطالب بالإعدام لغريمه.

وهكذا يقوم عبد الفتاح القصري بدور المعلم في كل أشكاله وملامحه ورغم حصره في هذا الدور الذي لم يتمرد عليه إلا في القليل النادر مثل دور فرد العصابة اللص عبد المجيد ساطور في سى عمر إلا أن قدرة القصري على تلوين شخصية المعلم والخروج بها عن إطارها النمطي التقليدي منحه ومنحها مزيدا من التجدد الذي جعلها  قادرة على الاحتفاظ بطزاجتها وحضورها وألقها الفني الجميل وقدرتها على انتزاع الضحكات من المتفرجين.

وقد شكل عبد الفتاح القصري ثنائيا فنيا رائعا مع إسماعيل ياسين وشاركه كثيرا من أفلامه مثل إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين وإسماعيل ياسين في متحف الشمع واسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة وحرام عليك كما شكل مع زينات صدقي ايضا ثنائيا رائعا في أفلام من كوميدية ناجحة من عينة ابن حميدو والقلب له احكام وجمعت أفلام أخري بين ثلاثتهم مثل الآنسة حنفي.

نهاية مأساوية

كانت سنوات القصرى الأخيرة مأساوية بكل المقاييس فمات مريضا فقيرا حزينا كئيبا وهو الذي أضحك الجميع

حلم القصري بأن يكون له ولد وتزوج ثلاث مرات لكن الله لم بشأ له بتحقيق حلمه فتبنى طفلا كان يعمل في محل بقالة بجوار بيته عمره آنذاك اثنا عشر عاما وعارضت زوجته الثالثة الأمر فطلقها، وذات يوم ارتفع عنده الضغط وزادت نسبة السكر الذي كان مريضا به فدخل عام 1958 المستشفى وفيها تعرف على ممرضة أظهرت اهتمامها الشديد وإعجابها به ليتزوجها، ثم يكتب جميع أملاكه ومنزله  باسمها فتتغير إلى النقيض تماما، وبينما كان القصري يؤدى دوره في مسرحية الحبيب المضروب مع اسماعيل ياسين وتحية كاريوكا واستيفان روستي يصرخ «أنا مش شايف.. أنا عميت» ويضحك الجمهور ويدرك إسماعيل يس وتحية كاريوكا أن القصري أصيب بالعمى بالفعل وينقلونه إلى منزله، وتبالغ زوجته في إذلاله وتجبره على تطليقها لتتزوج من ابنه بالتبني، وتجبره على العيش في غرفة ببدرون منزله ويعلم عدد من زملائه الفنانين بمأساته فينقلونه للمستشفى فاقدا للذاكرة، ويمنحه محافظ القاهرة وقتها شقة بالشرابية يموت فيها حزينا كسيرا يائسا.. وثمة شبه عجيب في تلك النهايات الحزينة للكوميديانات الثلاثة العظام النابلسي وزينات صدقي والقصري الذين منحوا الناس البهجة وماتوا حزانى باكين، ويشاركهم تلك النهاية الحزينة رفيقهم إسماعيل ياسين وإن كانت نهاية القصري هي الأكثر مأساوية وتراجيدية وبؤسا.. رحمهم الله جميعا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق