رؤى

أوبئة غيرت التاريخ (2 – 2) كورونا ليست الأولى.. حضارات بشرية أطاحت بها الجوائح

عرض وترجمة: أحمد بركات

في حالات الأمراض المعدية، يمثل الوباء السيناريو الأسوأ على الإطلاق. وعندما تتفشى العدوى خارج حدود الدولة، تصبح وباء.

كانت الأمراض القابلة للانتقال موجودة في حقبة الصيد الجماعي منذ فجر التاريخ البشري، لكن التحول إلى الحياة الزراعية قبل 10 آلاف عام من الزمان خلق مجتمعات زادت فيها احتمالية ظهور الأوبئة. في هذه الفترة تحديدا ظهرت الملاريا والسل والجذام والأنفلونزا والجدري وغيرها لأول مرة. وكلما ارتقت البشرية في مدارج الحضارة عبر بناء المدن وشق الطرق للاتصال بالمدن الأخرى، أو لخوض الحروب ضدها، زادت احتمالات ظهور الأوبئة.

وفيما يلي الجزء الثاني من استعراض الخط الزمني للأوبئة التي غيرت التاريخ بعد أن عاثت في أجساد البشر.

1665: الطاعون العظيم في لندن

في ظهور مدمر آخر – بعد ظهوره في طاعون جستنيان في عام 541، وطاعون الموت الأسود في عام 1350 – أدى الطاعون الدبلي إلى موت 20% من سكان لندن. ومع تصاعد أعداد الموتى وظهور المقابر الجماعية، تم ذبح مئات الآلاف من القطط والكلاب كسبب محتمل، وانتشر المرض عبر الموانئ على طول نهر التايمز. وانحسرت أسوأ موجة تفشي في خريف عام 1666، وهو تقريبا نفس الوقت الذي وقع فيه حدث مدمر آخر، وهو «حريق لندن العظيم».

رسم بياني لمعدل الوفيات في «الطاعون العظيم»

1817: وباء الكوليرا الأول

باعتباره الأول من سبعة أوبئة كوليرا وقعت على مدى 150 عاما تلت، نشأت هذه الموجة من عدوى الأمعاء الدقيقة في روسيا، وأودت بحياة مليون شخص. انتشرت البكتيريا من خلال المياه والأغذية الملوثة، وانتقلت إلى الجنود البريطانيين الذين نقلوها بدورهم إلى الهند حيث مات ملايين آخرين. كما نشر تمدد الإمبراطورية البريطانية وأسطولها البحري الكوليرا في أسبانيا وأفريقيا وأندونيسيا والصين واليابان وإيطاليا وألمانيا وأمريكا، حيث قتل 150 ألف شخص. وفي عام 1885 تم اكتشاف مصل لهذا الوباء.

1855: وباء الطاعون الثالث

بدأ الطاعون الدبلي من الصين، وانتقل إلى الهند وهونج كونج، وتسبب في وفاة 15 مليون شخص. في البداية، انتشر الطاعون عن طرق البراغيث في أثناء فترة ازدهار التعدين في مقاطعة «يونان» بالصين، ومن ثم فإنه يعد عامل مهم في تمرد بارثاي وتمرد تايبينغ.

كانت الهند أشد البلاد تضررا بسبب هذا الطاعون، واستخدم كذريعة لانتهاج سياسات قمعية أدت إلى إشعال تمرد ضد البريطانيين. ظل هذا الوباء نشطا حتى عام 1960 عندما تراجعت الحالات إلى أقل من بضع مئات.

1875: وباء الحصبة فيجي

بعد استسلام فيجي للإمبراطورية البريطانية، قام الأحزاب الملكية بزيارة أستراليا كهدية من الملكة فيكتوريا. وصل ممثلو الحزب في أحد فترات تفشي الحصبة، وحملوا الوباء معهم لدى عودتهم إلى جزيرتهم، ثم ازداد انتشاره على يد زعماء القبائل وقوات الشرطة الذين التقوا بوفد الملكة لدى عودته.

ومع الانتشار السريع للمرض، امتلأت الجزيرة بالجثث التي اقتاتت عليها الحيوانات المتوحشة، وماتت قرى بأكملها، وتم حرقها، وفي بعض الأحيان تُرك المرضى الأحياء تلتهمهم النيران. وحصدت هذه الحصبة أرواح 40 ألف من سكان فيجي، أي ما يعادل ثلث إجمالي السكان هناك.

الأنفلونزا الروسية: 1889

بدأ أول تفشي واسع النطاق لجائحة الأنفلونزا في سيبريا وكازاخستان، وانتقلت منهما إلى موسكو، ثم إلى فنلندا وبولندا، حيث شقت طريقها إلى بقية أوربا. وبحلول العام التالي، عبرت المحيط إلى أمريكا الشمالية وأفريقيا. وفي نهاية عام 1890، كان 360 ألف سخص قد لقوا حتفهم جراء هذا الوباء.

1918: الأنفلونزا الأسبانية

تسبب مرض الأنفلونزا الذي تنقله الطيور في موت 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. كان أول ظهور لهذا المرض في عام 1918 في أوربا والولايات المتحدة وأجزاء من آسيا قبل أن يتفشى في جميع أنحاء العالم. في هذا الوقت، لم يكن هناك أي دواء أو لقاح فعال لمعالجة هذه السلالة القاتلة من فيروس الأنفلونزا. وقد أدت تقارير الخدمات السلكية عن تفشي أحد سلالات هذا الفيروس في مدريد في ربيع عام 1918 إلى إطلاق اسم «الأنفلونزا الأسبانية» على هذا الوباء.

وبحلول شهر أكتوبر من هذا العام، سقط مئات الآلاف من الأمريكيين ضحايا لهذا الوباء، وتفاقمت الأزمة بسبب عدم توافر مساحات كافية لتخزين الجثث. لكن التهديد الذي فرضه هذا الوباء اختفى في صيف عام 1919 عندما طور أغلب المصابين مناعة ضد المرض، أو حتى ماتوا بسببه.

1957: الأنفلونزا الآسيوية

بدأت في هونج كونج، وانتشرت عبر الصين، ومنها إلى الولايات المتحدة. انتشرت الأنفلونزا الآسيوية أيضا في انجلترا على نطاق واسع، وراح ضحيتها 14 ألف شخص في ستة أشهر فقط. تبعت هذه الموجة موجة ثانية في عام 1958، وتقدر أعداد الوفيات التي نجمت عنها بحوالي 1.1 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، من بينهم 116 ألف حالة في الولايات المتحدة فقط. لكن نجاح العلماء بعد ذلك في تطوير لقاح أدى إلى احتواء هذا الوباء بفاعلية.

1981: فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز

في عام 1981، تم التعرف على هذا المرض الذي يدمر الجهاز المناعي لدى الإنسان، ويؤدي في النهاية إلى موته بعد إصابته بالأمراض التي عادة ما يقاومها الجسم. يعاني المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) من الحمى والصداع وتضخم الغدد الليمفاوية عند الإصابة. وعندما تهدأ الأعراض، يصبح حاملو الفيروس ناقلين للعدوى بدرجة خطيرة من خلال الدم والسائل التناسلي، ويدمر المرض الخلايا التائية.

أما الإيدز (AIDS) فقد تم رصده لأول مرة في مجتمعات المثليين الأمريكيين، لكن العلماء يعتقدون أنه تطور من فيروس شمبانزي من غرب أفريقيا في عشرينيات القرن الماضي. وانتقل المرض، الذي ينتشر من خلال سوائل معينة في الجسم، إلى هايتي في ستينيات القرن الماضي، ومنها إلى نيويورك وسان فرانسيسكو في السبعينيات.

تم تطوير علاجات لإبطاء تقدم المرض، لكن 35 مليون شخص في جميع أنحاء العالم كانوا قد لقوا حتفهم بسببه منذ اكتشافه، ولم يُكتشف له علاج بعد.

2003: سارس

تم التعرف عليه لأول مرة في عام 2003 بعد تعدد الحالات على مدى عدة أشهر. ويعتقد العلماء أن هذا المرض – وهو اختصار لـ «متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)» Severe Acute Respiratory Syndrome (SARS) – بدأ في الخفافيش، وانتشر منها إلى القطط، ثم إلى البشر في الصين، ومنها إلى 26 دولة أخرى، وأصاب 8096 شخصا، مات منهم 774 شخصا.

من أهم أعراض هذا المرض الأزمات التنفسية، والسعال الجاف، والحمى، والصداع، وآلام الجسد، وينتشر من خلال الرذاذ التنفسي الناجم عن السعال والعطس.

أثبتت جهود الحجر الصحي فعاليتها في مواجهة هذا المرض، وفي منتصف عام 2003 (تحديدا في شهر يوليو) نجحت جهود احتواء المرض، ولم يعاود الظهور منذ ذلك الحين. وواجهت الصين انتقادات حادة لمحاولتها إخفاء معلومات عن الفيروس في المراحل الأولى من تفشيه.

نظر العديد من خبراء الصحة في العالم إلى «سارس» باعتباره جرس إنذار لتحسين الاستجابات لتفشي الأوبئة، وأفادت دروس من هذه الجائحة في إبقاء أمراض من قبيل أنفلونزا H1N1 وإيبولا وزيكا تحت السيطرة.

2019: كوفيد 19

في 11 مارس 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسميا أن فيروس كوفيد – 19 جائحة بعد أن اجتاح 114 دولة في ثلاثة أشهر، وأصاب أكثر من 118 ألف شخص، وكان من المتوقع حينها أن يواصل المرض انتشاره المروع.

ينجم مرض كوفيد – 19 عن فيروس تاجي مستجد من سلالة جديدة لم توجد من قبل في البشر. وتتضمن الأعراض أزمات تنفسية، وحمى وسعال، ويمكن أن يؤدي إلى الالتهاب الرئوي والموت. وعلى غرار «سارس»، ينتشر هذا المرض من خلال الرذاذ الناجم عن العطس.

ظهرت أول حالة تمت الإفادة عنها في الصين في 17 نوفمبر 2019، في مقاطعة هوبي، لكن لم يتم الاعتراف بها. وشهد شهر ديسمبر ظهور ثماني حالات نسبها الباحثون إلى فيروس غير معروف.

عُرف الكثير عن كوفيد- 19، عندما تحدى لي وين ليانغ – طبيب العيون الصيني في مستشفى ووهان المركزي – تعليمات حكومته، ونشر معلومات السلامة للأطباء الآخرين. وفي اليوم التالي، أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية، واتهمت لي بارتكاب جريمة. وبعد أكثر من شهر بقليل مات لي بسبب كوفيد – 19.

في ظل عدم توافر لقاح، تجاوز الفيروس الحدود الصينية، وبحلول منتصف شهر مارس كان قد انتشر عالميا في أكثر من 163 دولة. وفي 11 فبراير تم إطلاق اسم «كوفيد – 19» على هذا المرض.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

اقرأ أيضا:

أوبئة غيرت التاريخ (1 – 2) كورونا ليست الأولى.. حضارات بشرية أطاحت بها الجوائح

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق