ثقافة

أمل دنقل.. الجنوبي الكبير الذي يجيد الشعر ولا يجيد عبارات الغزل

«عيناك: لحظتا شروق .. أرشف قهوتي الصباحية من بنهما المحروق .. وأقرأ الطالع» .. هكذا خاطب الشاعر الصعلوك الذي لم يكن يرى الشمس إلا نادرا لكونه كائن ليلي محبوبته، فكيف ستغزل المحبوبة حين تكتب عن شاعرها بعد رحيله صورته؟ هل ستكتفي برواية قصة حبهما أم ستعيد إكتشاف عالمه الكامن خلف أبيات قصائده؟ هل ستقدمه كما دأب الآخرون على تقديمه كشاعر للمقاومة؟ هل سترد على كل تلك الإتهامات التي وجهت له خلال حياته وامتدت لما بعد وفاته وكان من بينها أنه ملحداً لا يعرف للرب طريق؟

بطاقة شخصية

حين التقت الكاتبة الصحفية عبلة الرويني لأول مرة مع الشاعر الصعلوك كما كان معروفا عنه كي تجري معه حوارا صحفي لجريدة الأخبار في نهايات عام 1975 طلبت منه أن يقدم نفسه فكانت بطاقته الشخصية كالتالي:

الاسم: محمد أمل فهيم محارب دنقل.

المهنة: شاعر، قانون الصدفة يحكم علاقته بالشعر ليقف على أرض الهواه لا المحترفين، لأن تعمد الشعر أو لبس العباءة الشعرية يحرم الشاعر من ميزة التلقائية والتجربة الاجتماعية.

كيف يصف أمل دنقل نفسه بأنه يقف على أرض الهواه لا المحترفين وهو الشاعر الذي مازالت أبيات قصائده يتردد صداها بأرجاء العالم العربي حتى اليوم.. تُراه أخطأ في تقديم نفسه؟ أم أنه كان يقصد ما أشار إليه في حديث لاحق: «الشعر لا يلقن أسراره العميقة ولا يضع ناره المقدسة إلا في النفوس الواجدة وفي القلوب البريئة من التطلعات».. وهل هناك أنقى من قلوب الهواه ليهديهم الشعر بناره المقدسة؟

سيرة الحب

تواصل عبلة الرويني في كتابها «سيرة أمل دنقل .. الجنوبي» سرد رحلتها مع شاعرها فتشير إلى أن أمل دنقل لم يكن مغرماً بالنثر كثيراً، ولم يكن مغرماً بكتابة الخطابات العاطفية، لكنه أمام عدم قدرته الدائمة على الإفصاح عن مشاعره بشكل صريح راح يكتب لها:

«صباح الخير .. في المثلث الممتد من الشباك إلى زاوية سريري أراك متمددة في الذرات الذهبية والزرقاء والبنفسجية التي لا تستقر على حال، تماماً كنفسيتك ومع ذلك ابتسم لك وأقول صباح الخير أيتها المجنونة الصغيرة التي تريد أن تلف الدنيا على أصبعها، والتي تمشي فوق الماء وتريد ألا تبتل قدماها الفضيتان!».

الشاعر الذي كان يغزل بكلماته أبداع قصائد الشعر لم يكن يجيد عبارات الغزل والإطراء، كان أقصى ما يستطيع التعبير عنه شفاهيا لمحبوبته يقتصر على جملة واحدة: «وجهك رومانتيكي».. كان الشاعر قليل الإفصاح عن مشاعره وأحساسيه وحين تعجزه الكلمات الشفاهية يعود لرفاق رحلته في الحياة –الورقة والقلم- ربما كي يتمكن من سرد تفسير ما يشفع له لدى محبوبته: «إنني لا أعتقد أن الشاعر في قلبي تقاسم الكينونة مع القاتل في أعماقي، لقد قتلت عبر سنوات العذاب كل أمل ينمو بداخلي، قتلت حتى الرغبات الصغيرة، والضحك الطيب، لأنني كنت أدرك دائما أنه غير مسموح لي بأن أعيش طفولتي، كما أنه من غير المسموح به أن أعيش شبابي .. قد لا تعرفين أنني ظللت إلى عهد قريب أخجل من كوني شاعراً، لأن الشاعر يقترن في أذهان الناس بالرقة والنعومة وفجأة ها أنت تطلبين مني دفعة واحدة، أن أصير رقيقاً وهادئاً وناعماً يعرف كيف ينمق الكلمات».

الأصدقاء.. و مبارزات الديكة

كانت الصداقة لدى الشاعر تأخذ أشكالاً مختلفة يحكمها نوع ما من التوافق العقلي، والحوار المستمر، والمناقشات والمجادلات الطويلة.

حين حضر أمل دنقل للقاهرة كانت صداقته جزءاً من حركته الشعرية ومشوار إبداعه فيما عرف بكُتَّاب «جيل الستينيات» تصف الرويني حركتهم فتشير إلى أنهم كانوا يتحركون كمجموعة، يدخلون الندوات والأمسيات الأدبية كمجموعة، وكان من بين هؤلاء: «سيد خميس، محمد جاد، عز الدين نجيب، الدسوقي فهمي، عبد الرحمن الأبنودي».

أمل دنقل، يحيى الطاهر عبد الله

احتوت صداقاته على الكثير من المشاحنات الكلامية التي عبر عنها بوصفه: «مبارزات الديكة .. كانت هى التسلية الوحيدة .. في جلستي الوحيدة .. فوق غصون الشجر المشتبكة».

ربطته بأديب الجنوب يحيى الطاهر عبد الله صداقة قويه جعلته من أقرب البشر إلى قلبه، فأقام معه مدة شهر بفندق «الخليج» بشارع طلعت حرب، أسماه فيما بعد «شهر العذاب» فلم يكن يحيى يسمح لأمل بالهدوء لحظة واحدة، وفر كلاهما سريعا من هذا السكن، وكان يحيى في ثوراته الشديدة يلعن أمل، فإذا شاركه الآخرون في لعنه، يغضب منهم معلنا أنه الوحيد على هذه الأرض صاحب الحق في سب أمل دنقل.

حين أقام أمل دنقل في مستشفى العجوزة عند إجراءه الجراحة الأولى زاره يحيى الطاهر عبد الله وسأل الرويني في عصبية: «لماذا ينبغي أن يموت أمل، بينما يظل أولاد الكلاب أحياء».. ثم أخذ يبكي ولم يأت لزيارته مرة ثانية، وفي العام التالي حين توفاه الله بحادث سيارة، رفض أمل الإشتراك في مراسم الغياب، وجلس يبكي قائلا: «إن يحيى خاص بي وحدي».

أمل دنقل قصيدة الجنوبي في رثاء يحيى الطاهر عبد الله

شاعر الرفض

تواصل عبلة الرويني رواية حديثها الأول مع أمل دنقل الذي شكل معالم رحلتهما معا فيما بعد فتطرح عليه تساؤلها: «كل معارض مرفوض .. فكيف تعيش كشاعر في جو من الرفض؟» .. ليجيبها: «أنا أعتبر أن الشعر يجب أن يكون في موقف المعارضة، حتى لو تحققت القيم التي يحلم بها الشاعر، لأن الشعر هو حلم بمستقبل أجمل».

كان موقفه السياسي دائما وأبدا مع المعارضة لكنه كان بذات الوقت ضد الأحزاب لكونها أحزاب، فهو ضد المؤسسات وحتى لو وجدت المؤسسة الثورية لصعب على أمل دنقل وفقا للرويني أن يندرج تحت مظلتها.

كانت هزيمة يونيو 1967 بداية لمرحلة جديدة من حياة أمل دنقل فلم تمض أيامها الأولى إلا وهو ينشد قصيدة «زرقاء اليمامة» التي كانت عنوان أهم دواوينه «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» الذي أتي يحمل ديباجة ينشد فيها: «آه .. ما أقسى الجدار .. عندما ينهض في وجه الشروق .. ربما ننفق كل العمر .. كي نثقب ثغره .. ليمر النور للأجيال مره! .. ربما لو لم يكن هذا الجدار .. ما عرفنا قيمة الضوء الطليق!»

د. سيد البحراوي وكتابه «في البحث عن لؤلؤة المستحيل»

حقق أمل دنقل بقصائدة المناهضة لهزيمة 1967 شهرة واسعة إلا أن خلافه مع  مواقف للنظام  الناصري لم يمنعه من أن يرى في مشروعه أنه مشروع الحلم الوطني وأنه حين كان ينتقده إنما كان يبغي «أن يكون أكثر جذرية» وفقا لما أشار به في حديث له أجراه معه الراحل دكتور سيد البحراوي ونشر كملحق بكتابه في فهم شعر امل الذي نشر بعنوان «في البحث عن لؤلؤة المستحيل» وحين توفي جمال عبد الناصر ألقى أمل دنقل بحفل تأبينه قصيدة رثاء محبة ألقاها بصوت يسكنه حزن دفين: «والتين والزيتون .. وطور سنين، وهذا البلد المحزون .. لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين من سبتمبر الحزين .. رأيت في هتاف شعبي الجريح .. رأيت خلف الصورة .. وجهك يا منصورة .. وجه لويس التاسع المأسور في يدي صبيح .. رأيت في صبيحة الأول من تشرين .. جندك يا حطين .. يبكون .. لا يدرون .. أن كل واحد من الماشين .. فيه صلاح الدين».

ثم تأتي كامب ديفيد فينظم أنشودته الخالد: «لا تصالح! .. ولو منحوك الذهب .. أتُرى حين أفقا عينيك، .. ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. هل تَرى؟ .. هى أشياء لا تُشترى» .. تلك الأنشودة التي مازال بعض شباب العالم العربي يتخذ منها شعارا له ولكن هل تجدي القصيدة مع ما يشهده العالم العربي من واقع مؤلم مرير؟! .. ربما.

هل كان أمل دنقل ملحداً؟

اتهم البعض أمل دنقل بالإلحاد بعد كتابته لقصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة».. تلك القصيدة التي تدعو إلى التمرد ضد الطغيان وتمجد دور شخصية «سبارتاكوس» ذلك العبد الذي استل سيفه في وجه العبودية وفي وجه قيصر روما وكان مطلع القصيدة: «المجد للشيطان معبود الرياح .. من قال لا في وجه من قالوا نعم .. من علم الإنسان تمزيق العدم .. من قال لا .. فلم يمت .. وظل روحا أبدية الألم!».

تلك القصيدة التي تناولها بالتحليل الدكتور عبد العزيز المقالح الشاعر والاكاديمي اليمني المعروف خلال تقديمه للأعمال الكاملة لأمل دنقل مشيرا إلى أن المجد هنا، ليس للشيطان «أبليس» ولكنه للشيطان «سبارتاكوس» ذلك العبد الشجاع الذي اشتاقت نفسه للحرية فقال لا في وجه القيصر وكانت النتيجة أن خلد التاريخ اسمه وظلت روحه تغرس الشجاعة في نفوس الضعفاء والمستضعفين على مر العصور.

الدكتور عبد العزيز المقالح

تروي عبلة الرويني عن منابع ثقافة أمل دنقل وكيف أنه تأثر بمكتبة والده -عالم الأزهر، الشاعر- ما جعله يتجه مبكرا نحو قراءة كتب الشريعة والفقه والتفسير إلى جانب كتب التراث والشعر القديم، حتى أنه أصبح  وهو لم يزل صبيا إماما للمصلين بالمسجد يلقي خطبة الجمعة ويشارك في حضور مختلف الإحتفالات الدينية.

في الخامسة عشر من عمره .. اشترى من إحدى مكتبات مدينة قنا كتابين: «الفتوحات المكية» و«ألف ليلة وليلة» ما أدهش صديقه: «ابن عربي .. وألف ليلة .. كتاب ديني وكتاب جنسي؟!».. غير أن أمل دنقل لم ير في «ألف ليلة وليلة» كتابا إباحيا كما رأى صديقه، فقط رأى فيه كتابا تأسيسيا هاما لا يمكن أن يفوت فرصه اقتناءه.

في صباه المبكر حفظ ألف بيت من الشعر القديم –من أجل أن يكون شاعراً- كما نصحه مدرس اللغة العربية بالمدرسة، تروي الرويني عن أمل دنقل أنه كان مغرماً بأهدائها كتب الشعر، أغلى ما يمكن أن يهديه حيث أهداها طبعة أنيقة للغاية بالأوفست، مجلدة بالحرير من الموشحات الأندلسية، مؤكداً أنه هكذا يجب نشر الشعر، كما أهداها الأعمال الكاملة لبدر شاكر السياب، ولسعدي يوسف.

وتظل الكتب المقدسة القرأن الكريم، وكتابي العهد القديم، والعهد الجديد أهم ثلاثة كتب في ثقافة أمل دنقل من وجهة نظر عبلة الرويني فكيف والأمر هكذا أن يتهمه أحد بالإلحاد!.

عالم دنقل الشعري

تبحر عبلة الرويني في عالم أشعار أمل دنقل فتشير إلى أن ديوان «العهد الآتي» يعد من وجهة نظرها أنضج أعماله الشعرية فكراً ولغة ووجدانا حيث أنه حدد فيه بوضوح موقفه ورؤيته لهذا العالم كما حدد مفهوم ومنطلقات الثورة لديه.

كانت القصيدة لدى أمل دنقل تجربة متجددة ومستمرة يخوضها منفردا بذاته والقصيدة الوحيدة التي حاول أن يشارك محبوبته في التفكير فيها كانت قصيدة «الأحجار» تلك القصيدة التي لم يكتب لها أن تكتمل:

«تكلمي أيتها الأحجار .. إدلي بما في قلبك الصامت من أسرار .. وحدك أنت الأزل .. لا يسدل النسيان فوقها ستائره .. ولا يصدها افتراق الليل والنهار» .. كانت القصيدة كما شرحها أشبه بحوارية متتالية بين أكباش معبد الكرنك، إنها الأحجار حين تصبح حضارة، إنها العودة مرة أخرى للجنوب بعد قصيدته «الجنوبي» التي كتبها في رثاء صديقه يحيي الطاهر عبد الله .. إنها العودة إلى البدايات إلى صعيد مصر لتكون النهاية.

وهي [الجنوبي] عنوان قصيدته ليحيي الطاهر عبد الله وعنوان كتاب حبيبته وزوجته عبلة الرويني عنه أصبحت أيضا جزءا من عنوان القصيدة المعروفة للشاعر محمود درويش عن أمل ومكانته الكبيرة في الشعر العربي «بيت من الشعر.. بيت الجنوبي»

قصيدة محمود درويش عن أمل دنقل

ولد أمل دنقل في 23 يونيو سنة 1940 وودع الحياة بعد رحلة طويلة مع المرض اللعين في 21 مايو سنة 1983 بعد أن تمكن – في عمر قصير – من أن يصوغ عبر أشعاره هموم شعب مصر وشعوب الأمة العربية ليترك للأجيال التالية بوصلة ربما تمنحهم «أجازة فوق شاطىء البحر» أو تقول لهم «لا وقت للبكاء» أو تقودهم نحو طريق «البحث عن لؤلؤة المستحيل»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: