منوعات

‎الشيخ الأمير محمد صالح.. نموذج للصوفية الفاعلة

‎يعد الشيخ الأمير محمد صالح، مثالا للمتصوف الفاعل او العامل الذي يرى أن عزلته تكون بين الناس وليس هجرهم، وفي قضاء حوائجهم وليس الانغلاق علي الذات.

‎هو نموذج حي للإنسان الذي يبادر بالعمل والتصدي لمشاريع كبرى، هي مشاريع دولة بالأساس لا أفراد، لكن إن غاب دور الدولة لسبب أو آخر يكون هو حاضر بأفكاره الخلاقة فقد قام الشيخ الأمير محمد صالح الذي ولد في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي ببناء أربعة مدارس، ومسجدين بخلاف عشرات الكتاتيب وأفعال الخير التي لا حصر لها، بالإضافة إلى جمال صوته في ترتيل القرآن الكريم الذي كان يأسر القلوب وقد أتاح له الصوت الشجي الذي منحته إياه السماء أن يقدم به في الإذاعة المصرية، إلا أنه لم يكمل الطريق الذي يفتح له مجال شهرة تطوف الأفاق كما فتحها لصديقه الشيخ عبدالباسط عبدالصمد الذي نصحه كثيرًا بأن يشاركه طريقه إلا أن الشيخ كان قد اختار لنفسه طريقًا آخر هاطريقه خدمة الناس.

‎حياته تحيلنا إلى تلك النصيحة التي نصحها الإمام عبد السلام بن مشيش، لتلميذه أبو الحسن الشاذلي «الله الله، الناس الناس» نصيحة جامعة مانعة بحد قول المناطقة، فلا يكمل إيمان المتصوف وعلاقته بربه، ما لم تصلح علاقة المتصوف بالناس، فالتصوف علاقة خاصة بين العبد وربه لا يعلم عنها أحد شيئًا، وعلاقة بينه وبين الناس قائمة على الاحساس العميق بهم والعمل على كل ما ينفعهم في الدنيا والآخر.

‎مقولة ونصيحة تلخص حياة الشيخ الصوفي الأمير محمد صالح الذي يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «خيرُ الناسِ أنفعُهم للناسِ»، وقد كان محبًا لسيرة آل البيت والأولياء الصالحين خاصة، شيخه أبو الحسن الشاذلي الذي كان يقوم بزيارة سنوية إلى صحراء عيذاب حيث يقع جبل حميثرى ومقام الشيخ أبو الحسن الشاذلي ولم تكن في شهر ذي حجة حيث توفي القطب، وإنما في شهر محرم حيث مولده، على عكس ما اعتاد الكثيرون أن يحتفلوا بالشيخ العارف

‎الشيخ الأمير محمد صالح

‎ولد الشيخ الأمير محمد صالح في نهاية العشرينيات بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر، في قرية الحميدات شرق بمدينة إسنا، على بعد 40 كليو متر عن مدينة الأقصر، لأسرة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صل الله عليه وسلم.

ولكن لايمكن الإلمام بمسيرة الشيخ الأمير دون الرجوع إلى ماغرسه فيه أستاذه الشيخ محمد سليم.

مدرسة الشيخ محمد سليم حمادة

‎وفي قرية أصفون افتتح الشيخ محمد سليم كٌتابه، وقد كان الشيخ سليم كما يصفه من شاهدوه عظيم البنية، أبيض ذو بياض مشرب بحمرة، يتمتع بالكثير من صفات الحسنة منها الكرم الشديد ومما يروى عن الشيخ محمد سليم، أنه كان له ابنًا يدعى «علي» وكان هذا الولد من الدراويش المجذوبين، ويسير عاريا في الشوارع، وهو ما كان يغضب مولانا الشيخ، وذات يوم اعتدى عليه بالضرب كي يتوقف الابن عما يفعل، إلا أن الكوابيس ظلت تراود الشيخ في صحوه ومنامه بعد أن ضرب ابنه، فكلما أغمض له جفن، رأى فم ابنه وهو‎القرآن في كتاب شيخ  صاحب مدرسة كبيرة  كانت ذا أثر كبير في القراءة المصرية وتخرج منها كبار القراء المصريين منهم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد و الشيخ بدالعظيم العطوني، وشيخنا الامير وغيرهم، إنها مدرسة الشيخ محمد سليم حمادة ذائع الصيت وقتها، الذي عرف بإجادته للقراءات السبع للقرآن الكريم، وعذوبة صوته، المعروف أيضًا بالكرم الشديد وطيب الأصل، وقد قَدم الشيخ «محمد سليم» من مركز المنشاة محافظة سوهاج إلى مدينة «إسنا» في بداية القرن الماضي، واستقر في قرية «أصفون» وهي على الضفة الغربية من النيل، وتواجه قرية الحميدات شرق التي منها الشيخ الأمير صالح.

 يتسع ما بين السماء والأرض يريد أن يلتهمه، وكان في أوقات أخرى يرى كلاب ضخمة متوحشة تريد أن تلتهمه، وشاهد في حلمه أن شيخًا يدعى «خلف» يبعد عنه تلك الكلاب المسعورة، وبعدها بأيام دعي الشيخ إلى حفلة يحييها بالقرآن الكريم في قرية العوينات في مركز «أدفو» التابع لمحافظة أسوان، وهناك قيل له أن هناك شيخًا يدعى «خلف» من الدراويش يريد أن يأكل معه، فرحب الشيخ بذلك، فإذا به الشخص نفسه الذي أنقذه كل مرة في الحلم من الكلاب التي تريد أن تلتهمه، وحين رآها الشيخ خلف صاح في الشيخ محمد سليم «أنت تضرب علي، أنت تضرب علي… أنا اللي حوشت عنك الكلاب إللي كانت هتاكلك» فاعتذر له الشيخ وقال بأنه لن يمد يده على ابنه مرة أخرى. وتعجب من الحلم الذي تحول إلى واقع.

سورة الإخلاص بصوت الشيخ الأمير محمد صالح

‎وما يروى عن الشيخ  سليم أيضًا أنه ذات مرة وهو في القطار راي أحد تلاميذه الذين حفظهم القرآن ويتميزون بجمال الصوت، يتسول به، فانهال عليه ضربًا في القطار على مرأى الجميع، محذرًا إياه من فعل ذلك، فائلا له القرآن لم يخلق كي يتسول به، فهو الذي رفع أقوامًا لا يجوز أبدًا أن يكون وسيلة شحاذة، وهو ما كان وقد أصبح هذا التلميذ واحدا من أكبر القراء في أسوان وما زال حيًا.

الشيخ الأمير التلميذ النجيب

‎في هذا الكٌتاب حفظ الشيخ الأمير القرآن كاملًا. في كل صباح كانت أمه المرأة المصرية الأصيلة، تحمل ابنها «الأمير» كي يذهب إلى كٌتاب الشيخ محمد سليم كي يحفظ القرآن الكريم، كانت تسلمه إلى المراكبي الذي سينقله إلى الضفة الغربية من النيل حيث الكُتاب، برغيف من عيش البتاو أو بيض فالعملة كانت نادرة وقتها أجرة على نقله لعبور مياه النيل، ويحكي الشيخ أنه في أيام كأي طفل كان يرفض أحيانًا الذهاب إلى الكُتاب، فكانت تحايله أمه الحريصة على تعليم ابنها كي يذهب ومن بين هذه الحيل، أنها كانت تتصنع أنها خرساء بتقليد حركاتهم وبمثل هذه الحيل كانت تروض حرونه حتى حفظ القرآن الكريم وجوده وعرف قراءته السبع على يد الشيخ «محمد سليم».

عبد الباسط عبد الصمد واغراء الاذاعة والشهرة

‎عرف الشيخ الأمير بجمال صوته، وطول النفس في التلاوة، وحين ارتحل الشيخ عبدالباسط عبدالصمد إلى القاهرة، لكي يعتمد صوته كقارئ للقران في الإذاعة المصرية في بداية الخمسينيات طلب من صديقه الشيخ الأمير أن يسافر معه، وبالفعل سافر معه وقُبِل بالإذاعة إلا أن الشيخ رفض إكمال الطريق، وعاد كي يخدم أهل قريته دون صخب، وذلك لنزوعه إلى التصوف والحياة الهادئة والزهد في الدنيا.

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

ويبدو أن تلك النزعة قد زرعها الشيخ «محمد سليم» في تلاميذه فكذلك يؤثر عن الشيخ عبدالعظيم العطواني منشد البردة الذي طافت سمعته الأفاق انه رفض أن يغادر قريته في أسوان كي يأخذحقه من الشهرة في الإعلام المركزي في القاهرة، وظل في قريته بين أهله يحيي الليالي بالقرآن الكريم، وبإنشاد البردة.

‎ ذلك العرض تكرر من الشيخ عبدالباسط على زميله في الكتاب الشيخ الأمير كي يقرأ في الإذاعة من القاهرة، بعد طافت سمعته الآفاق في الوطن العربي، إلا أن الشيخ الأمير كرر الرفض قانعًا بحياته وخدمة أهل قريته، وما يجاورها من قرى، يحفظ الأبناء القرآن، ويتلوه في الليالي التي يدعى إليها كي يشجيهم بصوته العذب.

سورة الماعون بصوت الشيخ الأمير محمد صالح

التعليم اهم من توصيل الكهرباء

‎في تلك القرية الواقعة ما بين الجبل ونهر النيل على ضفته الشرقية، قرية فقيرة مهملة، لم تدخلها الكهرباء إلى عام 1986، كان الشاب المتصوف وقتها الشيخ الأمير محمد صالح يوقن أن دخول التعليم للقرية أهم من الكهرباء، ولأنه يعلم أنه ليس لهذه القرية من صوت ينادي فيصل صوته للمسئولين كي يبنوا مدارس في هذه القرية، بدأ المتصوف في ستينيات القرن المنصرم يفكر في بناء مدرسة وهو ما زال في نهاية العشرينيات بداية الثلاثينيات من عمره، مدرسة تكفل التعليم لأبناء القرية بدلا من المسافة الكبيرة بين أقرب مدرسة للقرية، مما كان سببًا كافيًا لعكوف الأباء والأبناء عن التعليم.

‎كانت ملحمة عظيمة في بناءها، في الأرض الخلاء التي أمام منزله، يبدأ الشيخ في التخطيط لبناء مدرسة مكونة من ستة فصول على غرار المدرسة التي بناها شيخه محمد سليم في أصفون، بالحمير يجلب الشيخ المياه من نهر النيل، تعاونه في ذلك زوجته وآل بيته، والكثير من أهالي القرية.

‎أما عن الحوائط فيجمع الشيخ حجارتها من كل مكان، ويضع فيها كل ما يجد وهو يبنيها بنفسه، وحين يأني موعد الكتُاب الذي فتحه لم يكن يترك البناء والخدمة في المدرسة، يسمع للأطفال اللوح، أو يقرئهم القرآن، ويصحح لهم أخطاءهم وهو يبني في حوائط المدرسة، بينما هم يساعدونه بإعطائه الطوب والأحجار وكل ما يسهم في ارتفاع بنيان المدرسة، في مشهد ملحمي مؤثر.

‎أما عن السقف فكان الشيخ يجمع ما يجده في جذوع النخيل وحطب الأثل كي يسطح به الفصول، حتى أكمل سقفها في النهاية بجريد النخل، أما عن الأبواب الفصول فما كان يجده في هذه البيئة الفقيرة كان يعده كي يصلح بابًا أو مقعدًا يجلس عليه الطلاب، ينجرها بنفسه حيانًا ويساعده آخرون، حتى تم بناء المدرسة في عام 1967، مكونة من 6 فصول متقابلة يفصل بينها طرقة باتساع ثمانية أمتار لتكون أول مدرسة في قرية الحميدات شرق بنيت بالمجهودات الذاتية، وحتى عام 2000 ستظل تتوسع هذه المدرسة بهيئتها الطينية البسيطة حتى يزيد عدد فصولها عن العشرين فصلًا، وتعمل لفترتين الفترة الصباحية والفترة المسائية كي تستوعب طلاب القرية.

‎إلا أن تم بناء مدرسة أخرى من قبل الحكومة في 2000 وتم فيها نقل الطلاب بعد أن أصبحت مدرسة الشيخ الأمير الابتدائية أيلة للسقوط معرضة أرواح الأطفال للخطر، وفي 2003 كان تم إعادة بناءها بمنحة ألمانية ليعود إليها الطلاب مرة أخرى.

‎ومن العجيب هنا أن الشيخ المتواضع الذي رفض الشهرة في القاهرة، سيرضى بالتعيين كعامل في المدرسة التي بناها بنفسه.

ثلاثة مدارس أخرى

‎حين أتم الشيخ الأمير محمد صالح بناء المدرسة طلب منه شيخه الشيخ سليم أن يجعل هذه المدرسة تحت مظلة الأزهر، إلا أن الشيخ الأمير  أرجأ طلب شيخه لحين، ليبدأ في التسعينيات بناء ثلاثة معاهد أزهرية، معهد أزهري ابتدائي بنين وبنات، ومعهد أزهري إعدادي وثانوي بنات، ومعهد أزهري إعدادي وثانوي بنين. وذلك تنفيذا لوصية شيخه، ثلاثة مدارس بناها الشيخ الصوفي المؤمن بأهمية التعليم، والساعي لإراحة أهل قريته والقرى المحيطة بها، الذين كانوا يرتحلون إلى مسافات تقدر بعشرات الكيلو مترات من أجل تعليم أبناءهم، وخاصة وأن بعضا من أهالي الجنوب مازالوا يحبون أن يعلموا أبناءهم تعليمًا أزهريًا ويفضلونه على التعليم العام، وبذلك أصبحت قرية الشيخ تستقبل المئات من الطلاب الراغبين في التعليم الأزهري.

كٌتاب الشيخ، ومسجدين

‎ يعد كٌتاب الشيخ الأمير واحد من أكبر الكتاتيب في جنوب مصر، يضم داخله عشرات المشايخ الذين حفظوا القرآن على يد الشيخ، والمئات من أطفال القرية الراغبين في حفظ القرآن الكريم، تلك الكتاتيب التي افتتحها الشيخ الأمير لعبت دورا كبيرا حتي  انه لم يعد هناك بيت من أهالي القرية إلا وفيه شخص يحفظ القرآن الكريم كاملًا. كما حرص الشيخ على بناء مسجد كان الثاني في القرية بعد مسجدها العتيق وقد بناه بالطريقة نفسها التي بنى بها المدرسة الابتدائية في 1967. وبالقرب من مدرسته الابتدائية، وبعد بنائه الثلاثة مدارس الأزهرية بنى أيضًا مسجدًا بالقرب منها.

الخاتمة

‎قبل وفاته في  يناير 2010 كانت شهرة الشيخ الأمير محمد صالح قد طبقت الأفاق في صعيد مصر ووصلت الي القاهرة سمعته الطيبة، فقد كانت يأتي إلى بابه الكثير من المسئولين طالبين منه الدعاء لهم، والتبرك برجل صوفي صالح عرف بالتقوى والورع والزهد، ولم يستخدم تلك العلاقات النافذة مع رجالات الدولة  لنفسه أبدًا، إلا فيما يخدم مصالح الناس الذين كانوا شاغله الأول.

‎ فقد كان الرجل نموذجا للمتصوف الزاهد الذي يرى أن عزلته إنما تكون بين الناس، ومما يحكي عن زهده في المال أن كل ما كان يقال عن بركاته في شفاء الناس بالقرآن الكريم فانه لم يؤثر عنه أن تقاضى عن ذلك أجرًا من مقتدر أو غير مقتدر أبدا. فكان ينهر من يمد اليه المال، ويطالبه بأن يتصدق بها على الفقراء والمحتاجين، فقد كان رحمه الله نموذجًا للإنسان الفاعل المحرض على الخير في مجتمعه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: