رؤى

الحنابلة.. بين التعصب ونفي قبول الآخر

من هم الحنابلة؟         

تمثل الحنبلية نسق منهجي في العقيدة والفقه نبع من أعمال وتصورات الإمام أحمد بن حنبل، فهم في العقيدة يؤمنون بظاهر النص في أصول الاعتقاد، وفى الفقه هو اتجاه فقهي يؤمن بالمروي والحديث في تأصيل الأحكام، حيث كان إمامهم أحمد ابن حنبل من المحدثين أكثر منه من الفقهاء. وكان الإمام أحمد يقول من عَظم أصحاب الحديث عُظم في عين رسول الله، ومن حَقرهم فقد حُقر وسقط من عين رسول الله لأن أصحاب الحديث أحبار رسول الله. وكان يقول: من مات على السنة مات على الخير كله، ومن رد حديث لرسول الله فهو علي شفا هلكة، ولذا فإن أتباع مذهب الحنابلة من دعاة الحديث والمروي وهم يُكرهون الأخذ بالرأي والاجتهاد. حيث كان الإمام يمنع كتابة فتواه خشية أن يفني الفقه الناس عن الأصول المروية من الكتاب والسنة واجتهادات الصحابة.

     ونتيجة لتشددهم في الأخذ بالسنة والمروي اتسم توجه الحنابلة بالنزعة الطهورية والوسوسة في مسائل الطهارة والتشدد فيها حيث انفرد الحنابلة دون غيرهم من مذاهب السنة في وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، ورأوا أن من أكل لحم الإبل لابد أن يتوضأ مدعين أن ذلك نقلاً عن الرسول نفسه.

المذهب الحنبلي صناعة واقع الأزمة

      تخلق المذهب الحنبلي في ظل الأزمة والصراع بين العرب والفرس في عهد الدولة العباسية، حيث اعتلى الفرس قطاعا كبيرا من مناصب الإدارة في هذه الدولة، وكان هذا مدعاة لظهور حركة (الشعوبية) التي تقوم على الصراع العرقي والثقافي، وفى ظل الصراع بين الأمين والمأمون على الحكم، حيث وقف العرب بجوار الأمين، وساند الفرس المأمون، وفى ظل الصراع بين أهل الرأي وأهل الحديث.

وقد كانت لمحنة الإمام أحمد بن حنبل اليد الطولي في ترسيم المذهب الحنبلي والحنبلية كمذهب في الفقه والعقيدة. هذه المحنة التي عرفت بمحنة خلق القرآن، والتي نشأت بعد اعتناق الخليفة العباسي المأمون لفكرة أن القرآن مخلوق وليس قديما أى ليس موجودا منذ الأزل، وإصراره على تسليم الجميع بهذا الاعتقاد، لدرجة أنه قتل وجلد وعذب من رفض مجاراته من الفقهاء وأهل الحديث، وكان منهم الإمام أحمد بن حنبل الذي أصر على الاكتفاء بالقول بأن «القرآن كلام الله» وأن سؤال هل القرآن مخلوق أم قديم هو من علم الله، ومن قــال إن علم الله حــادث فقد كفر، وهو الموقف الذي تسبب في جلد ابن حنبل وتحديد إقامته. وقد تسبب حزن أنصار ابن حنبل عليه في رد الفعل العنيف الذي مارسه الحنابلة ضد من يخالفوهم سواء كانوا من المعتزلة أو الجهمية أو الشيعة طوال التاريخ الإسلامي.

صناعة الأساطير حول إمامهم

         ومنذ تلك المحنة نسج الحنابلة الأساطير حول شيخهم فيقول ابن الجوزي في كتابه (مناقب أحمد بن حنبل) لولا الإمام أحمد بن حنبل وبذله نفسه لما بذلها لذهب الإسلام [والله عز وجل يقول انه وليس عبدا من عباده هو من يحفظ دينه وقرآنه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. (سورة الحجر آيه 9) وقالوا (أن الإمام أحمد قام مقام الأنبياء) والرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم هو خاتم النبيين والمرسلين ولايقوم احد مقامه وقالوا (ان من عاب الإمام أحمد بن حنبل فاسق) وهوبشر وكما اتفق الفقه الاسلامي فان كلا يوخذ منه ويرد الا المعصوم نبينا.

ووصلت المبالغة أقصاها بأحد أتباع المذهب وهو اإسماعيل بن عباس ليقول (لولا أحمد لكفر الناس)!! والله يختص بهدايته من يشاء. ونسبوا للإمام أحمد معجزات الأنبياء فقالوا أن (الإمام أمسك الكير فخرج ذهبة حمراء)!! ويقول ابن الجوزي (وقع المأتم والنواح في أربعة أصناف يوم مات أحمد بن حنبل في المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس)

وبمثل هذه المبالغات الأسطورية نسج أتباع الإمام حوله هالة كبيرة. 

الحنابلة ليسوا سواء

     وينقسم الحنابلة إلى ثلاث مستويات:

-فمنهم الزهاد والعباد من أمثال الأنصاري الهروي، وعبد القادر الجيلاني، وكان هؤلاء الحنابلة يرفضون الخوض في علم الكلام، وكانت تلك الشريحة هي الأكثر تسامحاً وكان لنزوعهم للتصوف دورا كبيراً في هذا.

-ومنهم ثانياً العلماء من أمثال أبو الفرج بن الجوزي، وابن تيمية، وابن القيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي وغيرهم من طبقات العلماء والفقهاء، والذين رسخوا في اجتهاداتهم الفقهية لإقصاء الآخر المغاير في الدين والمذهب وتدوين فتاوى التكفير، وكان لكتاباتهم دوراً كبيرا في ترسيخ المذهب الحنبلي عقائدياً وفقهياً.

-ومنهم ثالثاً العوام الحشوية، وهم المطوعين الذين يقومون على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم أشد أنواع الحنابلة تعصباً، وهم من أثاروا القلاقل في فترات مختلفة من التاريخ الإسلامي.

مسند الإمام أحمد

عنف عوام الحنابلة (المطوعين) هو الأخطر

      وقد اتسم الموقف الحنبلي من السلطة السياسية بالطاعة وعدم الرغبة في الصدام، فلا ينصح الحنابلة بالصدام مع الإمام ولو كان جائرا، وذلك لأن سيوف السلاطين وعصاهم تسبق كلامهم، كما أن الإنكار على السلاطين قد يؤدي إلى هلكة الأهل والجيران. كذلك رفض الحنابلة واستبعدوا مسألة الخروج على السلطان ولو [جلد ظهرك، وأكل أموالك].

وعلى الرغم من مهادنة الحنابلة للسلاطين إلا أن عوام الحنابلة كانوا يتدخلون في إثارة القلاقل في العمل في مجال الحسبة والمطوعة، ففي عام 309هـ قام رجل حنبلي يسمى البربهاري وأتباعه في قمع المبتدعة فإن وجدوا نبيذا أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا على مشى الرجال مع النساء، وكانوا يهاجمون بعنف خصومهم من الشافعية، وكان الحنابلة من مثيري الشغب، وكانت السلطة تقبض على البعض منهم  لإعادة الهدوء والامن.

      ولما توفى العالم الشهير [أبو جعفر الطبري] تم دفنه ليلا لأن عوام الحنابلة من المتعصبين اجتمعوا ومنعوا دفنه، وادعوا عليه الرفض والتشيع، وكذلك في القرنين الرابع والخامس كان هناك صراع بين الحنابلة والشيعة نتج عن التعصب المذهبي من قبل الحنابلة الذين كانوا يهددون بنبش قبر الحسين سبط رسول الله فما كان من الشيعة إلا أن هددوهم بنبش قبر الإمام أحمد بن حنبل فرجعوا عن ذلك.

      وإذا كان سلوك العوام من الحنابلة قد اتسم بالعنف في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن فقهاء الحنابلة هم من أصلوا لإقصاء الآخر وتكفيره، حيث كفر الإمام أحمد بن حنبل من يقول بخلق القرآن، وذهب إلى القول: «إن الجهمية كفار، فبلغوا نسائهم أنهم طوالق لا يحل الزواج منهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، ولا يناكحون، ولا يصلي خلفهم».

      وروج أتباع الحنابلة من الفقهاء إلى أنفسهم علي أنهم الجماعة المنصورة، وأتباع السلف، وأنهم خير أهل الدنيا وخير الناس، في حين أن ما عداهم من الفرق الكلامية والعقائدية هم أهل بدع وأهواء، وأصحاب الزيغ، وهم مخالفون لآثار السلف، كما أن نفوسهم شهوانية ويرضون أهواءهم.

     وكان لفقهاء ومنظري الحنابلة من أمثال ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب [مؤسس الوهابية] الدور البارز في ترسيخ العنف الرمزي في تكفير الآخرين المغايرين لهم في الاعتقاد، حيث تجد في كتبهم الهجوم الضاري على مذاهب أهل الإسلام المغايرة لهم مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، وانتشار الفتاوي التي [تبيح دم] بعض الشرائح منهم، كذلك تجد في كتبهم الترسيخ البارز لما يسمي بفقه وأحكام أهل الذمة، وفى هذا الفقه تمت صناعة التمايز للجماعة المسلمة ضد أصحاب الأديان الكتابية.

محمد بن عبد الوهاب [مؤسس الوهابية] وأحد منظري الحنابلة

    ويمكن القول أن المذهب الحنبلي رغم قلة أتباعه، فإنه قد تخلق في زمن محنة خلق القرآن، كما أن فقهه قد تطور وكتاباته انتشرت في أزمنة الانحلال والأزمة دون غيرها، حيث ازدهرت أعمال ابن تيمية وابن القيم في فترات غزو المغول والصليبين. في فترات المحن والأزمات كان الحنابلة يخرجون بدعوتهم انطلاقا من ضرورة الحفاظ على الأصول الإسلامية والعمل بها، وهى الكتاب والسنة، وضرورة الاقتداء بالسلف الصالح قبل بزوغ الخلاف بين المسلمين، وفى كل الأحوال تتسم افكارهم وممارستهم بالتشدد والعنف مع المغاير لهم والمختلف عنهم.                 

 وهي بيئة فكرية ونفسية ساهمت مع عوامل اخري في نشوء جماعات الاسلام السياسي العنيفة التي ملات الدنيا قتلا ودماءا.

الوسوم

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. هذا المقال به الكثير من المغالطات العلمية الفجة وبه الكثير من الازدراء للمذهب الحنفى كما ان هناك سطحية فى عرض القضية المذهبية ومحاولة الصاقها بالمذهب الوهابي وهو امر منافى للواقع ولا اعلم كيف يسمح لغير المتخصصين من اهل الفقه وعلماء الدين بالافتاء فيما لا يعلمون !!!!!!!

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: