ثقافة

في ذكري عاشقة الشعر والليل والعروبة «نازك الملائكة»

تمر هذه الأيام ذكرى رحيل الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة دون احتفال يليق بمكانتها الأدبية ودورها الكبير فى تطوير مسيرة الشعر العربى وريادتها لما يعرف بقصيدة الشعر الحر مع رفقائها العراقيين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتى وبلند الحيدرى وشاذل طاقة. وإذا كانت الصفة البارزة لنازك الملائكة أنها «عاشقة الليل» وهو عنوان ديوانها الأول فإنها كانت أيضا – وقبل ذلك – «عاشقة مصر» نظرا لنزعتها القومية العروبية وحبها للزعيم جمال عبد الناصر الذى ساند ودعم حركات التحرر الوطنى فى العالم العربى، ويكفى أنها كتبت قصيدتها الشهيرة «الكوليرا» التى غيرت وجه الشعر العربى وأسست للشعر الحر، متجاوبة ومتألمة من هذا الوباء الذى وقع فى مصر عام 1947. ويلاحظ أن القصيدة كتبت على بحر المتدارك بإيقاعه السريع اللاهث والذى حاولت الشاعرة من خلاله التعبير عن وقع أرجل الخيل التى تجر عربات الموتى من ضحايا المرض فى أنحاء الريف المصرى. تقول نازك: «سكن الليل / أصغ إلى وقع صدى الأنات / فى عمق الظلمة تحت الصمت على الأموات / صرخات تعلو تضطرب / حزن يتدفق يلتهب / يتعثر فيه صدى الآهات / فى كل فؤاد غليان / فى الكوخ الساكن أحزان / فى كل مكان روح تصرخ فى الظلمات».

الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» يلتقي الشاعرة العراقية «نازك الملائكة»

أسرة من الشعراء والكتاب

نشأت نازك الملائكة فى أسرة مثقفةن فقد كانت والدتها سلمى الملائكة شاعرة تنشر قصائدها فى المجلات والصحف العراقية باسم أدبى هو «أم نزار الملائكة»، فعلمت إبنتها أوزان الشعر منذ صباها وحببتها فى إيقاعاته ومعانيه ولغته، كما ترك والدها صادق الملائكة مجموعة من المؤلفات أهمها موسوعة «دائرة معارف الناس» فى عشرين مجلدا واللافت حقا أنه اختار لإبنته اسم نازك تيمنا بالثائرة السورية نازك العابد التى قادت الثوار السوريين فى مواجهة جيش الاحتلال الفرنسى فى العام الذى ولدت فيه شاعرتنا، كما كان خالاها: جميل الملائكة وعبد الصاحب الملائكة شاعرين معروفين، وخال أمها محمد مهدى كبة شاعر وله ترجمة رباعيات الخيام نظما. فى هذه الأجواء نشأت الشاعرة نازك الملائكة مما كان له أثر كبير فى شعرها وثقافتها.

ثقافة واسعة

لاشك أن تنوع دراسات نازك الملائكة الأكاديمية واطلاعها الدائم فى مجالات المعرفة المختلفة كانا وراء ثقافتها الرفيعة الواسعة، فقد تخرجت فى دار المعلمين العالية عام 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة وتخرجت فى قسم الموسيقى عام 1949، كما حصلت على الماجستير فى الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن ماديسون فى أمريكا، وبناء على هذا عملت فى العديد من الجامعات مثل جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت. ونتيجة لهذه الثقافة الموسوعية فإن إبداع نازك الملائكة لم يقتصر إبداع شاعرتنا على هذا المنجز الشعرى الكبير الذى يمثل إحدى علامات الشعر الحديث، فهى ناقدة لاتقل أهمية عن كونها شاعرة بحكم دراساتها الأكاديمية وكان كتابها الشهير «قضايا الشعر الحديث» الذى أصدرته عام 1962 من أهم الكتب التى أسست لقصيدة الشعر الحر وقدمت فيه مبررات التحول عن الشكل العروضى الموروث ويظل كتابها «الصومعة والشرفة الحمراء» من أجمل الكتب التى تناولت عالم الشاعر المصرى الرومانسى على محمود طه كما استفادت من قراءاتها فى علم النفس وعلاقته بالشعر فى كتابها اللافت «سايكولوجية الشعر» واستفادتها من علم الاجتماع فى كتابها الذى قد يبدو غريبا عن اهتمامات شاعرة وناقدة أدبية حيث يحمل عنوان «التجزيئية فى المجتمع العربى» الذى كتب فى منتصف السبعينيات وكأنه يرثى انحسار المد القومى فى الخمسينيات والستينيات هذا المد القومى الذى آمنت به الشاعرة إيمانا قويا. لكن يبقى ابداعها الشعري هو الأبرز في منجزها الثقافي الاستثنائين حيث أصدرت سبعة دواوين هى: «عاشقة الليل» عام 1947و «شظايا ورماد» عام 1949 و«قرارة الموجة» عام 1957 و «شجرة القمر» عام 1968 و«ويغير البحر ألوانه» عام 1970 و«مأساة الحياة وأغنية الإنسان» عام 1977 و«الصلاة والثورة» عام 1978.

عاشقة مصر

لازلت أذكر هذه العبارة المؤثرة المؤلمة التى قالتها نازك الملائكة عندما سئلت عن حالتها فقالت «أنا مريضة كالعراق» وكان ذلك فى إثر الغزو الأمريكى للعراق وماترتب عليه من أوضاع كارثية وصراعات طائفية فى هذا الوطن العربى الشقيق، ولأن مصر هى الدولة القاعدة أو الدولة الأم فى وعى القوميين العرب الذين تأثرت بهم نازك الملائكة فقد كانت – أعنى مصر – مركز استقطاب لمعظم أدباء وكتاب العالم العربى وكانت نازك من أشهر الشاعرات – كما ذكرت سابقا – انتماء لمصر وحبا لها، ولاشك أن هذا مايفسر إقامتها الدائمة فى مصر منذ عام 1990 إلى وفاتها فى يونيو 2007 فى عزلة اختيارية بسبب معاناتها من الاكتئاب، وقد احتفل بها المجلس الأعلى للثقافة في مصر وحضر عنها زوجها كما نالت جائزة البابطين فى الشعر العربى.

 قصيدة (الكوليرا) التى نظمتها «نازك الملائكة» في حب مصر عام 1947 حين داهمها وباء الكوليرا

المزاج الرومانسى

على الرغم من ريادة نازك الملائكة للشعر الحر فإنها كانت أقرب إلى المذهب الرومانسى وبالتحديد شعراء جماعة أبوللو في مصر، فقد كانت عاشقة لإبراهيم ناجى ولعلى محمود طه الذي أفردت له دراسة متميزة. ويقال إنها دعيت مرة إلى إلقاء شعرها فى جمعية دار الأدباء المصرية وفوجئت بوجود محمود حسن إسماعيل، وعندما جاء دورها صعدت إلى المنصة وقالت «لاأستطيع أن أقول الشعر فى حضرة هذا الشاعر الكبير».

الشاعر محمود حسن إسماعيل

   وقد تبدى تأثرها بالرومانسية ايضا فى اختيارها لرمز الليل منذ ديوانها الأول وهو رمز أثير فى الشعر الرومانسى، فقد كان «ليل» جبران خليل جبران – كما يقول جابر عصفور فى كتابه «رؤى العالم – عن تأسيس الحداثة العربية فى الشعر» – «شبحا هائلا جميلا ينتصب بين الأرض والسماء متوجا بضوء القم، متشحا بثوب السكون، يحنو على الغرباء والمتوحدين حاملا قلوبهم وأرواحهم إلى عالم يخلو من قسوة النهار». وقد تبدى كل هذا فى ديوان نازك الأول الذى أشرنا إليه ويبدو أن عشق الشاعرة لليل يعكس عشقها للأجواء التى يخلو فيها الإنسان إلى نفسه مبتعدا عن انشغالات النهار اليومية العابرة وصراعاته التى لاتنتهى فى محاولة للاقتران بالأبدية الخالصة. ومن القصائد التى تمتدح فيها الليل قصيدة «إلى عينى الحزينتين» التى تقول فى بعض أبياتها «كم حالم من قبلنا فقد المنى / فقضى الحياة لوحده متجهما – يرعى الليالى مانحا ظلماتها / روحا مجنحة وقلبا ملهما» ويستمر رمز الليل فى ديوانها «قرارة الموجة» حين تقول «وما زال وجهك مثل الظلام له ألف معنى / كسته الظلال / جمال المحال / وقد يعتريه جمود الصنم / إذا رفع الليل كفيه عنا»، كما يتردد أيضا فى ديوانها «شظايا ورماد» حين تقول «إنى كالليل سكون، عمق، آفاق / إنى كالنجم غموض، بعد، إيراق». وفى هذا السياق يغدو الليل قريب الدلالة من رمز آخر وهو رمز «البحر» الذى كثر تصويره فى الشعر الرومانسى كما يبدو فى قول إبراهيم ناجى «قلت للبحر إذ وقفت مساء / كم أطلت الوقوف والإصغاء – وجعلت النسيم زادا لروحى / وشربت الظلال والأضواء». ويظهر اهتمام نازك الملائكة برمزية البحر ودلالته على الأبدية فى ديوانها الخامس الذى يشير عنوانه بوضوح إلى الليل وهو ديوان «ويغير البحر ألوانه»، كما ظهر هذا الاهتمام فى ترجمتها لقصيدة «البحر» لبايرون، وهو أحد رموز الرومانسية الأوروبية. رحم الله عاشقة مصر التى لم تضن عليها مصر بالحب والاحتواء والتقدير.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق