مختارات

محمود زقزوق والوجه الحضاري للإسلام

نقلا عن أهرام الجمعة 10/4/2020

«إن رَكب الحياة يواصل السير بلا انقطاع، وعجلة الزمن لا تتوقف عن الدوران، ولكن عقول كثيرٍ من القائمين على أمر الدِّين لم تعد قادرة على مُسايرة الزمن، ولا مؤهلة لفهم تطورات العصر». هذه العبارات ينبهنا بها الدكتور محمود حمدى زقزوق – رحمه الله- إلى مأزق الفكر الدينى حين يتوقف عن التقدم، وعن مُسايرة متغيرات الحياة التى لا تتوقف عن الحركة الصاعدة فى سُلم التقدم. وقضية التقدم كقضية الحضارة، هدفانِ أساسيانِ لفكر الدكتور محمود حمدى زقزوق، يكمنان وراء معالجته لتطوير هذا الفكر وتجديده على السواء. ولا يقتصر الأمر هنا على مجرد النقل فيما يتصل بحديث الرسول – عليه الصلاة والسلام – عن حتمية التجديد فى الفكر الدينى، وإنما عن حتمية الخروج من المأزق الحضارى الذى يقودنا إليه دعاة الجمود والجهل والتخلف، أولئك الذين يقودون مسيرتنا الدينية والاجتماعية والحضارية بوجهٍ عام. إن الوضع المتخلف الذى نعيش فيه هو وضع ناتج عن أننا استجبنا لهؤلاء الدعاة، وتخلينا عن المسؤولية الملقاة على عاتقنا نحو ديننا وأوطاننا. ولذلك فلا بد لنا من البحث عن سبيلٍ للخروج مما نحن فيه، والانتقال من المأزق الحضارى الراهن الذى يتوقف استمراره على استمرار سيطرة الفكر الدينى المتخلف الذى راح يمتد كالأخطبوط فى مجرى حياتنا وشريان مجتمعنا. والخطوة الأولى فى هذا السبيل هى: استبدال العقل بالنقل، واستبدال حيوية المُساءلة بخمول العقل المستكين للأجوبة؛ أقصد إلى العقل الذى أراح نفسه من البحث وأغلق على نفسه سُبل الاجتهاد، وحال بين طموحه والتقدم الواعد إلى الأمام، إلى حيث النهايات المفتوحة التى لا تحدها حدود فى صياغة مشروع «الإسلام الحضارى» الذى تتبنّاه – مثلًا – دولة ماليزيا بكل مؤسساتها.

والحق أننا يمكن أن نقترب من مفهوم الإسلام الحضارى عندما يعى الإنسان وضع المُحرك الأصلى لإنسانيته، ودوره الفاعل فى الوجود، وهو «العقل» الذى ينفتح بأفق الكائن على الكون الذى يعيش فيه أولًا، وعلى نفسه ثانيًّا، وعلى الآخرين الذين يعيشون حوله من بشر وكائنات حية وغير حية ثالثًا. وتنطوى هذه الأبعاد الثلاثة على علاقات الإنسان بالكون، وخالقه على السواء، وهو الله – سبحانه وتعالى – الذى خلق الإنسان فى أحسن تقويم، وهداه العقل لكى يكون حجة عليه، ودافعًا له على التقدم الذى لا ينتهى، سواءً فى علاقته بنفسه أو علاقته بغيره أو علاقته بالكون الذى يعيش فيه، والذى استخلفه الله عليه، كى لا يتوقف عن إصلاحه والتطور به والسيطرة عليه، وإعماره بكل ما يؤدى إلى تطور الحياة والأحياء، والارتقاء بالأخلاق والحضارة فى آن، وذلك فى مدى الإرادة الحرة التى لا تتوقف عن إصلاح الكون، وذلك بتطويره ووضع الأسس لتقدمه إلى ما لا نهاية. وأداة الإنسان فى ذلك هى «العقل» الذى يميز الإنسان به بين الصالح والطالح، والاجتهاد النافع وغير النافع حتى فى المجال الدينى.

ويؤكد الدكتور محمود حمدى زقزوق – رحمه الله- أنه ليس من حرجٍ – فى هذا المجال- أن يتخير المرء ما تطمئن إليه نفسه من الآراء المتعددة للفقهاء فى المسألة الواحدة. فالأمر فى النهاية متروك لهذا الاطمئنان القلبى الذى عبَّر عنه رسولنا الكريم بقوله: «استفتِ قلبكَ». ولذلك أصبح مبدأ الاجتهاد – وهو مبدأ الحركة فى الإسلام – فتحًا جديدًا فى تاريخ التشريع الإسلامى، ودافعًا خلّاقًا على إعمال العقلِ دون خوفٍ من أن يصيب العقل أو يخطئ، فالعقل مأجور فى كل الأحوال على اجتهاده. ولا أهم فى نظرة الإسلام إلى العقل من أن يمارس اجتهاده فى مواكبة متغيرات كل عصرٍ، وفى دفع هذه المتغيرات إلى ما يكمِّلها وما يزيدها كمالًا، بل ما يدفع بها إلى درجات سُلم التقدم الإنسانى الذى لا نهاية له أو حد. وذلك بالمعنى الذى لا يكون معه للاجتهاد سقف أو قيد. فالسعى إلى التطور الإنسانى هو سعى لا حدود له كمعنى التطور نفسه، فإذا كانت الحياة تتجدد وتتطور بالاجتهاد الخلاق، فإن هذا التطور لا حد له؛ ذلك لأن كل تقدمٍ يحققه اجتهاد العقل – سواء بالمعنى الفردى أو الجمعى- يصل إلى نقطةٍ أعلى فى تاريخ البشرية، والأعلى يقود إلى ما هو أعلى منه على كل المستويات، وذلك فى اتجاهٍ صاعدٍ لا نهاية له. ومع كل صعودٍ لا يتوقف العقل إلا لكى ينظر إلى ما مَضَى بوصفه دافعًا إلى ما هو آت.

هكذا تتغير البشرية وتتغير الحضارات بجهد العقل. ولا يتوقف مسعى العقل نفسه فى كل تقدمٍ، فكل تقدمٍ يؤدى إلى ما بعده على المستوى الصاعد لسلم التطور الإنسانى. وسلم التطور الإنسانى لا حد لامتداده أو لِما يأتى به فعل التطور نفسه. فكل مرحلةٍ من مراحل التطور البشرى تُغرِى بغيرها إلى أن نصل إلى ما بعد اكتشاف المجرات وعوالم الكواكب السيارة، وهكذا فى العالم الذى هو خارج الإنسان، وقُل الأمر نفسه فى العالم الذى ينطوى عليه الإنسان. وقارن معارفنا بما هو فى خارجنا وما فى داخلنا منذ رُبع قرن، وما وصلنا إليه اليوم لنكتشف أن ما نصل إليه من علمٍ أو معرفة يدفعنا إلى ما لا نعرفه وما لا علم لنا به بعد. وفى هذا السعى الدؤوب على سلم المعرفة الذى لا ينتهى، يتحرك الإنسان بوصفه مستخلَــفًا فى هذا الوجود، مطالَـــبًا بعدم الكف عمّا يمكن أن يكتشفه فى نفسه بكل أغوارها، أو ما فى الكون بكل كواكبه ومجرّاته، أو فى أنفس غيره من البشر الذين ينطوى كل واحدٍ منهم على مجرة فى نفسه. والحق أنه لولا الاجتهاد وروحه الخلاقة التى زَرعها الله فى تكويننا لما وصلنا إلى هذه الدرجة من الحضارة التى وصلنا إليها والتى لا تجعلنا نكتفى بما وصلنا إليه، بل تدفعنا إلى ما لم نصل إليه بعد فى توقٍ معرفى لا يهدأ، وشوقٍ لا يتوقف لاكتشاف المجهول. هكذا استطاع الإنسان أن يخلق الحضارة، وأن يصل إلى ما لم يكن مُمكنًا فى تصور أسلافه.

والمؤكد أن السبيل إلى سبر أغوار هذا الكون، والتعرف على أسراره لن يكون متاحًا إلا لهؤلاء الذين يبذلون أقصى طاقاتهم من أجل اكتشاف القوانين الحاكمة لهذا الكون، وتوظيفها فى مصلحة الإنسان، وذلك بصرف النظر عن الانتماءات العقائدية أو العِرقية لهؤلاء الباحثين، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم فى قوله – سبحانه وتعالى -: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (سورة الجاثية/ الآية 13). ويلفتنا الدكتور محمود حمدى زقزوق إلى ختام هذه الآية الذى يوضح لنا أن الأقوام التى تُفكِّر وتتبع سبيل العقل وتهتدى بنور العلم هى التى ستصل إلى تحقيق الأهداف المنشودة. فالله لا يمنح أحدًا من خلقه هذا الفضل مجانًا. والواقع يؤكد لنا ذلك بما لا يدع مجالًا للشك، فالذى يتأمل عالمنا المعاصر الذى يشتمل على شعوبٍ متقدمةٍ وأخرى متخلفة، سيكتشف بسهولة هذه الحقيقة؛ فمن يفكِّر ويسعى ويجتهد ويبحث وينقِّب، سيصل حتمًا إلى تحقيق ما يريد، فتلك سُنة الله فى خلقه. وتأكيد كلمة “الخلق” فى هذا السياق تجاوز العقيدة وحدودها إلى مدى الإنسانية وآفاقها، فالإنسان الذى خلقه الله، والمُستخدِم لعقله وللآلات التى ساعده عقله على اختراعها، هو الجدير بالتحية وبنيل الجوائز التى يمنحها إياه الكون عندما يكشف له عن بعض أسراره التى لم يكشف عنها لغيره. والإنسان هنا يقصد بمعناه المجرد وليس بمعناه الدينى، فى هذا الدين أو ذاك، فمطلق الإنسان هنا مكلف بالسعى وراء اكتشاف ما هو مجهول فى هذا الكون، والإفادة منه بحكم بشريته، وبما تنطوى عليه إنسانيته، وبما يهديه إليه عقله من ضرورة عدم القناعة بما تم كشفه والمُضِى إلى ما هو بعده من عوالم لم تُكتشف، ومن جوانب تُغرى بفكِّ أسرارها، ولذلك يتقدم الإنسان الذى يعى هذا المعنى. ولذلك ختم الله الآية الكريمة: «وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ…» بقوله: «إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ». فمعنى التفكر فى هذا السياق هو الوعى بعدم توقف المسعى الإنسانى عن الكشف عمّا يظل فى حاجة إلى الكشف. وهذا الذى يظل فى حاجةٍ إلى الكشف، هو المجهول فى هذا الكون الذى استخلفنا الله عليه وفيه، لا لكى نركن إلى الدعة والراحة، وإنما لكى لا نتوقف عن البحث فى أسراره، فنكشف السر عما هو منطوى فى هذا الكون من معارف وكنوز لم يُكشف عنها غطاء. ولا يعنى ذلك سوى حقيقة واحدة هى أن العقل يجاور العلم ويشبهه فى المسعى، واستخدام كليهما هو نوع من التكليف الذى كلَّف به الله مَن خلقه مِن البشر على الإطلاق. ولولا ذلك لما أمرنا الرسول – عليه أفضل الصلاة والسلام – بأن نطلب العلم ولو فى الصين. والمقصود هنا ليس العلم الدينى وحده، وإنما العلم بجميع أبعاده خصوصًا العلم الذى يخدم الحياة التى نعيش فيها، تمامًا كما أن «الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها»، كما جاء فى الحديث الشريف. ولذلك أوضح لنا القرآن أن العلماء – بالمعنى الواسع للكلمة- هم أخشى الناس لله؛ لأنهم يستطيعون فهم سنن الله والكون، وإدراك روعة الخلق وجلال الخالق على السواء. وهذه منزلة عظيمة يشعر بها من يدركها أو يدرك معناها. وهو معنى يفسر لنا لماذا جعل النبى – صلى الله عليه وسلم – مداد العلماء مساويًا لدماء الشهداء.

ومن المؤكد أن النبى – عليه الصلاة والسلام – فى تلك السياقات لم يكن يتحدث عن عقولٍ جامدةٍ أو غارقةٍ فى أوهام الماضى أو الخرافات أو الدجل والشعوذات، وإنما كان يتحدث عن عقليات تزن كل شىء بميزان العقل قبل أن تُسلِّم به. ولذلك  فالتكليف الإلهى واقع على بنى الإنسان وليس على المسلمين وحدهم، وحتى عندما يتكاسل المسلمون وحدهم عن تأدية واجبهم فى البحث فى أسرار الكون وفى دخائل الإنسان، فإن المكافأة تصل إلى كل من كشف سرًّا من أسرار الكون، أو من كشف غطاء من أغطية النفس البشرية التى لا تقل فى تعقيداتها وفى دروبها عن تعقيدات الكون كله الذى يجرى فى مدارات تتنقل بينها مجرات وكواكب سيارة وغير سيارة. فالثواب واقع فى كل الأحوال على من أدرك أمر الله وعمل به وأفرغ همته فى اكتشاف المجهول من الكون وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح منه بالعلم الذى هو قرين العقل، واكتشاف ما لم يُكتشف منه بالعلم الذى هو قرين العقل فى معرفة المجرات ونظامها الفريد الذى لا مثيل له.

ولا شك أن الذى يعرف هو أفضل ممن لا يعرف. ولا يقتصر الأمر فى التفضيل هنا على المسلم، بل يجاوز ذلك إلى عموم الإنسان الذى يحقق إرادة الله الذى استخلفه على الأرض، فيعطى لأبناء الإنسانية جميعًا ثمرات معارف ومنجزات ما اكتشف. هذا ما فعله من اكتشف البنسلين «ألكسندر فلمنج» الذى أنقذ آلاف الأرواح، وقِس على ذلك غيره – ممن لم أذكُرهم –  من الذين اكتشفوا الكثير من المستحضرات الدوائية التى أنقذت ملايين الأجساد. ولا أدل على ذلك من أن الحضارة الإسلامية نفسها ظلت صاعدة واعدة عندما جعلت العلم والعلماء مصابيحها فى الكشف عن البقع المظلمة من الكون، وهى البقع التى أنارتها الحضارة الإسلامية بالعلم والعقل. وقد بدأت أوربا من حيث انتهى العرب. فواصلوا التقدم بينما واصلنا نحن التخلف، فانتهينا إلى الدرك الأدنى من الحضارة عندما نسينا القانون الإلهى الذى يقول: «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم» (سورة الرعد/ الآية 11).

ولا ينقطع العقل المسلم عن خوض الآفاق الراقية للأكوان وفى النفس البشرية، إلا عندما يَئِدْ قدرة العقل على الحركة، ورغبة النفس فى التحضر والمزيد من التحضر. عندئذ تتوقف مسيرة الحضارة الإسلامية، وتنشغل بسفاسف الأمور أو الصغائر، بدل أن تنشغل بكتاب الكون المفتوح أمام أعينها، طالبًا المزيد من القراءة الواعية والفحص المحمود. إن الغاية الكبرى لدين الإسلام هى دفع المسلمين فى مجرى السياق الحضارى؛ وذلك للفوز بأنوع جديدة من المعارف وإبداعات فريدة فى مدى العلم. وقد قصَّر المسلمون فى تحقيق هذه الغاية فتأخروا، بينما لم يقصِّر فى تحقيقها غيرهم من الذين رفعوا رايات العقل والعلم. فتقدموا وتخلَّف المسلمون؛ لأنهم تركوا أهم ما أعطاهم الله لهم وهو «العقل»، وسفَّهوا الاجتهاد الذى يبين عن كل ما يظل فى حاجة إلى إبانة. وأول التخلف – إذن- هو أن ينشغل المسلمون – كما حدث بالفعل- بسفاسف الأمور، وينقلبون على العقل الذى هو أعظم منح الله إليهم، فيُحارَبون ويُحارِبون المجتهدين به، تعصبًا لجهالتهم التى تغطِّى تخلفهم، فتزداد كراهيتهم للآخر الذى لا يعرفونه، وتغيض فى نفوسهم أنواع التسامح التى يستبدلون بها فظائع التعصب، فيشيع التخلف، والسقوط فى آبار التعصب المُرة التى لا تروى ظمأ مَن يقع فيها. ويختفى تجديد الدين؛ لأن الحياة نفسها لم يعد فيها تجديد، وينتشر بدل التجديد، التقليد والاتباع، ويحل محل التسامح، التعصب بجميع هيئاته. وفى النهاية يترك المسلمون رَكب الحضارة لغيرهم، فيصعد هذا الغير إلى ذُرى الحضارة فى الكون بينما يهبط المسلمون إلى أسفل سافلين، شاغلين أنفسهم بما لا يُغنى من جوعٍ أو يثمر من جدب، فيتحول الإسلام من رُقيه الإنسانى وتكليفاته الحضارية التى أوصلت البشرية إلى قمة العلم قبيل عصر النهضة، إلى دركٍ بعيدٍ عن الحضارة، ينحدر عن طرقها الصاعدة وآفاقها المشغولة باكتشاف الكون، فيتباعد الإسلام عن الحضارة وصُنعها ويتحول من سبيلٍ للصعود والاجتهاد إلى سبيلٍ مُضاد لمزيدٍ من الهبوط والجهل والتعصب وانتشار الخرافات.

ولكى يعود الإسلام إلى صحوته الحقيقية، وإلى ثرائه المعرفى، وإلى غناه الحضارى، فلا بد له من الكشف عن الأسرار التى تُحرِّك ماكينة التقدم فى جوهره كما تُحرِّك رغبة المعرفة أو رغبة الكشف لما يظل فى حاجةٍ إلى الكشف، وذلك لكى تعود النفس المظلمة، باحثة عن المجهول، مُتطلعة إلى اكتشاف كل ما يستحق الكشف.

والسؤال الآن: هل يستوى الذين يسيرون فى الطرقات يستغيثون بالله من الكورونا أو يدعون عليها، بالذين يَصلون الليل بالنهار فى معاملهم، باحثين عن سبيلٍ لعلاج الإنسانية والقضاء على هذا الڤيروس الذى يشبه فى خطره، خطر الجهل وإظلام العقول؟ المؤكد أن العالِم الذى ينير للبشرية بعض ما ينقذها من هذا الڤيروس هو أكرم عند الله من الجاهل الذى خرج فى مظاهرات، يندد بالمرض ويدعو عليه، ويستغيث بالله منه، عاجزًا عن فعل شىءٍ حقيقى أو إيجابى يمكن أن يُسهم به فى الخطو إلى الأمام للقضاء على هذا الڤيروس. ولماذا لا نقول: إن هؤلاء الذين استراحوا إلى إلغاء عقولهم والهجوم على الاجتهاد فى آن، هم ڤيروس آخر لا يقل خطرًا عن ڤيروس كورونا. وإذا كان الله – سبحانه وتعالى – قد أمرنا بمحاربة الكورونا صونًا للنفس، فقد أمرنا ضمنًا بمحاربة أمثال هؤلاء ليس صونًا للنفس المفردة فحسب، وإنما صونًا لحضارة البشر وكل مخلوقات الله على كوكب الأرض.

«إن الإسلامَ كُلٌّ متكامل» كما يقول الدكتور محمود حمدى زقزوق – رحمه الله-. ولا يكتمل إسلام المرء إلا باكتمال عناصر أربعة، تتمثل فى: العقيدة والشريعة والأخلاق والحضارة. والمؤكد أن الإسلام ليس لِحَى تطول أو تقصر، وليس جلبابًا له مواصفات معينة، وليس دروشة فارغة أو ذهولًا عن الدنيا وما فيها، وليس نقابًا يلغى كيان المرأة، وإنما هو عقول لا تتوقف عن التفكير فى إصلاح البشرية، ومصانع لا تتوقف عن العمل لخير الإنسانية، ومعامل لا تتوقف عن التجريب لإنتاج ما يصون الجسد الإنسانى ويحميه. ولولا ذلك ما كانت المقاصد الضرورية للإسلام، والمتمثلة فى: حماية النفس، والعقل، والدين، والنسل، والمال. فهذه المبادئ الخمسة هى الأصول الراسخة لحقوق الإنسان فى العصر الحديث، ومطالب الإنسان وحاجاته فى عصر العلم الذى لا يحتاج إلى دروشة، وإنما يحتاج إلى أقصى جهدٍ يبذله العالِم فى معامل البحث لكى يصل إلى عقار أو اختراع يقى البشرية من أمراض الجهالة ويعينها – جسدًا وروحًا – على الرُّقى فى سُلم الحضارة.

رحم الله الدكتور محمود حمدى زقزوق، فإن علمه الغزير لا يزال يغمرنا ويقارب ما بيننا وبين الفهم الحضارى لدين الإسلام فى عصر العلم وتقدمه الذى لا نهاية له أو حد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: