رؤى

هجوم بينساكولا الإرهابي.. التأثير المستمر لتنظيم القاعدة والجماعات الموالية له (2 – 3)

كولين كلارك – زميل أول في «برنامج الأمن القومي» في «معهد أبحاث السياسة الخارجية»، وكبير باحثين في «مركز صوفان»، وباحث سياسي في «مؤسسة راند».

عرض وترجمة: أحمد بركات

يبحث هذا المقال قضايا عديدة أثارها هجوم بينساكولا، الذي وقع في ديسمبر الماضي على يد محمد سعيد الشمراني، الضابط بسلاح الجو السعودي، في محطة بينساكولا الجوية البحرية بولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية، وأودى بحياة ثلاثة بحارة أمريكيين وإصابة ثمانية آخرين.

أولا، يحلل المقال التأثير الدائم للدعاية التي يبثها تنظيم القاعدة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تلقى هذه الدعاية صدى عميقا لدى مؤيدي التنظيم، وهنا يتساءل كاتب المقال إلى أي مدى قد يوفر هذا الهجوم مساحة مفتوحة للتنظيم لإعادة تأكيد ذاته على خريطة مايسمى بالجهادية العالمية بوجه عام، وتجديد جاذبيته للجهاديين في المملكة العربية السعودية بوجه خاص.

ثانيا، يناقش المقال التأثير المحتمل لهذا الهجوم على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، والتي شهدت بعض المنعطفات على مدى السنوات العديدة الماضية.

ثالثا، يسبر هذا المقال أغوار قضية تدقيق هوية المتدربين العسكريين الأجانب في الولايات المتحدة، وما إذا كان الاعتماد على نظام تدقيق أكثر صرامة سيمنح واشنطن القدرة على المحافظة على أعداد المتدربين العسكريين من المملكة العربية السعودية ودول أخرى شريكة كاستراتيجية أصيلة في المعركة المستمرة ضد الإرهاب.

رابعا وأخيرا، يبحث المقال تأثير هذا الهجوم على النقاش المحتدم حول الخصوصية والأمان، خاصة في ضوء عدم قدرة المحققين على الاطلاع على جهاز iPhone الخاص بمنفذ الهجوم.

جهاز iPhone الخاص بمنفذ الهجوم

أولا: التهديد الدائم الذي يفرضه تنظيم القاعدة

قبيل الهجوم، نشر حساب @M7MD_SHAMRANI على موقع تويتر، الذي يُعتقد أنه خاص بمحمد سعيد الشمراني، منفذ الهجوم، رسالة ينتقد فيها بشدة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ويتهم الولايات المتحدة بارتكاب جرائم ضد المسلمين، مشيرا إلى معتقل جوانتانامو والتواجد العسكري الأمريكي في بعض الدول إسلامية. ورغم أن الشمراني عمد إلى عدم الإشارة إلى أي من قادة تنظيم القاعدة بالاسم، إلا أن رسالته أعادت استخدام كلمات أسامة بن لادن، مؤسس التنظيم وقائده التاريخي، وأنور العولقي، المروج الرئيسي للعداء للولايات المتحدة في تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لفترة طويلة حتى موته في عام 2011.

كان تأثير العولقي عاملا مهما وحاسما في العديد من الهجمات الإرهابية المؤثرة على مدى العقد الماضي، بما في ذلك تفجيرات ماراثون بوسطن في عام 2013، والهجوم على مجلة تشارلي إبدو في باريس في عام 2015، وإطلاق النار في سان برناردينو في عام 2015، والهجوم على الملهى الليلي في أورلاندو في عام 2016، إضافة إلى عمليات كثيرة أخرى. وبرغم الجهود المعلنة إلى حد كبير لإزالة المحتوى الإرهابي من الإنترنت، إلا أن خطب العولقي التي تمجد الشهداء وتطالب بمزيد من الهجمات ضد الغرب لا تزال متاحة على موقع YouTube، وسائر منصات وسائل التواصل الاجتماعي.

ويعكس حساب منفذ الهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي بعض القضايا المحورية في العقلية القاعدية، بما في ذلك رفض الوجود العسكري الأمريكي في العالم الإسلامي، ورفض الانحياز الأمريكي لإسرائيل، حيث تمثل هذه القضايا حجر الزاوية في الدعايا القاعدية منذ نشأة التنظيم وحتى الآن، ففي الذكرى الثامنة عشر لأحداث سبتمبر، دعا القائد الحالي للتنظيم، أيمن الظواهري، إلى تنفيذ هجمات ضد الغرب، وتحديدا ضد القوات الأمريكية.

أيمن الظواهري القائد الحالي لتنظيم القاعدة

وتفيد تقارير بأن منفذ عملية بينساكولا قد انجذب بشكل خاص إلى منشورات التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي التي تصف الأمريكيين والإسرائيليين بـ «الصليبيين»، وتحتفي صراحة بمفهوم الجهاد. وقد أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأنه في نهاية عام 2015، قام الشمراني بمتابعة العديد من المنظرين الأيديولوجيين المتطرفين على موقع تويتر، مثل السعوديين عبد العزيز الطريفي وإبراهيم السكران، والكويتي حاكم المطيري، والأردني إياد القنيبي. وأفادت الصحيفة بأن هؤلاء تربطهم بدرجة أو أخرى علاقة بالشبكات والأيديولوجيا الجهادية. وقد تم إلقاء القبض على الطريفي في عام 2016 في أعقاب كيله الانتقادات للحكومة السعودية جراء قيامها بتجريد الشرطة الدينية السعودية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من سلطاتها، بحسب مايان جرويسمان، الكاتب في صحيفة «جيروزاليم بوست». وأشار جرويسمان بأن القبض على الطريفي قد لاقى استهجانا شديدا وإدانة قوية من قبل منظري القاعدة، مثل الشيخ عبدالله المحيسني، العالم السعودي الذي كان منتميا إلى جبهة النصرة آنذاك. كما تم اعتقال السكران في عام 2016، ووجهت له تهمة الاتصال بمنظمات إرهابية. أما المطيري فهو عالم ديني والأمين العام لحزب الأمة الإسلامي السعودي المحظور في المملكة. ووفقا لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فإن المطيري أحد الرموز المؤسسة لإحدى شبكات الناشطين السلفيين في المملكة العربية السعودية. وفي أعقاب الهجوم على مجلة تشارلي إبدو في باريس في يناير 2015، انتهز القنيبي، الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بالمنظر الجهادي، الفرصة لإبراز الاهتمام الإعلامي الحثيث بالهجمات ضد غير المسلمين مقارنة بالهجمات ضد المسلمين. وكما هو الحال في هجوم بينساكولا، فقد ادعى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية مسئوليته عن هجوم تشارلي إبدو. ويشير مكلاتشي إلى أن القنيبي كان داعما لجبهة النصرة، التي كانت في السابق فرعا لتنظيم القاعدة في سورياعلى مدى السنوات الأخيرة.

الشمراني، وعبد العزيز الطريفي، وحاكم المطيري

وقد ارتبطت أغلب الهجمات الإرهابية التي وقعت داخل الولايات المتحدة على أسس أيديولوجية جهادية بتنظيم الدولة الإسلامية، وليس بتنظيم القاعدة والجماعات الموالية له. وإذا أسفرت التحقيقات الجارية عن مسئولية تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية عن الحادث، فإنه لن يكون فقط أول عملية ناجحة توجهها منظمة إرهابية أجنبية داخل الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولكنه يمكن أن يؤشر أيضا إلى قدرة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية – حتى وإن كانت محدودة – على شن عمليات خارجية عالية المستوى برغم ما واجهه التنظيم من انتكاسات عديدة تتعلق بالانقسامات الداخلية ومقتل قياداته.

وسواء أظهرت التحقيقات صدق مزاعم تنظيم  القاعدة في شبه الجزيرة العربية حول تبنيها للهجوم من عدمه، فإن هذا الهجوم قد منح الجماعة دفعة كبرى، ورفع أسهمها في فضاء الدعاية الجهادية، فضلا عن أنه أضفى تأثيرا قويا على شبكة القاعدة بوجه عام في إطار تنافسها مع تنظيم الدولة الإسلامية على صدارة المشهد الجهادي العالمي، ففي أعقاب مقتل قاسم الريمي، الأمير السابق لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي لقي حتفه إثر غارة أمريكية على اليمن بطائرات مسيرة في يناير 2020، اختار التنظيم خالد بن عمر باطرفي قائدا جديدا له، وفي ضوء دوره كقائد سابق لوحدة العمليات الخارجية في التنظيم، فإن هذا قد يؤشر إلى تدشين توجه جديد قديم لدى التنظيم باستهداف الغرب.

ومع استمرار نزيف تنظيم الدولة الإسلامية جراء خسارته دولته، فقد يشكل هذا الهجوم مَنفذا لتنظيم القاعدة لاستغلال هذا الزخم وتقديم نفسه والجماعات الموالية له كشبكة قادرة مجددا على تحقيق ما لم يحققه قط تنظيم الدولة الإسلامية، وهو شن هجوم ناجح في الداخل الأمريكي، في خضم التنافس المحموم بين التنظيمين على تجنيد عناصر جديدة وتقلد وجاهة المشهد الجهادي. وقد يساعد هذا تنظيم القاعدة على تجنيد مزيد من العناصر من المملكة العربية السعودية تحديدا لأنها تمتلك تاريخيا ما يطلق عليه الباحث توماس هيجهامر «المنطقة الحيوية لدعم القاعدة»، كما أشار محللون آخرون في الشأن السعودي، مثل بروس ريدل وبلال صعب، إلى أن «رسالة القاعدة بشأن العلاقة الحميمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تجد دائما صدى عميقا لدى كثير من السعوديين الذين يكنون كراهية شديدة للولايات المتحدة».

ولا تزال المملكة العربية السعودية تخوض غمار أحد تحديات التطرف الكبرى، فقد سافر أكثر من 3000 مقاتل سعودي إلى العراق وسوريا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية وجماعات إرهابية أخرى. وقبل ذلك، وعلى مدى السنوات من 2005 إلى 2010، سافر عدد كبير من السعوديين إلى العراق للقتال ضمن صفوف تنظيم القاعدة في العراق وجماعات جهادية سنية أخرى كانت تقاتل ضد القوات العسكرية الأمريكية، ولا يزال من غير الواضح مدى الدعم الذي يحظى به تنظيم القاعدة وغيره من الجماعات الجهادية داخل صفوف القوات المسلحة السعودية.

وفي الوقت الذي يعمل فيه تنظيم القاعدة في عام 2020 وما بعده لاستعادة مكانته على خريطة الحركة الجهادية العالمية، فإن الجماعة قد تسعى إلى مضاعفة جهودها في المملكة، خاصة لكسب التعاطف والأفضلية لدى هؤلاء المعارضين بقوة للأجندة الإصلاحية التي دشنها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، فمن أجل إعادة صياغة صورة المملكة من مُصدر للوهابية الراديكالية إلى دولة معتدلة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، بدأ ولي العهد في التخفف من بعض الأعراف الاجتماعية، وذلك من خلال – من بين أشياء أخرى – استضافة حفلات الروك ودعوة من يطلق عليهم «مؤثرون» للإشادة بالمملكة العربية السعودية كوجهة سياحية، وتأكيدا على استمرار التهديد الذي يفرضه تنظيم القاعدة على المملكة، قام أحد الأفراد، الذي تم تعريفه من قبل التليفزيون الرسمي السعودي فقط على أنه يمني مقيم في المملكة ويبلغ من العمر 33 عاما ويعمل بموجب توجيهات من تنظيم القاعدة، بمهاجمة ثنين من الفنانين في حديقة الملك عبدالله بالرياض وطعنهم بخنجره. إضافة إلى ذلك، فإن انتماء منفذ هجوم بينساكولا إلى القوات الجوية الملكية السعودية سوف يثير مزيدا من القلق لدى السلطات السعودية.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي وهوامش الدراسة باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق