منوعات

مطلوب تحليل نفسي يفسر: ولع السادات بلقاءات غرفـة النوم مـع كبار المسئولين

تقديم

التحليل النفسي للقادة السياسيين هو واحد من المناهج المستقرة في الممارسة السياسية للدول، أكثر من مما نجدها في نظريات السياسة. لعبت مدرسة السياسة البريطانية أدوارا مهمة في تطور هذا الفن، قبل أن تتلقفه وتطوره السياسة الأمريكية. كثيرة هى شخصيات القادة التي تم تحليلها من قبل أجهزة الاستخبارات للتنبؤ بسلوكها المرتقب خاصة في الأزمات الكبرى، من تشرشل في الحرب العالمية الثانية إلى أنتوني إيدن وناصر في أزمة السويس حتى زعماء كوريا الشمالية في الأزمات النووية وصدام حسين قبل غزو الكويت.. في هذا المقال يلتقط الكاتب محمد حماد عددا من السمات النفسية للرئيس السادات التي صنعت شخصيته التي يتفق مخالفوه ومؤيدوه على تفردها، كما يحاول تفسير كراهيته للمكاتب وللتقارير وولعه بأن يلتقي كبار المسئولين – عن قرب – في الحديقة أو في غرفة نومه، خاصة في الظروف السياسية الصعبة واللحظات الاستثنائية.

«أصوات أونلاين»

لم يكن الرئيس أنور السادات شخصاُ عادياً، بكل المقاييس، بما فيها مقاييس التحليل النفسي للكثير من تصرفاته، ولم يكن الرجل مولعاً فقط باجتماعات ولقاءات «غرفة النوم»، ولكنه هو الرئيس الوحيد الذي سمح لكاميرات مصور الرئاسة أن تقتحم غرفة نومه تصوره وهو جالس على الأرض يقرأ القرآن أمامه على «مخدتين» وأمامه مايك للتسجيل، أو وهو في الحمام يرتدي الملابس الداخلية فقط واقفاً أمام مرآة يحلق ذقنه، أو يشذب شاربه، أو مستلقي على ظهره وهو يمارس رياضة اليوجا، وكان حريصاً على صورته في الجلباب والعباءة ومعهما المسبحة، بينما اختار لغلاف كتابه عن قصة حياته صورته وهو يمسك بغليونه وينظر إلى الأفق.

وقد حاول كثيراً ومراراً أن يرسم بنفسه لنفسه مجموعة من الصور أرادها أن تكون هي الصور المعتمدة لدى الآخرين، أو هكذا أراد أن يراه الناس، ولكن الناس كانوا لا يتعبون أنفسهم في التقاط التناقض الفج بين كل هذه الصور التي كانت موضع سخرية الشعب المصري (خاصة تلك الصور المفعمة بالفخفخة، وزهوة الحكم) فأطلق تعبيره اللاذع: «والله ونلتها يا خيشة»، وكانت تصرفات السادات المعلنة تناقض الصورة المروج لها من قبله أو من قبل إعلامه، تلك الصور التي جمعت بين الفلاح والعمدة ورب الأسرة وابن البلد بجلبابه وعبايته وبين شخصية «الضابط البريطاني» في أناقته المبالغ فيها، وغليونه الذي لا يغادر يده، وكلبه القابع بالقرب منه وهو يجلس إلى مائدة شاي الخامسة بعد العصر.

 

أول مرة قرأت فيها تفريغاً لذكريات شعراوي جمعة المسجلة على شرائط فيديو فوجئت بالكثير من المعلومات، وهذا طبيعي من رجل كان مسئولاً في أعلى مستويات العمل السياسي بالإضافة إلى مسئوليته عن وزارة الداخلية لمدة تزيد عن خمس سنوات متتالية، وقد لفتني ـ لدى القراءة الأولى لهذا التفريغ ـ كثير من المعلومات التي تضمنتها الشهادة والذكريات ربما يدون قصد، خاصة تلك التي تتعلق بالطريقة التي يتعامل بها هؤلاء المسئولين الكبار مع بعضهم البعض، وهي أمور تفصيلية، لكنها معبرة ـ في جانب من جوانبها ـ عن حقيقة هذه الشخصيات، كلٌ على حده، في الوقت الذي تعطينا فكرة واضحة عن طبيعة العلاقة بين هؤلاء المتواجدين عند محيط القمة.

خلال الفترة التي شاء حظي أن اقترب فيها من هؤلاء المسئولين الكبار في دولة عبد الناصر لفتني ـ أيضاً ـ أنهم يحترمون إلى حدٍ كبير الأقدميات بينهم، ولا شك في أنها من بقايا تأثيرات انخراطهم من قبل في الخدمة بالجيش المصري، وكانوا في معظمهم ضمن الدائرة الضيقة عند قمة السلطة من خلفيات عسكرية، وكنتُ أجلس مع شعراوي جمعه أو مع سامي شرف وأجدهما يتحدثان عن علي صبري مسبوقاً اسمه بآخر منصب سياسي شغله، يقولان سيادة النائب (يقصدان منصبه كنائب لرئيس الجمهورية)، وقد روى شعراوي جمعه أن الرئيس جمال عبد الناصر كان قد قرر أن يعاد ترتيب الأقدمية عند قمة السلطة بعد آخر انتخابات للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي الحاكم والوحيد)، وحين انتهت نتائج الانتخابات إلى تفوق علي صبري وحصوله على الموقع الأول، وجاء ترتيب السادات رابعاً، عاد عبد الناصر عن قراره بتعديل الأقدميات تبعاً لنتائج الانتخابات، وقرر أن تبقى كما هي (قال لسامي شرف: موضوع الأقدميات كما كنت)، كان صعباً عليه أن تتراجع أقدمية كل من أنور السادات وحسين الشافعي (وهما الوحيدان المتبقيان من مجلس الثورة في قمة السلطة وقتها ) ويسبقهما آخرون لم يكونوا أعضاء بالمجلس القديم.

ومع مطالعاتي لما نُشر عن فترة حكم الرئيسين عبد الناصر والسادات من مذكرات وذكريات تلك التي أصدرها أو صدرت باسم هؤلاء المسئولين الكبار حول مسيرة التاريخ المصري بعد ثورة 23 يوليو 1952، كنت أتمعن في محاولة قراءة ما وراء المحكي من حوادث وآراء وتصرفات وإجراءات وقرارات على لسان أصحاب هذه المذكرات، وقراءة ما بين السطور، خاصة لمن اطلع على ما قاله الآخرون عن نفس الوقائع والأحداث، هي قراءة ممتعة في كل الأحوال.

الشيء الغريب والذي لا يمكن أن تصدقه، والذي تواترت به الأخبار، وذكر في كل المذكرات، هي الاجماع على أن الرئيس السادات لم يكن يلتقي بأحد من زواره في مكتبه الرئاسي، وربما لم تنشر له صورة يجلس فيها على مكتب، كان يحب ـ حتى قبل أن يكون رئيساً للجمهورية ـ أن تكون لقاءاته في حديقة المنزل أو حدائق القصور التي كان يتنقل بينها طوال فترة حكمه، وشهادة الأستاذ أحمد بهاء الدين تؤكد المعلومة نفسها ويضيف أن «هلا أكاد أذكر أنني رأيته يوماً جالساً في مكتبه، ولا أكاد أذكر أنني رأيته يوماً وأمامه في الحديقة أو في الصالون أي أوراق أو ملفات، كان يدير الدولة كلها بالتليفون فقط».

والأعجب من هذا أن يكون للرئيس أنور السادات كل هذا الولع في أن يلتقي كبار المسئولين في غرفة نومه، وأغلب هذه الاجتماعات تمت في ظل ظروف غير عادية وربما استثنائية، وأكتفي هنا بسرد قصتين على لسان أصحاب الواقعتين، الأولى ذكرها كل من الوزيرين شعراوي جمعه وسامي شرف وكانا معاً في لقاءين عاصفين مع أنور السادات قبل انفجار الأحداث يوم 13 مايو سنة 1971، والثانية رواها الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه «خريف الغضب» وكان هو شاهدها الوحيد، وكانت في مستهل جولات هنري كيسنجر إلى القاهرة في أعقاب حرب أكتوبر سنة 1973.

قبل أن أسرد القصتين أذكرك بما ذكره فوزي عبد الحافظ سكرتير الرئيس السادات الخاص من أن الرئيس لم يكن له «تقل» على القراءة، وكان يعزف عن قراءة التقارير التي تأتيه كرئيس دولة من الجهات المسئولة والسيادية، وأن عبد الحافظ كان يضع له هذه التقارير على «الكمودينو» بجانب سريره بغرفة نومه، فتتراكم من دون أن يقرأها، ثم يأمره بأن يحمل «هذه الأكوام» من التقارير التي تراكمت إلى جانب سريره، حيث يحب أن يكون وقت قراءة تقارير الدولة.

القصة رواها الأستاذ بهاء نقلاً عن فوزي عبد الحافظ في كتابه «محاوراتي مع السادات»، حيث قال له عبد الحافظ: «أنت عارف الرئيس من زمان «ما لوش خلق ع القراية»، ودلوقت بقت مشاغله كثيرة جداً، أنا كنت احط له التقارير على «الكمودينو» جنب السرير كل يوم، لكن يفضلوا يزيدوا لحد ما يبقوا عشرين تقرير، وبعدها يقول لي: «شيلهم بقي، لازم الحاجات اللي فيهم بقت قديمة».

هذا الولع بإدارة الدولة وهو جالس في الحديقة أو يتمشى مع كلبه، وقراءة التقارير التي ترسلها إليه الوزارات والجهات السيادية، في غرفة النوم، ذكره أيضاً سامي شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية في أول عهد السادات، وله قصص في ذلك كثيرة ومتعددة، أما شعراوي جمعة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في أول عهد السادات أيضا فيحكي أن الصراع عند قمة السلطة في مصر تفجر خلال الشهور الخمسة الأولى من سنة 1971 وكانت ذروته في جلسة عقدتها اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي في يوم 21 ابريل، ويومها شن علي صبري هجوما عنيفاً على مشروع وحدة مقترح بين مصر وسوريا وليبيا، ولم يكن الخلاف ينحصر فقط في مشروع الوحدة، إلا أنه كان مناسبة لتظهر الخلافات الحقيقية بين أقطاب النظام، كان السادات يبدو متحمساً لمشروع الوحدة وفي نيته أن يستخدمه في تغيير شكل الدولة، وأنه يعطيه الفرصة لتعديلٍ يكون لصالحه في مؤسسات السلطة، سواء في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي أم في أغلبية مجلس الأمة الموالية للعناصر المناوئة له.

ولم تكن معارضة المسئولين الكبار في مؤسسات السلطة لمشروع الوحدة عن رفضٍ للوحدة، بل ربما من الناحية الفكرية هم الأقرب إلى الحماس لفكرة الوحدة، خاصة بين سوريا وليبيا ومصر، وكانوا يلحون على السادات بإضافة السودان أيضاً إلى الوحدة، لكنهم عارضوا المشروع المقترح من السادات لأنهم فهموا نواياه المبيتة من وراء هذا الاجراء، وكانت الأغلبية الساحقة في قيادة الاتحاد الاشتراكي ومجلس الأمة تميل إليهم. وكان هدفهم بالطبع هو إبقاء ما هو قائم من مؤسسات الحكم في أيديهم.

وهكذا انفجر الصراع بعد أن وجد السادات نفسه ومعه ثلاثة أصوات فقط، تؤيد الاقتراح بمشروع الوحدة، بينما كان أكثر من ثلاثمائة صوت يقفون في الجانب الذي ضده، وحين اقترح أحدهم رفع جلسة اللجنة المركزية وعقد اجتماع طارئ للجنة التنفيذية العليا تمت الموافقة، وكانت الأغلبية هناك أيضا ضد السادات، ومضى قطار الصراع في طريقه حتى وصل إلى محطته الرئيسية بعد ثلاثة أسابيع على اجتماع اللجنة المركزية في 21 ابريل، وكانت الموائد كلها قد انقلبت رأساً على عقب (على حسب تعبير هيكل)، وخرج السادات منتصراً، واختفت المجموعة التي أطلق عليها وصف “مراكز القوى” من مواقع الحكم ثم وراء السجون.

حسب كلام شعراوي جمعه فإن السادات تصور أنه كان يدير هذه الجلسة، ويوجهها ضده، وينفي جمعة هذا التصور ويقول: بل إنني حاولت أن أدعو الرئيس أنور السادات إلى تناسي ما حدث في اجتماع اللجنة المركزية، وذهبت ومعي سامي شرف لزيارة أنور السادات في بيته بعد هذه الجلسة الصاخبة، فوجدناه يجلس على أرض غرفة النوم مرتدياً عباءته، وأمامه زجاجتي «فودكا» كان قد انتهى من احتساء الأولى، وبدأ يشرب في الثانية، وبدا وكأنه يحاول أن يسيطر على أعصاب خانته[1]، ودار الحديث من جانبنا حول ضرورة تهدئة الموقف، وذكرناه بأننا في النهاية اتفقنا، وطلبت منه أن تعود المياه إلى مجاريها في علاقته مع السيد علي صبري، فقال: أبداً هذا موقف بيني وبينه، ولن أنسى له هذا الموقف أبداً.

قبل وصول قطار الصدام إلى محطة النهاية كان شعراوي جمعه ما زال يأمل في أن يوقف تسارع الحركة باتجاه المجهول، وراح يحاول مع آخرين تجنب الصدام الذي بدأت نذره تتجمع في الأفق، يقول في مذكراته[2]: اتفقت مع السيد سامي شرف أن نقوم بزيارة الرئيس أنور السادات في استراحة «القناطر الخيرية»، وصادفت زيارتنا إليه يوم جمعه، فصلينا صلاة الجمعة في مسجد جمال عبد الناصر بمنشية البكري، واتجهنا من المسجد إلى “استراحة القناطر” لمقابلة الرئيس السادات.

طالت جلستنا معه أكثر من ساعتين، حاولنا خلالها أن نثنيه عن الإسراع في التصعيد، وتحدثنا طويلاً حول ضرورة التأجيل، وتحدثنا عن أهمية اشتراك السودان في الموضوع، وعن أن يترك لنا فرصة للقاء «نميري» بعد عودته من الاتحاد السوفيتي، ومقابلة الإخوة في السودان، والحديث معهم في ضرورة انضمامهم إلى مشروع «الاتحاد» حتى يحظى بجماهيرية أوسع.

ورفض الرئيس أنور السادات كل ما طرحناه عليه، وفشلت محاولتنا هذه، وفكرنا من جديد في أن نشرك معنا السيد عبد المحسن أبو النور في محاولة ثلاثية لتجنب الصدام. وكان أنور السادات على علاقة طيبة مع عبد المحسن أبو النور، فقلت له: طيب سوف نحضر إليك مرة أخرى في الليل، ومعنا عبد المحسن أبو النور، ونعيد المناقشة أمامه من جديد.

وفعلاً ذهبنا مرة أخرى في نفس اليوم إلى «القناطر الخيرية»، وكانت الساعة تقترب من السابعة مساء، وقيل لنا إن الرئيس ينتظرنا في «غرفة النوم»، وصعدنا إلى هناك، فوجدنا السادات يرتدي العباءة فوق الجلباب، ويجلس على الأرض «!» ودعانا للجلوس بجواره، وجلسنا هكذا، وبهذه الطريقة الغريبة، داخل غرفة نوم السادات نناقش من جديد الملاحظات حول مشروع الاتحاد، ونحاول فتح ثغرة أمام إمكانية تأجيل عقد اجتماع جديد للجنة المركزية، ودقت الساعة الثانية عشرة معلنة انتصاف الليل، ولم نكن قد وصلنا إلى أي نتيجة مع أنور السادات، وخرجنا إلى الطريق المتجه للقاهرة، وقد ملأنا الإحساس بالانقباض.

في الطريق سألت عبد المحسن أبو النور: هل في إمكاننا ألا ندع الأمور تتصاعد إلى حد الدخول في معركة مع أنور السادات حول هذا المشروع؟، سألته وكأني أكلم نفسي: كنت أفكر مع المتواجدين بصوت عالٍ، وأذكر أن عبد المحسن أبو النور قال وكأنه ينظر إلى ما سوف يحدث في المستقبل، أو كأنها نبوءة عراف صادفت الحقيقية، قال: للأسف نحن لا نملك أن نفعل ذلك، لأننا إذا تركنا أنور السادات يمضي في طريقه من دون إعلان موقفنا ورأينا، وبغير الإصرار على تكريس أسلوب دراسة كل القرارات الهامة، خاصة تلك التي تتعلق بمصير البلد، وبمعركة التحرير، سوف يأتي يوم يفاجئنا فيه الرجل بالاتفاق مع الأمريكان، أو بالاتفاق مع اليهود من وراء ظهورنا «!».

أما الأستاذ هيكل فكان كثيراً ما يلتقي مع الرئيس السادات في أكثر من مكان سواء ببيته في الجيزة أم في قصر الطاهرة، أو استراحات الرئاسة، وكانت لقاءاتهما تبدو عائلية أكثر بحضور السيدة جيهان السادات، سواء في الحديقة أم في البلكونة أم في غيرها، وقد ذكر أنه قبل أن يجئ كيسنجر إلى القاهرة في 6 نوفمبر سنة 1973 سأله السادات عن الطريقة التي يمكن أن تتم بها المفاوضات مع كيسنجر، وكان رأي هيكل أنه لا ينبغي للسادات أن يتصدى بنفسه لعملية التفاوض، والمؤكد أن الفكرة لم تعجب السادات، الرجل الذي تسحره الكاميرات، ويكون في أفضل لحظاته وهو مسلط عليه فلاشات الكاميرات وتحت أضواء القنوات التلفزيونية، فقال مستغرباً: ألم يتفاوض بريجنيف وماوتسي تونج وغيرهما مع كيسنجر مباشرة؟

لم يكن هيكل يثق في قدرات السادات التفاوضية خاصة مع ثعلب سياسي مثل كيسنجر، ولكنه راح يقول له: أنه أفهم أهمية رئاسته للمفاوضات ولكني أقترح أن يقوم بها مع وفد رسمي سواء كان الوفد موسعاً أو مضيقاً واقترح أن يضم الوفد كلاً من محمود فوزي مساعد رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية واللواء حافظ اسماعيل مستشار الأمن القومي مع وزير الخارجية اسماعيل فهمي.

وبقي السادات مصراً على موقفه ورأيه، فقال له هيكل: أرجوك أن تأذن لي أن أتكلم بصراحة، إن كيسنجر مفاوض ذكي وقد درس بالتأكيد حقائق أوضاعنا هنا وهو يعرف أن سلطة القرار كلها في يدك ولهذا فإنه سوف سيضغط عليك لكي يحصل على أكبر قدر ممكن من التنازلات، وهو لا يستطيع أن يفعل ذلك في إسرائيل، لأنه حتى إذا تفاوض مع جولدا مائير فإن رئيسة وزراء إسرائيل سوف تقول له عند كل مطلب أنها مضطرة للتشاور مع معاونيها والوزراء المعنيون.

كانت فكرة هيكل تتمحور حول أن وجود متفاوض مصري غير السادات أمام كيسنجر يتيح فرصة لأن يقول لكسينجر إنه مضطر للعودة للتشاور مع الرئيس وهذا يعطينا وقتاً لحسن دراسة المواقف والتدقيق في الصيغ. استمع الرئيس السادات لكل كلام هيكل ثم هز رأسه غير مقتنع ثم أضاف بالتعبير الفرنسي الدارج: لا، سوف تكون المفاوضات بيني وبين كيسنجر Tete A Tete.

بدأ الاجتماع الحاسم والخطير في تاريخ مصر الحديث (كما يصفه الأستاذ هيكل) في الساعة الحادية عشرة صباح يوم 7 نوفمبر سنة 1973 في قصر الطاهرة، وجلس السادات وسط وفد يضم مستشاره للأمن القومي ووزير الخارجية ورئي لأركان القوات المسلحة المصرية، بينما جلس كيسنجر على الناحية الأخرى من المائدة ومعه جوزيف سيسكو مساعده لشئون الشرق الأوسط، وهارولد سوندرز وألفريد أثرتون من كبار خبراء وزارة الخارجية الأمريكية المختصين بالشرق الأوسط. وبدأ مصورو الصحف والتليفزيون يلتقطون مئات الصور ثم خرجوا، ولم تمض بضع دقائق حتى خرج بقية أعضاء الوفدين تاركين السادات وكيسنجر وحدهما تماماً.

كانت قناة التواصل بين هيكل ووزير الخارجية إسماعيل فهمي مفتوحة، وقد عمل معه في فترة ما قبل ترأسه للديبلوماسية المصرية، ولابد أنه سمع منه ما دار خلف الكاميرات، ولكن فهمي نفسه لم يكن يعلم ما دار بين السادات وكيسنجر، ما دعا هيكل إلى أن يذهب في اليوم التالي ليسمع من السادات، وحسب وصف هيكل: كان الموعد عند الظهر، وحين وصل هيكل أخبروه أن الرئيس في (غرفة النوم) بانتظاره، ودخل هيكل ليجد «الرئيس ممدداً على سريره في غرفة النوم الرئيسية بقصر الطاهرة، وكان قد أخذ حماماً ساخناً ليريح أعصابه، ثم اندلف تحت الأغطية في السرير الفاخر، وأعطاني السادات فكرة عامة عما جرى في اجتماعه مع كيسنجر[3]».

قراءة حياة السادات الإنسان والسياسي والضابط والعضو بمجلس قيادة الثورة ثم وهو رئيس مجلس الأمة فنائباً للرئيس فرئيساً لمصر خلفاً لجمال عبد الناصر، تجعلك تلمس بيديك وترى بعينيك أن الرجل كان يتحرك في الحياة وكأنه طول الوقت تحت أضواء العدسات أو فلاشات الكاميرات، والحق أن البعض يذهب في تفسير الكثير من الظواهر التي لازمت الرئيس الأسبق أنور السادات على أساس أنه ـ وهو المولع منذ الصغر بالتمثيل، والممثلين والتقليد ـ كان يتحرك في الحياة وكأنه يقوم بدور تمثيلي تحت أضواء الكاميرات أو فوق خشبات المسارح.

ومن يراجع كتابات السادات عن تاريخه الشخصي يجد نفسه أمام مسلسل من التناقضات التي لا يمكن تفسيرها بعيداً عن أجواء العيادات النفسية، فقد أدمن الرجل رواية الحدث الواحد بأكثر من رواية، بعضها تفصيل لبعض، وبعضها نفي للبعض الآخر، وأكثرها كان الغرض منه ـ بعد التدقيق ـ عدم الكشف عن مكنون نفسه، بل وستر هذا المكنون طول الوقت، خاصة وهو فوق قمة سلطة فردية ارتفعت به إلى مصاف «الفراعنة» لا يُسأل عما يفعل كما قال عنه الشيخ الشعراوي سامحه الله.

كان السادات طوال الوقت يراوغ الحقيقة وتراوغه، يتجنبها ويلتف من حولها، ويزوغ منها ويكابر في مواجهتها ويحاول تضليل الآخرين حتى لا يصل منهم أحد إليها. وخلافاً لجمال عبد الناصر، الذي حاول أعداؤه، واستماتوا في طمس حقائق الدور الذي أداه، كان السادات هو الذي حاول بنفسه طمس حقيقة الدور الذي لعبه في الحياة السياسية. ولعل كل جهده قد انصب طوال فترة عبد الناصر على محو آثار تاريخه قبل الثورة أو تبييضه، وكان جل جهده طوال فترة حكمه قد انصب على محو آثار تاريخه في ظل عبد الناصر أو إعادة صياغته. وهكذا ستجد أن أنور السادات رجل راح يمحو كل تاريخه أو يكيفه من جديد على مقاس رب العائلة وكبيرها والحاكم بأمره فيها، ويحاول أن يطابقه مع الصورة التي أرادها لنفسه في عيون الآخرين.

[1] يصف الأستاذ محمد حسنين هيكل السادات في تلك اللحظة فيقول: في اليوم الذي بلغت فيه العاصفة ذروتها غادر الرئيس أنور السادات اجتماع اللجنة المركزية وتوجه الى بيته، وليلتها كان مأخوذاً بتوتر الموقف إلى درجة أنه لم يكن قادراً على مجرد الكلام. (المصدر: كتاب أكتوبر 1973 ـ السلاح والسياسة ـ ص 161)

[2] في كتاب «وزير داخلية عبد الناصر (شعراوي جمعة) شهادة للتاريخ» ـ طبعة الأهرام.

[3] (يراجع كتاب خريف الغضب صفحتي 147 و148 طبعة الأهرام.)

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق