رؤى

خبر سعيد جاذبية داعش تتراجع بين الأوربين الذين عادوا إلى بلادهم

سعاد مخينت – مراسلة تغطي قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوربا

جوبي وريك – مراسل يغطي قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والدول المارقة وانتشار السلاح

عرض وترجمة: أحمد بركات

منذ إطلاق سراحه من محبسه منذ عامين، حدث تحول لافت في حياة الجهادي السابق الذي كان يلقب بـ «أبو عائشة». يقول الشاب البلجيكي البالغ من العمر 27 عاما، والذي سافر إلى سوريا في عام 2013، إنه بات يرفض تماما فكرة تنظيم الدولة الإسلامية برمتها، ويفضل الدراسة عن القتال، وينصح الشباب المسلم المفتون بهذا التنظيم  أن: «يبقوا بعيدا عنه»

«لقد رأيت بعيني رأسي ما فعله داعش»، هكذا قال الرجل الذي ينحدر من بروكسل، مشيرا الي الفترة الزمنية التي كان يستخدم فيها اسمه الحركي، ويعيش أثناءها في إحدى جيوب تنظيم الدولة في شمال سوريا. كان حديثه مشروطا بعدم نشر اسمه الحقيقي خوفا من أن يعرض نفسه لأي عمل انتقامي من قبل العناصر الموالية للتنظيم. وأكد أن «أغلبيةالعائدين من سوريا الذين قابلتهم منذ عودتي إلى الوطن، لا تريد أن تُبقي على أي علاقة من أي نوع تربطها بتنظيم الدولة».

تثير كلمات أبو عائشة التي يرددها عائدون آخرون في أوربا حالة من التفاؤل الحذر في جميع أنحاء القارة التي شهدت رحيل الآلاف من مواطنيها إلى منطقة الشرق الأوسط للانضمام للتنظيم. ففي الآونة الأخيرة، وتحديدا قبل عامين من الزمان، كان المسئولون الأوربيون يستعدون للتصدي لموجات جديدة من الهجمات الإرهابية، عندما قرر شباب ونساء مغادرة دولة الخلافة المعلنة ذاتيا من قبل التنظيم، والعودة إلى أوطانهم الأوربية، لينتهي بهم المطاف في أغلب الأحوال إلى سجون مكتظة بإسلاميين آخرين.

مقاتل فرنسي في تنظيم الدولة

والآن تؤكد دراسات أكاديمية ما سبق أن أشار إليه بعض المسئولين عن تطبيق القانون من أنه، برغم المخاوف الأولية، إلا أن الأغلبية الساحقة من العائدين تسعى حتى هذه اللحظة إلى نبذ التطرف، ويرفض كثيرون منهم صراحة فكرة تنظيم الدولة الإسلامية وأساليبه العنيفة.

في هذا السياق، يقول توماس رينارد، الباحث في قضايا الإرهاب، ومؤلف دراسة لم تنشر بعد حول السجون كأداة لنشر التطرف: «هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى تحرر المقاتلين العائدين والسجناء المفرج عنهم من أوهامهم الغابرة». ويضيف: «يبدو أنهم قطعوا اتصالاتهم تماما بشبكاتهم السابقة وقرروا عدم العودة إلى ممارسة العنف …توجد العديد من التقارير الأمنية التي تؤكد ذلك».

توماس رينارد ، الباحث البلجيكي في مجال الإرهاب

وفي حال استمرار هذا التوجه فإنه سيكون بمثابة خبر سعيد لمنطقة كابدت سلسلة من التفجيرات وعمليات إطلاق النار التي نفذها أنصار تنظيم الدولة منذ عام 2015. ويقول المسئولون إن الهجمات الموجهة من قبل تنظيم الدولة قد اختفت تماما في أوربا منذ عام 2017، وأن أعداد الحوادث المرتبطة بالجماعات الإسلامية بوجه عام، بما في ذلك هجمات «الذئاب المنفردة»، قد تراجعت بشكل لافت.

ومع ذلك، وبرغم هذا الهدوء النسبي، يشعر المسئولون الأوربيون بالقلق من أن هذه المكاسب قد تكون (هشة وقصيرة الأجل.) ففي أجزاء أخرى من العالم يبدو أن مؤشر الزخم يميل بقوة باتجاه الإسلاميين، حيث يكتسب تنظيم الدولة الإسلامية مزيدا من القوة في العراق وسوريا قياسا على عدد ونطاق الهجمات التي نجح في تنفيذها في الشهور الأخيرة في معاقله السابقة. وفي جميع أنحاء أفريقيا تشهد المليشيات المتطرفة فورة حقيقية، حيث تسعى جماعات موالية لتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة إلى الهيمنة على مساحات أكبر من المناطق الريفية الممتدة من القرن الأفريقي إلى منطقة الساحل.

في هذا السياق يؤكد مسئولون وخبراء في مجال مكافحة الإرهاب أن استعادة دولة الخلافة، أو ظهور قائد كاريزمي جديد، بعد البغدادي يمكن أن يضع التنظيم مجددا في مكانة الملهم لأتباعه في مختلف أنحاء العالم، كما فعل من قبل، بما في ذلك بعض من نبذوا العنف. كما يؤكد المسئولون أن التداعيات الاقتصادية طويلة الأمد التي خلفها تفشي وباء كورونا ستمنح الجماعات المسلحة المتطرفة فرصة هائلة لتجنيد عناصر جديدة.

أبو بكر البغدادي

«لسنا بهذه الدرجة من السذاجة»، كما يقول أحد مسئولي مكافحة الإرهاب في إحدى دول منطقة الشرق الأوسط التي تراقب حكومتها مئات المواطنين الذين انضموا إلى دولة الخلافة ثم عادوا إلى وطنهم. ويضيف المسئول الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لتعلق الأمر بتقييمات الأمن الداخلي إن كثيرا من المقاتلين العائدين إلى بلده، على غرار أقرانهم في أوربا، يزعمون أنهم «لا يرغبون في أن يكونوا جزءا من تنظيم الدولة الإسلامية، وأنهم أدركوا الخطأ الذي وقعوا فيه». ويضيف: «لكن البعض منهم قد ينضمون غدا إلى جماعة جديدة، أو يقاتلون في صفوف ’داعش‘ جديد.. لا يمكن أن تكون متأكدا بنسبة 100%». 

نبذ التطرف

يبدو أن بلجيكا تواجه تحديا أكبر من معظم الدول الأوربية الأخرى في التعامل مع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية السابقين الذين عادوا إلى بلادهم. فهذه الدولة الصغيرة التي تتعدد فيها اللغات، برغم أن تعداد سكانها لا يتجاوز [11.5 مليون نسمة،] كانت سجلت أعلى معدلات هجرة إلى العراق وسوريا قياسا على جميع الدول الأوربية الأخرى، حيث انضم 500 من مواطنيها إلى جماعات إسلامية مسلحة في أوربا في الفترة من [2013 إلى 2016].

وفي [22 مارس 2016، ]قامت خلية إرهابية موالية لتنظيم الدولة الإسلامية بتفجير ثلاثة قنابل في إحدى محطات مترو الأنفاق وفي المطار الدولي في بروكسل، مما أسفر عن مقتل [32 ]مواطنا. لفت هذا الحادث أنظار المسئولين بقوة إلى حجم المخاطر الإرهابية الذي تتهدد البلاد. وفي الحال، قام البرلمان بتمرير قوانين جديدة مشددة أدت إلى سجن عشرات الرجال والنساء البلجيكيين العائدين من الشرق الأوسط، بغض النظر عما إذا كانوا قد عملوا كمقاتلين أم لا، وتم إيداع المقاتلين الذين كان يُنظر إليهم على أنهم العناصر الأكثر خطورة في وحدات خاصة بالمتطرفين يطلق عليها CelEx، كانت توجد فقط في أكبر السجون البلجيكية.

تفجيرات بروكسل 2016

كان خبراء الإرهاب يخشون من أن يقوم المتشددون الإسلامويون العائدون بنشر أفكارهم المتطرفة في أوساط السجناء الآخرين، مما  قد يؤدي إلى اندلاع موجة جديدة من العنف. لكن، حتى الآن، لم يترجم هذا التهديد إلى حقيقة على أرض الواقع، وبدلا من ذلك، أظهرت الجهود البلجيكية لإعادة تأهيل العائدين دلائل أولية على النجاح، حيث لم يبد السجناء الذين أنهوا بالفعل فترات عقوباتهم أي علامات على نبذ السلمية والتحول إلى العنف، وتراجعت أعداد السجناء في وحدات CelEx باطراد، بحسب دراسة لم تُنشر بعد عن «المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي» في كينجز كوليدج بلندن.

فمن بين [368] سجينا تم إطلاق سراحهم بعد أن أمضوا فترات عقوباتهم في وحدات CelEx في الفترة بين عام [2012] وبداية هذا العام، «لم يتورط أحد بشكل مباشر في عملية أو مخطط إرهابي»، كما كشفت الدراسة. وأكد مسئولون بلجيكيون، من خلال مقابلات مع معتقلين سابقين، أن [84%] من الذكور العائدين من منطقة الشرق الأوسط و[95%] من النساء قد «أبدوا علامات على نبذ الأيديولوجيات المتطرفة» منذ عودتهم. ومن بين هؤلاء الذين لا يزالون قيد السَجن، تبنى حوالي [50%] تحولا مشابها.

«هناك مؤشرات على أن التطرف في السجون ربما أصبح أكثر بطأ، أو على أقل تقدير أكثر كمونا»، كما ورد في التقرير الذي نُشرت نسخة مسبقة منه في صحيفة واشنطن بوست. وأضاف التقرير: «في حقبة ما بعد دولة الخلافة، باتت «السردية الجهادية»، أقل جاذبية للسجناء سريعي التأثر. كما تراجعت أعداد المجنِدين الأكثر نشاطا داخل السجون».

لكن الدرسة طالبت بتوخي الحذر، مشيرة إلى أن نبذ التطرف يمثل «عملية طويلة يكتنفها كثير من الغموض والضبابية، ومن ثم فهي لا تخضع لمقاييس». وقد نفذ المسئولون البلجيكيون برنامجا مكثفا للتواصل مع السجناء السابقين. يتضمن هذا البرنامج تفاعلا مكثفا مع الشرطة، وتقديم المساعدات من قبل مستشارين واختصاصيين اجتماعيين لهذه الشريحة لضمان إعادة دمجها بصورة ناجحة في المجتمع البلجيكي. 

ويشير رينارد، كاتب التقرير، إلى أن أقلية صغيرة من النزلاء السابقين في وحدات CelEx تتمسك بآراء متطرفة وستخضع للمراقبة الدقيقة من قبل أجهزة الشرطة. لكن المخاوف من تبني مجموعات كبيرة للجهاد في بلجيكا قد تراجعت بوجه عام، كما أوضح رينارد.

«بطريقة ما، رجعنا إلى نقطة أكثر قابلية للإدارة؛ هناك عدد أقل من الحالات يمكن إدارته ومعالجته»، كما قال رينارد. وأضاف: «لا يعني هذا مطلقا أن التهديد الإرهابي قد تلاشى؛ ربما لا يشكل أغلب الخارجين من السجون مصدر تهديد، لكن البعض سيكونون كذلك».

لكن النجاحات التي حققتها بلجيكا حتى الآن ترجع في واقع الأمر، بدرجة أو أخرى، إلى إخفاقات تنظيم الدولة. لقد كان إعلان قيام دولة الخلافة في عام [2014] في منطقة الشرق الأوسط هو الحدث الذي جذب في البداية آلاف المسلمين من أوربا وأمريكا الشمالية إلى العراق وسوريا. 

لكن منذ عام [2015]، بدأ التنظيم يخسر معركة تلو الأخرى أمام التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت هذه الهزائم ذروتها بتدمير آخر معاقل التنظيم في سوريا في بداية عام [2019]، ومع خفوت وهج الوجود المادي للدولة على الأرض، انحسر أيضا مد الحماسة لهذا المشروع لدى أنصاره الأوائل. كما أصيب أنصار سابقون بخيبة أمل جراء الأساليب الوحشية التي استخدمتها الجماعة، والتي شملت تنفيذ أحكام إعدام مصورة في شرائط فيديو، وعمليات الاستعباد والاغتصاب المنهجية ضد الأسيرات.

بلجيكا والحرب على داعش 2016

في هذا السياق، يقول أبو عائشة العائد من سوريا إنه حزم حقائبه للعودة إلى الوطن بعد ثلاثة أشهر فقط من العيش في المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة بالقرب من حلب. وبعد أن أخبر قائده المحلي عن عزمه الذهاب إلى تركيا لرؤية زوجته، غادر سوريا إلى غير رجعة. وقد أودت به الفترة القصيرة التي تقلد فيها دور الجهادي إلى إيداعه السجن فترة من الزمن قابل خلالها سجناء آخرين جعلت منهم خبراتهم مع تنظيم الدولة مناوئين له.

«لقد كره الناس الطريقة التي امتدت بها يد التنظيم بالقتل إلى من لم يتفقوا معهم، وأيضا الطريقة التي دخلوا بها إلى المساجد حيث ذبحوا خصومهم»، كما أوضح أبو عائشة. ومع ذلك، يعتقد الرجل أن بعض رفاقه في السجن قد يُغرون مرة أخرى بتبني قضايا متطرفة. «يوجد العديد داخل السجون سيسهل التأثير عليهم بشيء جديد. اذ إنهم لا يزالون يحلمون بجماعة جديدة أو رمز جديد».

وتشهد احتمالات ظهور هذه الجماعة الجديدة ارتفاعا مطردا في الشهور الأخيرة، كما يؤكد مسئولو مكافحة الإرهاب. فبرغم سقوط دولة الخلافة، إلا أن تنظيم الدولة لم يهزم تماما، ويواصل نشاطه في العراق وسوريا وعبر شبكة من الجماعات الموالية المحلية من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا.

ويظهر تحليل جديد للهجمات الإرهابية لتنظيم الدولة صعودا مطردا في عدد العمليات في كل من العراق وسوريا، بعد انحسار موجة العنف في العام الماضي، حيث نفذت الجماعة [566] هجوما داخل العراق وحدها في الأشهر الثلاثة الأولى من عام [2020]، مقارنة [بـ 292] عملية خلال الفترة نفسها في العام الماضي. وتعيد هذه النسبة من العنف إلى الأذهان أحداث عام [2012] عندما اكتسبت الجماعة زخما كبيرا قبيل اجتياحها العسكري لشرق سوريا وشمال وغرب العراق، كما يقول مايكل نايتس، زميل أول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وأحد مؤلفي الدراسة التي تم نشرها من قبل “مركز مكافحة الإرهاب” بالأكاديمية العسكرية الأمريكية.

«مايكل نايتس»، زميل أول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

ولا يمثل تعافي الجماعة وقدرتها على استعادة نشاطها مفاجأة حقيقية. فقد وضع قادة تنظيم الدولة الإسلامية أسس حملتهم قبل وقت طويل من سقوط دولة الخلافة عن طريق نشر المقاتلين وإعادة موضعة الأسلحة والمتفجرات والمؤن والإمدادات، كما يقول نايتس في معرض تقديمه للنتائج التي توصل إليها في نهاية مايو الماضي. وأضاف: «يوجد المئات أو ربما الآلاف من مخابئ الأسلحة في كهوف الجبال المنتشرة في جميع أنحاء العراق، كل منها يشبه صندوقا قابلا للانفجار».

وبينما لا تمتلك الجماعة القوة الكافية للسيطرة على عدد من المناطق، وإعلانها قيام دولة جديدة على غرار ما حدث في عام 2014، إلا أنها تستفيد بدرجة كبيرة من حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في كل من العراق وسوريا، كما يؤكد خبراء  مكافحة الإرهاب. وتسود ظروف مشابهة في أجزاء من غرب أفريقيا، حيث بدأت الجماعات الموالية لتنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة في ممارسة هيمنة فعلية على المناطق الريفية التي تضعف فيها سيطرة الحكومة المركزية.

والآن، بينما تنشغل أغلب دول العالم بمواجهة الجائحة العالمية والاضطرابات الاقتصادية، ربما يرى تنظيم الدولة في ذلك ظروفا مواتية لتحقيق طموحاته في سياق زمني أقل، كما يقول مسئول غربي رفيع المستوى في مكافحة الإرهاب طلب عدم الكشف عن هويته لتعلق الأمر بتقييمات أمنية شديدة الحساسية. ويضيف: «ينصرف تركيز قوات الأمن في العديد من دول العالم على مواجهة كوفيد – 19. وقد يؤدي هذا إلى رفع كثير من الضغوط عن كاهل هذه الجماعات، وخلق مساحة تسمح لها بإعادة بناء نفسها، وهو ما يثير قلقنا بدرجة كبيرة».

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق