ثقافة

‎الحركة النسوية الأمريكية.. انتزاع الحقوق اقترن بمكافحة العنصرية البيضاء

‎أعادت التظاهرات المناهضة للعنصرية التي اندلعت بالولايات المتحدة الأمريكية عقب مقتل الشاب جورج فلويد وتحطيم التماثيل التي ارتبطت بالعنصرية وتجارة الرقيق إلى الأذهان تاريخ طويل من النضال الإنساني كان للحركة النسوية فيها باع طويل، حيث ارتبطت قضية تحرير المرأة بقضية مناهضة العبودية حتى أن مؤرخي الحركة النسوية الحديثة يربطون تاريخ نشأتها بتاريخ التحرر من العبودية وبالثورتين الأمريكية والفرنسية على حدا سواء.

‎سوزان ألس واتكنز ومريزا رويدا ومارتا رودريجوز) في كتابهن «الحركة النسوية» الذي ترجمه إلى العربية جمال الجزيري ونشر ضمن أعمال المشروع القومي للترجمة يتناولن تاريح الحركة النسوية وتأثير الثورة الفرنسية عليها والرواد الأفارقة بأمريكا وحركة النساء البريطانيات والأجيال المتعددة من الحركة النسوية والقضايا المختلفة التي نضالت النساء من أجلها وغيرها من التفاصيل الخاصة برصد التاريخ النضالي للحركة النسوية حول العالم

‎الأفارقة الرواد والهروب طريقا للتحرر

‎الصراع من أجل الحريات الديمقراطية خلال الثورة الفرنسية منح نساء أوروبا بارقة أمل ساعدتهن على الخطو قدما نحو طريق التحرر والمساواة غير أن الوضع في أمريكا كان جد مختلف حيث مثلت حركة مناهضة العبودية ممرا رئيسا لعبور النساء نحو تحقيق غايتهن في التحرر. وانتزاع الحقوق.

‎رصد الكتاب عدد من النماذج المشرفة لنساء ناضلن من أجل التحرر من العبودية بأمريكا وغرسن بدورهن النضالي ذاك أولى بذور الحركة النسوية بأمريكا كان من بينهن هارييت توبمان (1833- 1913) صاحبة مقولة: «كان أمامي خيار من خياريين .. الحق في الحرية أو الموت» .. هاريت تلك السيدة التي ولدت كعبدة بولاية ميريلاند وتمكنت من الهرب وهى  بعمر الخامسة والعشرين مع إخوتها عبر السكك الحديدية من ولايات العبيد بالجنوب إلى ولايات الشمال الأمريكي ومن ثم صارت واحدة من أشهر «المرشدات» على طريق السكك الحديدية حيث تمكنت من مساعدة أكثر من ثلاث مائة أمريكي من أصول أفريقية على التحرر كان من بينهم شباب ونساء بأطفالهن الرضع.

«هارييت توبمان» ناشطة في مجال إلغاء الرق وحقوق الإنسان

‎بتوقيت متقارب ولدت إيلين كرافت (1826- 1891) في كلتون بولاية جورجيا لأب يمتلك مزرعة ويدعى جون سميث كان لديه نصف دستة أطفال بيض من زوجته والعديد من الأطفال الأخرين مختلطي الدماء، وكانت والدة إلين «عبده» تعمل بالمنزل لدى الأب، وتمكنت إيلين في العشرينات من عمرها من ترك المنزل وكسب عيشها من العمل في حياكة الملابس ومن ثم تزوجت وليام كرافت صانع الأثاث المحلي الذي دعاها للهرب معه حتى لا يأتي أطفالهم إلى الحياة وهم عبيد مثلهم.

‎هربت إيلين ووليام ومن ثم تمكنا من تأسيس منزلا بحي السود ببوسطن وأصبحا متحدثين بارزين في جمعية مناهضة العبودية إلى أن أجبرهما قانون العبيد الهاربين عام 1850 على الهروب مجددا لكن كانت لندن وجهتهما في هذه المرة، وبعد الحرب الأهلية عادا الزوجان إلى جورجيا وأشتريا مزرعة وأدارت إيلين مدرسة للأطفال من أصول أفريقية لعدة سنوات حتى وافتها المنية.

إيلين، ووليام كرافت

الحكومة كانت تقتل الرائدات الأفرو أمريكيات

‎يرصد الكتاب العديد من القصص الملهمة لرائدات الحركة النسوية كما يشير إلى أنه ومع تصاعد الإهتمام بحركة مناهضة العبودية تم تأسيس عدد من الجمعيات والروابط الداعمة للحركة ضمت نساء من أصول أفريقية إلى جانب نساء من البيض في محاولة للتأكيد على أن النضال نحو التحرر من العبودية يعد قضية تخص المجتمع ككل.

‎في عام 1833 أنشأت سارة ماب دوجلاس «الجمعية النسائية لمناهضة العبودية» مع هاريت بيرقيس وسارة ومارجريتا فورتن وبعض النساء البيضاوات ممن أطلق عليهن الصاحبيات، ومن منصات تلك الجمعية استمد رواد حركة حقوق النساء الأمريكيات إلهامهن الأصلي ومبادئهن الأساسية التي انطلقن منها.

‎غير أن الراوبط التي جمعت بين النساء من أصول أفريقية والنساء البيض لم تكن بالضرورة تمثل حالة من الإنسجام التام بين أعضاء تلك الراوبط حيث ساد الصراع الداخلي بعدد من تلك الراوبط وكان الصدام بينهما في بعض الأوقات حتميا، إلا أن العديد من النساء من أصول أفريقية قد تمكن من إعادة إكتشاف تراثهن الإفريقي وهو ما قد ساعدهن نسبيا على مواجهة تلك الصراعات التي كانت تواجههن.

‎بتلك السنوات الأولى من حركة تحرر المرأة لجأت الحكومة الأمريكية إلى التصفية الجسدية لحركة «القوة السوداء» حيث هاجمت مكاتبهم بالأسلحة الآلية، وتم إطلاق النار على قادتهم وهم نائمون، وعانت النساء السجينات خلال عمليات الوضع من العنف حيث كن يضعن أطفالهن تحت الحراسة المسلحة وبمجرد وضع المولود كان يتم إنتزاع الأطفال الرضع من أمهاتهم بالحال.

‎بالسجن بدأت أنجيلا ديفيس في البحث في التاريخ السري للنساء من أصول أفريقية ودورهن أثناء عصر العبودية، ومن ثم أثارت العديد من القضايا التي تخص دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع بشكل عام.

أنجيلا ديفيس

النيو ليبرالية عدو الحركة النسوية

‎تمكنت النساء عبر نضالهن الطويل من الوصول لتحقيق بعض مطالبهن ومازلن ينشئن شبكات مساندة لأنفسهن داخل مجالات العمل المختلفة حيث تعقد جماعات النساء في النقابات العمالية لقاءات غير رسمية كي يتقاسمن همومهن في محاولة للضغط من أجل شروط عمل أفضل غير أن الغريب في الأمر الذي رصده الكتاب قد تمثل في أنه من سخرية القدر أن يكون أكبر رد فعل معادي للحركة النسوية ببريطانيا على سبيل المثال قد بدأ بداية جدية مع إنتخاب أول رئيسة وزراء بريطانية وهى مارجريت تاتشر، حيث جاءت وهى على طرف نقيض مع كل ما تدعوا إليه الحركة النسوية من مطالب تتعلق بنظام صحي أفضل وحقوق أكثر للعاملات ومجتمع رعاية مفتوح.

«مارجريت تاتشر» أول رئيسة وزراء بريطانية 

‎في الولايات المتحدة وفقا لوصف الكتاب أدعى ريجان أنه «داعية تحرر» إلا أن الواقع المعاش قد شهد كارثة إجتماعية حيث تم تخفيض كل الخدمات العامة التي اعتمدت عليها المرأة أو تم إلغائها تماما كما تم محو المكاسب المحدودة التي كانت قد حققتها المرأة داخل الحركة النقابية العمالية.

رونالد ريجان

‎نجم عن مجمل تلك السياسات التقشفية التي تم تطبيقها في بريطانيا وأمريكا أن ظهرت فئة أطلق عليها الكتاب «طبقة تحتية» من الفقراء المعدمين والعاطلين مثلت النساء نسبة 65% من حجمهم في بريطانيا.

‎في أمريكا تصاعدت العنصرية والأصولية الدينية التي أفسحت المجال نحو عودة التيار اليميني المعادي لأغلب ما قد حققته الحركة النسوية من مكتسبات. إلا أن الحركة النسوية مازالت تناضل من أجل الحفاظ على ما انتزعته من مكتسبات.

‎وتستعين مؤلفات الكتاب بتقرير قديم للأمم المتحدة صادر سنة 1980 يشير إلى أن النساء كن يمثلن نصف سكان العالم ويؤدين ثلثي ساعات العمل، ويحصلن على عشر دخل العالم، ويمتلكن أقل من 1% من ملكيته لكن يظل التساؤل المطروح: هل تغيرت تلك الإحصاءات كثيرا خلال الأربعين عاما الماضية؟!.

‎الكتاب يرصد عددا من المؤشرات الإيجابية الدالة على تحقيق الحركة النسوية لعدد من المكتسبات منها تمكن النساء من تحطيم أبواب العديد من مجالات العمل الجديدة التي لم يكن مسموحا لهن الإشتغال بها ويناضلن من أجل قهر الصعوبات الناشئة من سيطرة الرجال على بعض تلك المهن، ومازال «في جعبةالنضال النسائي ما هو أفضل».

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق