ثقافة

الواو.. فن الشفاه

يتفرد صعيد مصر خاصة المحافظات التي تقع في أقصى الجنوب بالعديد من الفنون الأدائية الشفاهية الشعبية ذات الطابع الارتجالي، وليس هذا بغريب على مجتمعات تعرف قيمة الكلمة وتبحث عن الجمال فيها، وتعبر بالكلمات والأفعال عن قيمها وعاداتها وتقاليدها الراسخة، هذا الاهتمام دفع الكثيرين إلى القول بأنك إذا قلبت حجرًا في صعيد مصر ستجد تحته شاعرا. يمكن رصد هذه الفنون الشعبية القولية المتنوعة في جنوب مصر في فن «الكف» بنوعيه الفردي والتحدي، وكذلك فن «النميم»، و«الموال» بجميع صوره الرباعي والخماسي والسداسي والسباعي والثماني، بالإضافة إلى رواية السيرة الشعبية شعرًا وصياغتها على شكل مواويل بصور مختلفة، ومن بينها أيضًا فن «الواو». فن الواو فن شفاهي يلقى إلقاء، دون أدوات غنائية مصاحبة، هو ليس فن غنائي، وإن غنى بعض المطربين كلماته، مثل ما غنيت واوات كثيرة لابن عروس مسلسل ذئاب الجبل، والواو الشهير: «ولا بد من يوم معلوم تترد فيه المظالم… أبيض على كل مظلوم وأسود على كل ظالم»

وبعد عبدالستار سليم من أشهر من يقدمون فن الواو حاليا، وبرغم شهرته في الصعيد، إلا أنه لم يعرف في القاهرة إلا بعد ان رفع قضية على بعض الشعراء والمغنيين لاستخدام «واواته» ومنهم الشاعر هشام الجخ والمعنى مصطفى كامل الذي استخدم الواو التي تقول:

«عيني رأت سرب غزلان

فيهم غزاله شريدة

وانا قلبي لمّا اتنغز لان

شاور وقال لي شاري ده»

الشاعر «عبد الستار سليم»، وفن الواو

ابن عروس

أشتهر فن الواو في بعض أنحاء الصعيد منذ بدايات القرن العشرين، وكان من أبرز نجومه الذين ذاعت شهرتهم على المستوى المحلي، فيما يعرف بالفرش والغطا، شاعران هما الشيخ محمد عبدالواحد والعمدة خالد أبو كراع، اللذان توفيا في النصف الأول من القرن العشرين.

نشأ فن الواو في جنوب قنا وبالتحديد في مدينة قوص على يد ابن عروس، الذي حاز السبق في هذا المضمار وأسس لهذا الفن، ولكن علينا أن نسأل هنا من هو ابن عروس؟ للحق إن المصادر حول الرجل الذي شغل الناس بفنه ولهجت به الألسن تكاد تكون شحيحة، فهو أحمد بن عروس ولد عام 1780م في قرية «مزاته» التابعة لمركز قوص جنوب قنا، إبان عصر المماليك الذين استعانت بهم الدولة العثمانية في البطش بالشعب المصري والتنكيل وجمع الضرائب، وما عرفوا به من فساد وظلم شديد، في هذا العهد ولد ابن عروس في أسرة فقيرة، وقد منحته الطبيعة جسما قويا وقلبًا كالصخر لا يلين، استخدم هذه القوة  في البطش والسرقة وفرض الإتاوات على الناس، حتى هابه المماليك والأهالي وأصبحوا يحسبون له ألف حساب، إلى أن أدركه الكبر وخشي أن يقابل الله بكل المعاصي والذنوب التي ارتكبها، فتاب إلى الله وبدأ ينشد أشعاره وحكمته في الحياة لينسج على غراره العديد من القوالة من بعده.

وتتعدد الروايات حول أسباب توبة ابن عروس، ومنها أنه ذات مرة كان يسير في الطريق وكانت هناك عروسًا في هودجها في طريقها إلى بيت عريسها فلما رآه من يجرون الجمل تنحوا خوفًا منه وفروا هربا عنها، فذهب «ابن عروس» إلى العروس وتحدث معها وإذا بالجمل أثناء الحديث يمد عنقه ويأكل من الزرع فقالت العروس مخاطبة الجمل «يا جمل العروس لا ترعى الندى.. العقبة طويلة والملتقى غدا» ولما سمع ابن عروس هذا الكلام، وشعر بتقوى وإيمان الفتاة أشرقت العناية الإلهية على قلبه وتاب توبة نصوحا، وأخذ بزمام جمل العروس وسار بها إلى أهلها وخرج من عندها إلى داره فخلع ما كان عليه من الثياب الفاخرة، ولبس خشن الثياب وخرج هائما في وسيع الجبال ينشد حكمته.

ابن عروس

وهناك روايات تُرجع سبب توبته إلى أن رجلين من عصابته قد سرقا أحد الأغنياء وغنما الكثير، فطلب أحدهما من الآخر أن يذهب ليُحضر طعاما له، وقد نوى أن يغدر بصاحبه حين يعود لينفرد بالمال، وبالفعل حين عاد قتله، وكان المقتول قد فكر في الأمر نفسه وسم الطعام، فمات الثاني من السم، وحين عاد ابن عروس إلى المغارة وجد قتيلين في المغارة والمال كما هو، فعرف ما حدث وقال «دنيا تلاهي… حازوها الملاهي… عبوها في شكاير… وفاتوها كما هي» وتاب بعد هذه الحادثة.

وهناك رواية ثالثة تزعم أنه تاب بعد أن هربت عروس شابة كان يريد أن يتزوجها وهو شيخ، إلا أنها كانت تحب ابن اعمها الشاب مثلها فهربت معه عشية العرس، فنزل هذا الخبر كالصاعقة على ابن عروس وهام على وجهه في البلاد بعد ضاعت هيبته، وكرامته وهربت الفتاة التي أحبها، فلبس خشن الثياب وزهد في الحياة، فهذه الصدمة العاطفية التي مني بها حولته من وحش ذي جبروت إلى زاهد في الحياة متصوف ينتقل من بلد إلى بلد، وهو ينشد فنه «الواو» الموزون على بحر «المجتث» العروضي. وهناك من يقول إنه تقدم لعروس جميلة شابة فاشترطت كي يتزوجها أن يتوب عن الذنوب التي ارتكبها فتاب وكان منه ما كان.

ورغم ذلك فقد تشكك رواد كبار في وجود «ابن عروس» ومن أشهر هؤلاء الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودي» الذي أشار في البدء إلى أن ابن عروس شخصية أسطورية مثل «جحا» ويضيف إليها الناس الأشعار، كما يضيفون إلى حكايات «جحا»، ثم ذكر في موضع آخر: أن ابن عروس تونسي، معتمدًا على أن هناك متصوفًا تونسيًا يدعى ابن عروس وقد ذكره الزركلي في أعلامه. باحثون آخرون دافعوا عن حقيقة وجود ابن عروس بالإشارة إلى أن أزجاله التي وصلتنا إنما تعبر تعبيرًا صادقًا عن البيئة المصرية في الجنوب من طعامها وزرعها ونيلها وعادات أهلها وحكمهم وأمثالهم ولغتهم أيضًا التي تسربت إلى أشعاره.. وعند هؤلاء الواثقين من حقيقة وجود ابن عروس فان إنكار الابنودي لابن عروس ومصريته .. ربما كان قناعة شخصية غير مبنية علي تدقيق تاريخي حاسم؟

الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، وكتابه «ابن عروس.. ليس مصريا وليس شاعرا»

وديوان ابن عروس عبارة عن مخطوطة مودعة بدار الكتب المصرية، ولا يزيد عدد صفحاته عن عشرة  من القطع المتوسط، وعدد أبيات الديوان يصل إلى 121 بيتًا، وقد قام بنشر هذا الديوان «ابن بثينة» في كتابه «الزجل والزجالون»، وكذلك أحمد سليمان حجاب في كتابه «قال ابن عروس» وقام بعمل تحقيق ودراسة للديوان الدكتور «غريب محمد علي» بعنوان «ديوان أزجال ابن عروس» كما قام بتحقيق الديوان أيضا الشاعر «مسعود شومان» في كتابه «مربعات بن عروس» وقد اختلف في هذا الكتاب مع  كلام الأبنودي حول عدم مصرية ابن عروس.

كتاب الزجل والزجالون لـ «ابن بثينة»

لماذا.. «الواو»؟

تختلف الآراء حول سبب تسمية فن «الواو» بهذا الاسم، فهناك من يُرجع سر التسمية إلى أن الشاعر كان يقول قديمًا «وقال الشاعر» ثم يبدأ في إنشاد المربع، وحين يكون شاعران لفن الواو يقول الثاني «وأزيدك» فبسبب تكرار الواو جاء هذا الاسم، وهناك من يقول إن التسمية جاءت بسبب شكل الواو وما بها من انسيابية وغموض، وهو ما يتناسب مع غموض بعض كلمات هذا الفن التي يكون في بعضها جناس كامل، وفريق يذهب إلى أن سر التسمية يعود إلى كلمة «واوا» المصرية القديمة التي تعني القهر، وأن هذا الفن قد ارتبط في بدايته بمقاومة قهر وظلم المماليك للمصريين قبل أن تتعدد أغراضه الفنية.

أما عن شكل فن الواو فهو يتكون من 4 شطرات، ولذلك يطلق عليه أيضا «فن المربعات» وهو قريب في ذلك من الموال الرباعي، ففي فن الواو تكون الشطرة الأولى والثالثة متطابقة القوافي، والشطرة الثانية والرابعة متطابفة القوافي بهذا الشكل (أ..ب..أ..ب) منها قول ابن عروس (دنيا غرورة وعقصة… كيف السمك المداور… تدي لكل زول رقصة… ووقت السفر لم تشاور) ومنها قول الشيخ محمد عبدالواحد (بكت العواهر بلا دموع…ولمين أقدم بلاغي… كلام النساء صار مسموع… وكلام الرجال صار لاغي) وهو ما يختلف عن الموال الرباعي الذي يكون بهذا الشكل، تكون ثلاثة أشطر منه بقافية واحدة فيما تكون الشطرة الثالثة منه  (أ…أ…ب…أ) ومنها قول الشاعر:

يا عبــــد واجـــب تلِــــف الـــدنيا وتـــراهــا (ترى أحولها)

تشبـــه ربـــاب الحَـــلَـب بــيـنـوُح وتــــراها (الوتر)

والخـــلق تــايهـة مابيــن ظـالم وبيـن مظلـوم

ونــسيـــوا نــوم اللحـــود والأرض وتــراهـــا(التراب/ طمي النيل).

وهناك فن النميم وهو موال رباعي أيضًا غير أن جميع قوافيه تكون واحده (أ…أ…أ…أ) ومنها قول الشاعر

(تفرق ع البنات والفرق شاسع وساحق/ ولما بشوفها نبضي بيصير متلاحق /تاخد امتياز وباقي البِنته ملاحق/ ومن كُبر النهود التوب بطنها ما لاحق).

(لي مده وسنين عليه ومِتْشَفْ شَافو/ ونشف الريق معاي والجسم زاد في نشافه/ لو شافوه علالة من ع الفراش يتشافوا/ شافوه العيون تاني النوم ما شافوا)

فهذه أشكال من الفنون متشابهة والفروق بينها تكاد لا تبين، إلا على الباحث المدقق، وأرباب هذا الفن

فن التباري .. والتساجُل

الشيخ زين ومربعات ابن عروس

ولأن فن «الواو» هو فن شفاهي، فإنه يتفاعل قائلوه في الجنوب مع جميع الأحداث الدائرة بالإضافة إلى النزعة الصوفية التي بدأ بها هذا الفن على يد ابن عروس، ومن صور هذا الفن التي يحبها أهل الجنوب حين يجتمع شاعران لفن الواو  ويتباريان فيما بينهما، ومن هذه المباريات ما حدث  في مدينة «إسنا» بين شاعرين في النصف الأول من القرن العشرين، الشاعر  الأول من الضفة الشرقية للنيل في وهو محمد عبدالواحد نقيب أشراف إسنا وقنا، والثاني عمدة قرية الكيمان والحاصل على البكوية خالد أبو كراع وهو من الضفة الغربية من النيل، الذي قال مفتخرًا بأن أهله لا يعطون بناتهم إلى أغراب:

جدنا مات ما عطى حد

ويُسمى قليد العرايب

تموتي يا بيضة الخد

ولا نعطيك للغرايب

فرد عليه الشاعر محمد عبدالواحد

إنتو صحيح…

 جدك مات ما عطى حد

ويُسمى قليد العرايب

لكن البت لو خاطرها في الود

تاخده وتروح الخرايب

فن الواو في صعيد مصر

ويحفظ الكثيرون من أهالي إسنا والجنوب هذه المساجلات التي دارت بين هذين القوالين، وقد ساهم «محمد عبدالواحد» ووظف فن الواو في حل الكثير من المشاكل الثأرية وغيرها من المشاكل في صعيد، وهناك الكثير من الروايات التي يحكيها الناس هنا حول هذا الرجل «محمد عبدالواحد» الذي تحول إلى أسطورة في هذا المضمار بسرعة بديهته وقوة قريحته، فمن هذه المواقف أن أحد علماء الأزهر زار صعيد مصر، ونزل بقصر أحد بشوات مدينة أرمنت وأراد أن ينازله في فن الواو، والعلوم الشرعية، ولم يتصد له إلا محمد عبدالواحد ومنها أن ذلك الشيخ سأله عن ربع في القرآن الكريم لا يوجد به حرف الشين، وهذا النوع من الواوات يسمى «واو الألغاز»:

في سبع ربط بلا شين

تفنى الخلايق وصوره

فيه ربع في القرآن بلا شين

قولي موجود في أنهي صوره

فرد عليه محمد عبدالواحد بأنه الربع «ولو أردوا» في صورة «التوبة» قائلًا:

صحيح في سبع رابط بلا شين

وادي الحق يفعل مرادوه (ما يريد)

في صورة براءة بلاشين (بلا شك)

في ربع «ولو أرادوا»..

وقد تعددت أغراض هذا الفن كتعدد أغراض الشعر فمنها الواو الأخضر أي الغزل ومنها قول الشاعر المعاصر عبدالستار سليم:

خايف أقله يقول له (أي يقول لا)

والقلب مرعوب وخايف

ابقي وقولي له يا قله (القلة إناء فخاري يشرب منه الماء)

حين توردي ع الشفايف

ومنها ما يقال من الواوات في الرثاء، وفي المديح، وفي الأغراض الاجتماعية المتعددة فهو فن في النهاية يعبر عن حاجات المجتمع الذي نشأ فيه، وهذا سبب بقاء شعرائه حتى الآن وانتشار أبيات هذا الفن على ألسنة الناس، وهوما يحتاج من باحثي الأدب الشعبي الاهتمام بجمعه لما يمثله من أهمية ثقافية واجتماعية وأخلاقية وحضارية.

مقالات ذات صلة

إغلاق