رؤى

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (5) هل فصل الدين عن الدولة هو خصوصية مسيحية بينما المزج بينهما هو من خصوصية الإسلام؟

ناقش المقال السابق (الرابع) في هذه السلسلة الفكرة الخاطئة المتمثلة في اعتياد بعض الباحثين في الغرب على التعامل مع «الإسلاموية» – أى فكر جماعات الإسلام السياسي – علي أنها الإسلام نفسه وأنها التيار الغالب في عموم المجتمعات الإسلامية. وفي هذا المقال نناقش مسلمة أخرى – يراها خاطئة أيضا – لدى هذه الفئة غير القليلة من الباحثين الذين يعتبرون أن فصل الدين عن الدولة هو خصوصية مسيحية، بينما المزج بينهما بالطريقة التي ينادي بها الإسلام السياسي هي من خصوصية و هوية الإسلام الأساسية.

تبنى الكثير من الباحثين الغربيين – دون فحص كاف – النظریة الإسشراقية لبرنارد لويس التي تقول بأن الإسلام دین سیاسي بطبيعته، تشكل الدولة ركنا من أركانه، وأن الإسلام يأخذ من الیھودیة فكرة القانون الإلھي المنظم لكافة شؤون الإنسان، وإن كان یختلف عنھا في بعده الجھادي لنشر الدعوة في العالم ولو عن طريق القوة، وأن الإسلام في نفس الوقت یقترب روحیاً من المسیحیة و لكنه یختلف عنها في كونه أقام دولة و في أنه لم يأسس كنیسة. خلاصة الأمر أن «برنارد لویس» يري أن المجتمع الإسلامي منذ بدایة العھد النبوي وطیلة تاریخه ظل مجتمعاً له طبیعة مزدوجة سیاسیة ودینیة، لا انفصام بینھما.

برنارد لويس

من المدهش أيضا هنا التطابق بين تيار الاستشراق في قسمه الاستعماري الذي تمثله أسماء مثل برنارد لويس مع بعض المنتمين لتيار دراسات مجتمعات مابعد الاستعمار الرامي إلي فهم صحيح للمستعمرات السابقة، فعلي سبيل المثال ترى «صبا محمود» في كتابها «الاختلاف الديني في عصر علماني» أنه في ظلّ أنظمة ما بعد الإستقلال في العالم العربي الإسلامي يعتقد معظم الباحثين بأن حلّ مشاكل تلك المنطقة من العالم جاهز وواضح بما فيه الكفاية: نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه. تنتقد الباحثة هذا الحل وتحاول أن تثبت العكس.. تحاول أن تثبت بطريقة عبثية أن العلمانية ذاتها هي المشكلة، لدرجة أنها تصل في دراسة لها بعنوان «العلمانويّة والهرمنيوطيقا والإمبراطوريّة: سياسة الإصلاح الإسلاميّ» إلى حد الاعتقاد بأن الخطاب الإصلاحيّ أو تجديد الخطاب الديني هو مشروع إمبرياليّ برعاية الولايات المتحدة الأمريكيّة، وهو نفس ما يعتقده أنصار جماعات الإسلام السياسي.

صبا محمود، وكتابها «الاختلاف الديني في عصر علماني»

وفي الاتجاه ذاته يتفق «جوزيف مسعد» في كتابه «الإسلام في الليبرالية» مع رأي صبا محمود و أستاذها طلال أسد فيقول: «إن مهمة الليبرالية تقتضي إعادة تشكيل الإسلام ليكون على شاكلة المسيحية البروتستانتية الليبرالية»

ثمة حقائق وملاحظات معاكسة لهذا الفهم غابت عن برنارد لويس و عن بعض المنتمين لتيار دراسات مجتمعات مابعد الاستعمار كا الاساتذة طلال اسد وجوزيف مسعد وصبا محمود وغيرهم من الباحثين الذين يدرسون في الأكاديميا الغربية:

جوزيف مسعد، وكتابه «الإسلام في الليبرالية»

  أولاً: أن هذا الصراع علي تفسير علاقة الديني بالسياسي و نمط الحكم داخل الإسلام كان موجودًا حتى قبل ولادة الحداثة الغربية، وانتقالها – للمجتمعات الإسلامية – فالمسلمون من البداية  كان لديهم تفسيرات متعددة لما يفترض أن تكون عليه تلك العلاقة بين الدين والدولة والدين والسياسة عموما، بل وصل الأمر إلى أنهم – كغيرهم من الشعوب – خاضوا حروبًا حول  تفسيرات هذه العلاقة، كما يبين لنا الدكتور عبد الغني عماد في كتابه  «الإسلاميون بين الثورة والدولة».

د. عبد الغني عماد، وكتابه «الإسلاميون بين الثورة والدولة»

ثانياً: أن علاقة السياسي بالديني في صورة  الدولة الإسلامية هي مجرد افتراض تاريخي، أو حدث وقع في التاريخ وانتهي وليست جزءًا من الإسلام كدين وكمعتقد، تماما كما تعسفت الكنيسة في أوربا القرون الوسطى وفرضت نفسها على المجتمع كمرجعية تهب «الحق الإلهي» للملوك في الحكم، باعتباره من أصول الدين المسيحي.

ثالثاً: أن العلمنة – أو على الأقل شكل من أشكال العلمنة – كان جزءًا من تراث الإسلام الكلاسيكي، و بالتالي لا يمكن تقديم «العلمانية» كإنجاز تاريخي باعتباره المنتج الحصري للغرب كما يبين لنا الدكتور مكرم عباس، الباحث المتخصص في الفلسفة السياسية في العصور الوسطى، في كتابه «الإسلام والسياسة في العصر الكلاسيكي».

د. مكرم عباس، وكتابه «الإسلام والسياسة في العصر الوسيط»

رابعاً: كما يؤكد لنا الدكتور «محمد شريف فرجاني» الباحث المتخصص في العلوم السياسية ومقارنة الأديان، أن الأحكام  الاستشراقيّة التي تجعل الرّبط بين القداسة والسلطة حصرا علي الإسلام هي أحكام خاطئة، وهذا ما تكشفه رسالة «القدّيس بولس» إلى «الكورنثيّين» علي سبيل المثال، فهي بحسب «فرجاني» دعوة صريحة إلى طاعة السلطة لأنّها مستمدّة من اللّه.

د. محمد شريف فرجاني، وكتابه «السياسي والديني في المجال الإسلامي»

خلاصة القول أن الربط بين السياسي و الديني موجود في الأديان جميعا. لذا في كتابهما المشترك؛ «العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية»، تؤكد الباحثتان الفرنسيتان؛ كارولين فورست وفياميتّا فينّر و أيضا جيل كيبل في كتابه «ثأر الله، الأصولية في الأديان الثلاثة» بأن الأصوليات في المسيحية و الإسلام و اليهودية لديها تقريبا نفس النظرة للعالم و نفس العداء لفصل الدين عن الدولة.

خامساً: على العكس من الرؤية – عن بعد – التي تميز برنارد لويس والتيار المتعاطف مع الإسلاموية من بعض المنتمين لتيار دراسات مجتمعات مابعد الاستعمار، يميز المفكر الموريتاني اﻟﺴﻴﺪ وﻟﺪ أﺑﺎه في كتابه «الدين والهوية» بین ثلاثة تيارات متمایزة في الفكر الإسلامي المعاصر في النظر لمسألة علاقة السياسي بالديني و تأثير لك علي نمط الحكم، أولها تيار یختصر تلك العلاقة في شكل من أشكالھا التاریخیة، أي في شكل العلاقة التي كان متسيداً في دولة الخلافة والدولة السلطانیة و التي كانت تستند إلى المرجعیة الفقھیة و كانت الإمامة الشرعیة ھي نظامها المؤسسي، الذي لا ھویة خارجه، وتيار ثان یسعى إلى إضفاء الشرعیة الدینیة على الھیاكل المؤسسیة البیروقراطیة للدولة الوطنية الحديثة، ويسعي لتصويب منظومتھا القیمیة التشریعیة، وهنا تصبح الدولة مجرد أداة تنظیم إجرائیة، أى تصبح نظاما بشريا تحكمه منظومة قیم دینیة.

أما التيار الثالث والأخير فیتبنى الدولة الحدیثة ونمط العقلنة السیاسیة بالمعنى الحديث. الدولة هنا هي تجسید لقیم جماعیة مشتركة و هي أداة تنظیم اجتماعي له منطقه الداخلي، الذي لا یتعارض مع أي منظور دیني أو أخلاقي. هذا التيار الثالث علي وجه الخصوص لا يتم أخذه في الاعتبار من قبل الباحثين الغربيين المتعاطفين الإسلاموية بحجة أن من يتبناه هم فقط أقلية متأثرة بالحداثة الغربية و مرفوضة شعبيا، وأن من يمثل خصوصية الإسلام هى فقط جماعات الإسلام السياسي الممثلين للإسلاموية. 

خلاصة الأمر أنه لا يجب مقارنة الإسلام و هو في لحظة زمنية معينة من تطوره لتأبيده فيها و مقارنته بلحظة زمنية أخري لثقافة أخري كانت قد عبرت تلك اللحظة منذ زمن. فكما يوضح لنا عبد الجواد ياسين أنه في سياق المسيحية الغربية، وتحت ضغط التطورات الجذرية (الاقتصادية/ الاجتماعية/ الفكرية) فرضت العلمانية فرضًا على الكنيسة، التي أقرت في نهاية المطاف بالتخلي عن سلطتها التاريخية في المجال العام لصالح فكرة الدولة الدستورية. في المقابل، لم يتعرض الإسلام الفقهي في محيطه الجغرافي بعد، لضغوط جذرية بالقدر الكافي من قبل التطور الاقتصادي والاجتماعي والفكري ربما ساعتها سيتحرك في نفس الاتجاه بطريقته.

اقرأ أيضا:

‎لماذا تتعاطف دوائر عديدة في الأكاديميا الغربية مع الاسلاموية؟ (1)

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (2): هل الإسلاموية لاهوت تحرير أم تكفير؟

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية (3): هل الإسلاموية تيار ينتمي إلى ما بعد الحداثة؟

لماذا تتعاطف معها الأكاديميا الغربية؟ (4): هل الإسلاموية هي الإسلام أم هى التيار المتغلب إعلاميا؟

الوسوم

د. وائل صالح

مدرس مشارك في معهد الدرسات الدولية بجامعة كيبك بمونتريال

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: