فن

فرديناند ديليسبس في الأغاني والسينما والدراما: عدو سهَّل احتلال وخراب مصر

مع عودة مشاعر الغضب إلى قسم كبير من المصريين ونخبتهم حول إعادة تمثال الفرنسي فرديناند ديليسبس إلى موقعه السابق على مدخل قناة السويس في مدينة بورسعيد قد يكون من المفيد مراجعة رؤية الفن المصري لهذه الشخصيه المثيره للاختلاف وكيف رآها المبدعون المصريون على اختلاف إبداعاتهم.

فمع مجيء ديليسبس إلى مصر في القرن التاسع عشر و استغلاله لصداقته لوالي مصر آنذاك سعيد باشا للحصول على امتياز حفر قناة السويس وتسخير مئات الألوف من فقراء المصريين لحفرها، لجأ هؤلاء الذين عانوا من السخرة والأمراض والموت إلى الفن وإلى آلاتهم الموسيقية البسيطة يبثوها همومهم وأحزانهم.

ومن بين الأغاني القليلة التي وصلتنا من تلك الفترة «دور» تقول كلماته:

«على القنال جالس

قاعد ومتوانس

دمك خفيف خالص

وروح يا الغريب»

ومن البديهي أن الغريب المشار إليه هنا هم الأجانب الذين مكنهم الوالي سعيد من رقاب المصريين وهم رجال ديليسبس الذين كانوا هؤلاء الفلاحين يعانون منهم أشد المعاناه.

ووفقاً للشاعر البورسعيدي محمد عبد القادر فإن ديلسبس حين أراد استجلاب العمال عن طريق السخرة للعمل في منطقه حفر القناة لجأ أولا إلى أقرب المدن وهي دمياط، وحين حضر هؤلاء العمال إلى موقع العمل حوصروا بالأمراض و الظروف غير الآدمية، فبدأوا يشكون حالهم من خلال أغنية تقول كلماتها:

«أمانه يا رايح دمياط

تبوس الحلو من الوجنات

وقوله عبدك المغرم علشانك

سلي واهو مات».

وسلي هنا بطبيعة الحال تعني أن المحب قد أصابه السل وهو مرض كان منتشراً بين عمال حفر القناة.

الشاعر محمد عبد القادر، من فيلم «أوتار مصرية»

وحين احتل الإنجليز مصر بمعاونة ديليسبس الذي أتاح لهم استخدام قناة السويس، انتشرت أغنيات أخرى تسخر من المحتلين ومن أعوانهم وفي مقدمتهم الخديوي توفيق.

وحين نشطت حركه المقاومه في منطقه القنال ضد الاحتلال في مطلع خمسينات القرن العشرين أبدع فنانو السمسميه أغنيه تروي قصتهم مع الاحتلال حيث تقول كلماتها:

«بحروف من نور وحروف من نار

اكتب يا زمان مجد الاحرار

في بورسعيد بركان فوار

ما قدرش عليه الاستعمار»

وتمضي الأغنية تقول:

«داسوا أرضي واحتلوها

أيام الخاين توفيق

يا ما هانوها

ويا ما داسوها»

ومع بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو تم إدخال مقطع جديد على الأغنيه يقول:

«لما أتانا جمال

الشعب كله قال

خلاص مافيش احتلال

شافت عينيا نهار»

الشاعر محمد عبد القادر، من فيلم «أوتار مصرية»

من فيلم بورسعيد إلى مسلسل بوابة الحلواني

وكان ديليسبس حاضراً في أزمة السويس عام ١٩٥٦ بداية من خطاب الرئيس عبد الناصر الذي أعلن فيه استرداد القناة وذكر فيه اسم ديليسبس أكثر من مره، وهو الخطاب الذي استخدمه المخرج محمد فاضل كلحظة ذروة في فيلمه التلفزيوني «ناصر ٥٦» مبرزاً حقيقة أن استخدام ناصر لاسم ديليسبس كان في الحقيقة كلمة سر متفق عليها مع كتيبة كاملة من المهندسين والفنيين والعسكريين لكي ينطلقوا بمجرد نطقه لها إلى مكاتب شركة القناة ويسيطروا عليها بالكامل بقيادة المهندس محمود يونس وهو ما تم بالفعل.

ديليسبس كلمة السر، من فيلم «ناصر 56»

ومع نهاية المعركة في ديسمبر عام ١٩٥٦ وانسحاب جيوش العدوان من مدينه بورسعيد، هرع أهل المدينة وفي مقدمتهم الفدائيون الذين تصدوا للعدوان إلى تمثال ديليسبس المقام على مدخل مدينتهم وقاموا بنسفه باعتباره رمزاً استعمارياً على غرار ما يحدث اليوم مع التماثيل ذات التاريخ الاستعماري والعنصري في كل من الولايات المتحدة وأوروبا وهي اللقطة التي اختار المخرج عز الدين ذو الفقار أن يختم بها فيلمه «بورسعيد» الذي أنتج بعد أقل من عام على المعركة.

تفجير تمثال «ديليسيبس» نهاية فيلم بورسعيد

أما على صعيد الدراما التلفزيونية فقد ظهرت شخصية ديليسبس في مسلسل «بوابة الحلواني» للمؤلف الراحل محفوظ عبد الرحمن والمخرج إبراهيم الصحن وجسدها باقتدار الفنان الراحل حسن كامي وأبرز المسلسل ديليسبس كشخص مسؤول بشكل مباشر عن السخرة وما أدت إليه من وفيات تجاوزت ١٢٠ ألف مصري حيث كانت كل حلقة من الجزء الأول من المسلسل تبدأ بديليسبس وهو يتابع سير العمل في القناة ولا يبدو عليه أدنى اهتمام بالعمال أو بأوضاعهم الصحية.

مسلسل «بوابة الحلواني»

وعلى نفس النهج تقريباً سار مسلسل «قصة مدينة» للمؤلف محمد أبو العلا السلاموني والمخرج أحمد خضر والذي تناول قصة نشأة مدينة بورسعيد المصرية، ورغم أن شخصية ديليسبس هنا لم تظهر بشكل مباشر إلا أن المسلسل أبرز قرين ديليسبس -إذا صح التعبير ـ في شخص مسيو لاروش (عادل صادق) مندوب شركه القناه الفرنسي الذي يسعى لإتمام المشروع بأي شكل وبأي تكلفة حتى وإن كانت الاستيلاء على أراضي الفلاحين وربما حياتهم ايضاً.

مسلسل «قصة مدينة»

أما مسلسل «المرسى والبحار» للمؤلف محمد جلال عبد القوي والمخرج أحمد صقر فيبرز ما يمكن اعتباره انتقام المصريين من ديليسبس حين يبرز فرحة واحتفال المصريين بقرار الرئيس عبد الناصر تأميم الشركة ويطرح هذا القرار باعتباره إنصافاً للمصريين العاملين في الشركة مثل بطل المسلسل العربي (يحيى الفخراني) سليل الزعيم محمد كريم والمناضل السابق ضد الاحتلال الانجليزي ونقمة على مديريهم من الفرنسيين الذين ظلموهم طويلاً.

Posted by ‎أحمد فوزي علي‎ on Sunday, July 5, 2020

مسلسل «المرسى والبحار»

مقالات ذات صلة

إغلاق