منوعات

في ذكرى رحيله الخامسة عشر: «محمد مستجاب».. زيارة الأب الذي يعشق الحكايات

في مثل هذا اليوم رحلت يا أبي، رحلت دون أن تضغط على يدي، وتقدم لي هدية ونصيحة وابتسامة، رحلت – رغم أنني لم استطع أن أدخل عليك غرفة الإنعاش، ولم أستطع أن أراك مكبلا بالخراطيم والأجهزة الطبية ذات الرنين الماكر، أتذكر فقط ابتسامتك وأنت على فراش المستشفي،

ابتسمت لي أنا فقط، رغم الرباط الطبي الذي كان على فمك، ابتسمت لي، وأنا اعلم أن بعد عدة أيام سوف تغادر المستشفي ونعود للبيت، تلك الابتسامة الشفيفة المكبلة بتوجيهات الأطباء وأنابيب المستشفي والتعليمات والقلق، ورغم بكاء أمي المرير بجواري وهي تخبرني فور خروجنا من الغرفة- (بأن أبوك بيموت يا محمد -) ورغم صراخي الشديد فيها حينها، بأن هذا لن يحدث، وبأنه سوف يعود معنا للبيت قريبا، إلا أن ابتسامتك هذه لا تفارقني أبدًا، كلما تكالبت علي المشكلات وحاصرني الجهال وتكاثرت علي طلبات الحياة.

ابتسم، وأنا أعلم بأنك تشعر بي، وتعلم ما أمر به، لكنك تتركني للتجربة.

الكاتب الراحل محمد مستجاب، ومحمد مستجاب الابن

ابتسم وأنا اتذكر ضيقك مني يوم أن غادرنا البيت للمستشفي في سيارة الإسعاف، وغضبك الشديد مني، لأنك نسيت معي بخاخة صدرك «الفنتال»، وقد داهمتك الكحة الشديدة حينها، ورغم ذلك اعطيتني بعض النقود، وطلبت مني – لأني تعبت – أن اذهب واستريح في الفراش المجاور لفراشك. أتذكرك دائما كلما هممت بعمل شيء لابنتي «يسر» وأنا أقوم بوضع الملابس عليها، أو وأنا أقوم بربط رباط الحذاء لها، أو وهي تمسك بيدي ونحن نهبط السلم أو نعبر الشارع، فرغم اعتراضها الدائم، ورغم حركتها المستمرة، إلا أنني أتذكر كيف تكون أبا: قلقي الشديد عليها وهي مريضة أثناء شهر رمضان الماضي، الرعب الذي حاصر قلبي وقلب أمها ونحن نراها جسدًا هامدًا لا تستطيع الأكل أو الجلوس، ولا تستطيع أن تلعب وتتقافز حولنا، قلقي وهم يسحبون من يدها قطرات من الدماء للتحاليل، كل ذلك كان يتم وأنت تقف بجواري، تربت على كتفي، وأحيانًا تقدم لي سيجارة وتأمرني أن اذهب لتدخينها بعيدًا كما أعتدت، ولذا كلما كنت أدعوا لها بالشفاء كنت اقرن ذلك بوعد انني  سوف أخذها معي ونقوم بزيارتك قريبا، رغم أنك لم ترها، إلا انها دائمًا ما تردد اسمك، «جدو مستجاب قاعد في الصورة، جدو مستجاب لابس نضارة» ورغم عدم فهمها كمية الصور الكثيرة على الجدران أو على جهاز اللاب توب، إلا أنها تشعر دائمًا معي بوجودك.

أمس فقط، نظرت لها، وكان ضوء القمر يغرق الشرفة، فأخبرتني أن «جدو مستجاب أهو»، كانت تشير على أحد الرجال يسير وهو يرتدي جلباب، ورغم بعد المسافة، إلا إنني استدرت في اتجاه ذراعها القصير، فوجدتك، تسير في جلبابك الفضفاض، وقد اشعلت سيجارة، كنت تسير أسفل الاشجار، ضحكت وقلت لها ليس هو بل رجلا يشبهه، إلا انها أصرت أن هذا جدو مستجاب، ثم أشارت للقمر، وقالت: حتى أسأل القمر قبل ما يروح ينام.

أعدت نظراتي اتجاه الرجل الذي كان قد ابتعد كثيرًا، وقلت لها ربما يكون هو، وسوف نقوم بزيارته مع جدتك يوم الجمعة.. قالت هل أخذ معي الدراجة، قلت لها سيسعد بها جدا، ثم اخبرتني أنها ستقوم برن جرس الدراجة كي يعرف أننا قادمون.. وأن الشمس ستكون قد استيقظت كي ترافقنا في رحلتنا لزيارة جدو مستجاب.

محمد مستجاب الابن، وابنته يسر

تركتني (يسر) في الشرفة بمفردي، أطل على القمر، وعلى طيف الرجل الذي رحل، أعلم أنك حولي، وأنك تريد أن تهون علي ما يحدث حولي، وتريد مني أن اكتب واستمتع بالكتابة، وأن أعيش الحياة كما عشتها أنت، راضيًا ومبتسمًا، وألا أكون ضحية لأحد.

ظلت «يسر» ترن جرس الدراجة، وهي تنادي علي أن أدخل من الشرفة، واقوم بدفع العجلة وهي تقودها، ابتسمت لها وأخبرتها أن جدو مستجاب سيقدم لها حاجة حلوة، قالت: عايزة بيتزا، قلت لها هاجيبلك كل حاجة.

لم أكن أكذب على «يسر» فمنذ فترة بسيطة، وجدت شخص يتصل بي، لطباعة أحد أعمال مستجاب، وقدم مبلغ جميل للأسرة الكبيرة، سعدت جدًا، ليس لطباعة الكتابة، وليس لتذكر أحد مستجاب، الذي اسعدني أن رسالة مستجاب تصل في هذا التوقيت، رسالة تأتي وتقدم لك بهجة كنت تبحث عنها وسط حرارة الجو، وهذه القدرة التي يغلف بها حياتي، بل والتحذيرات الكثيرة التي يرسلها لي بعدم الالتفات للاخرين و حثه الدائم لي أن أكتب، وألا أشغل بالي بما يقولون، وأن أفرح بالكتابة مثلما كان يفرح هو بالكتابة.

أبدو الآن مرتبكًا، وأنا أراك تتحرك حولي في البيت، وتجعلني أقرأ بعض الرسالات التي كتبتها لاصدقاء ولكنك لم ترسلها لهم.، أحد الرسالات ممتلئة بالحياة والحب والنصائح والمكر والبهجة، وكأن هذه رسالات كتبت لي أنا، وليس لهم  أسمع صوتك على الورق، واسمع ضحكتك، وطريقة كلامك وأنا اقرأ تلك الرسالات، وكأنك لم تغادر، وكانك لم ترحل، وكيف لنهاية أحد الرسالات وكانت للشاعر «علي عبيد» شاعر طنطا، وأنت تتحدث معه، وتؤنبه، ثم تخبره بأنك تنتظره في المنزل، ولأنه كان يريد أن يعتزل الكتابة، فتخبره في ختام رسالتك بتلك الكلمات:
 «كل هذا سببه فكرة الاعتزال، وهي فكرة تساوي بالنسبة للفنان ما يساويه بالنسبة للرجل أن يصبح خصيًا فاقد الرجولة، اكتب واكتب وانشر أو لا تنشر، فسيظل الفن فرحًا حقيقيًا قد يزداد إشعاعًأ بالنشر، لكنه – أي النشر – ليس  هو الفن في جميع الأحوال».

بالطبع تعلم أن هذه الرسالة تصحبني منذ أكثر من شهر، أحاول أن أفك شفراتها أو أن أنفذ توصياتك فيها و الاستمتاع بصدي كلماتك فيها، حتى وأنا أقرأها منذ أيام لزوجتي، ضحكت وقلت لها حتى في رسائله يبدو صوته واضحًا وصريحًا، أخبرها هذا لأنها أيضًا لم تلتق بك، ولم تقابلك، لكنها تعلم إنك كنت ستحبها، وتدافع عنها ضدي، مثلما كنت تفعل مع أختي الصغري عندما أتعارك معها، ومثلما كنت تدافع عن أمي وتقف ضدي، إلا أنك الآن تراقبني تلك المراقبة المرواغة الممتلئة بالأطياف والشفرات الملغزة وأنا أحاول أن ابدو ابنا طيبا  وأب حنونا (يشبهك) أمام ابنتي التي تسألني الآن عندما استيقظت، بأن الشمس صحيت، وبأنها تريد أن تذهب للحضانة، وأنها لم تنس أن تقوم برن جرس دراجتها حتى تستعد انت لاستقبالنا عندما نزورك بعد أيام قليلة.

بعض مؤلفات «محمد مستجاب» الأب

خمسة عاشر عامًا مرت أسرع من أجازة الصيف، وها هي ذكري رحيلك تأتي سريعًا، وها أنا جالس، وبجواري ابنتي «يسر»، ننتظرك على رأس الشارع أو في شرفتنا، كي تمنحنا بعض الجنيهات وبعض الابتسامات، ثم تربت على أكتافنا أو تقرض أذننا، ثم تقوم باحتضاننا بشدة، حضن أبحث عنه منذ رحيلك المفاجيء في مثل هذا اليوم، منذ خمسة عشر عامًا.

لك الرحمة والمغفرة يا أبي

مقالات ذات صلة

إغلاق