ثقافة

الخبز ونساء الأذرع العارية صنعن الثورة الفرنسية

‎«كانت مظاهرات الخبز في الثورة الفرنسية سواء المسيرة إلى فرساي في يومي الخامس والسادس من أكتوبر سنة 1789، أو بقدر أقل يوميات شهري «جيرمينال» و«بريرال» من العام الثالث للثورة وفقا للتقويم الجديد الذي عملت به الثورة الذي بدأ التأريخ بسقوط الباستيل في سنة 1789 أياما للنساء بحق، فحيثما تعلق الأمر بالخبز، كان الموضوع في نطاق سيادتهن» .. هكذا رصد المؤرخ الفرنسي «و.هفتون» حجم الدور الذي لعبته النساء الفرنسيات في الثورة.

‎أجمع مؤرخو  الثورة الفرنسية وكتابها على إختلاف منطلقاتهم الفكرية على الدور المحوري الذي لعبته النساء الفرنسيات في أحداث الثورة، وكان من بينهم المفكر الإشتراكي وقائد حزب العمال البريطاني توني كليف الذي رصد في كتابه: «النضال الطبقي وتحرير المرأة» الذي ترجمته إلى العربية الراحلة (أروى صالح) ونشر تحت عنوان: «نقد الحركة النسوانية» ثلاث معسكرات منفصلة ناضلت من خلالها النساء الفرنسيات تبعا للأنتماء الطبقي الذي ينتمين إليه فكان منهن: النبيلات، والحركة النسائية البرجوازية، ونساء الطبقات المعدمة اللاتي عُرِفن بلقب «الأذرع العارية» وقدمن أبرع نموذج نضالي عبر المراحل المختلفة للثورة الفرنسية.

كتاب نقد الحركة النسوانية تأليف «توني كليف» ترجمة «أروى صالح»

الحركة النسائية البرجوازية

‎على امتداد أحداث الثورة الفرنسية اتسم موقف النساء اللاتي ينتمين لفئة النبلاء بالسلبية غير أن موقف نساء البرجوازية كان جد مختلف حيث ازدهرت الحركة النسائية البرجوازية المطالبة بالحقوق السياسية للنساء، وذلك عبر تقديم التظلمات وأوراق الشكاوى والعرائض ضد تشريعات لويس الرابع عشر الخاصة بانتخابات مجلس فئات الأمة الذي كانت تُقصَى منه النساء عن المشاركة المباشرة فيها.

‎اشتهرت عرائض نساء البرجوازية بما عُرِفَ «بكراسات الثورة» التي بلغ عددها ثلاث وثلاثين كراسة وتضمنت العديد من المطالب الخاصة بحق النساء في المشاركة بالتصويت الإنتخابي، كما تضمنت نقدا للقوانيين المنظمة للزواج، إضافة للتأكيد على ضرورة إدخال تحسينات على نظم تعليم النساء.

‎برز خلال أحداث الثورة عدد من رائدات الحركة النسائية البرجوازية كان من بينهن «أوليمب دي جوج» التي بدأت علاقتها بالثورة كملكية متعصبة ومن ثم تحولت لتصبح المعبرة عن حقوق النساء وذلك عبر كتابتها ما عُرِفَ «بإعلان حقوق النساء» الذي جاء تاليا على «إعلان حقوق الإنساء» الصادر عام 1790 وركزت فيه على مساواة حقوق النساء بما يقابلها بما ورد بنص حقوق الإنسان بندا، بندا، كما كتبت أوليمب عددا من المسرحيات والكتب السياسية، وطالبت بإلغاء تجارة الرقيق، وبمسرح قومي للنساء.

رسم تخيلي يجسد أوليمب دي جوج وعلى اليمين إعلان حقوق المرأة والمواطنة

‎برزت في الحركة النسائية البرجوازية أيضا «ايتا بالم فان أيدلر» الهولندية المولد التي قدمت في الأول ‎من ابريل سنة 1792 عريضة للجمعية التشريعية عبرت من خلالها عن أهداف النساء البرجوازيات وطالبت بحق النساء في التعليم وحقوقهن السياسية إلى جانب حقهن في الطلاق.

‎غير أن مسيرة الثورة الفرنسية المتصاعدة لم تترفق برائدات الحركة النسائية البرجوازية من قبل الطبقات الدنيا ونساءها خاصة وفقا لتوني كليف، فحين صعدت مدام أوليمب دي جوج إلى المقصلة نتيجة موقفها المتعلق بمطالبة بالعفو عن الملك أخذن نساء الطبقات الدنيا في التصفيق.

إعدام أوليمب دي جوج

‎أما تيرواني دي ميريكور التي اعتادت أن تلقى العديد من الخطب العامة أمام الاجتماعات الكبيرة للنساء فقد تعرضت لضرب وحشي على أيدي مجموعة من العاملات في ربيع سنة 1793، وهو ما أدي إلى تعرضها لحالة من الجنون لم تشف منه .. لكن لماذا تعرضت رائدات الحركة النسائية البرجوازية لكل هذا العنف على يد نساء الطبقات الدنيا هل كانت حركتهن معادية لحركة نساء الطبقة الدنيا؟ .. أم لأن مطالبهن كانت تخص طبقتهن الإجتماعية فقط دونما أي إهتمام بمطالب النساء من الطبقات الدنيا؟.

‎توني كليف يشير إلى أن الحركة النسائية البرجوازية كانت بالفعل قد تمكنت من الحصول على عدد من الإصلاحات نتيجة الثورة، حيث أجريت تعديلات على قوانين الإرث لمنح الذكور والإناث من الأطفال حقوقا متساوية، إلى جانب مجموعة من القوانين التي تخص معاملة الجنسين بالمثل، وبقيت بعض أشكال اللامساواة، فلم يكن للنساء حق الجلوس في مقاعد المحلفين وجرى إقصائهن عمليا عن «محاكم الأسرة» فضلا عن أن تلك المكتسبات لم يكتب لها الدوام حيث جاءت القوانيين «النابليونية» لتكتسح كل ما قد أحرزته الحركة النسائية البرجوازية في طريقها.

إعدام لويس السادس عشر بالمقصلة 1793

الحركة النسائية لدى العاملات

‎الناشطات من نساء الطبقة العاملة الفرنسية لم يعارضن مطالب الحركة النسائية البرجوازية من قوانين الطلاق وفرص تعليم أفضل للنساء ومساواة قانونية وسياسية للجنسين ولكنهن رأين أن حصول النساء على حقوقهن متوقف على حصول العمال كافة على منظومة الحقوق المتعلقة بالعمل.. فلدى نساء الطبقة العاملة كانت مشكلات التضخم والبطالة والجوع أكثر إلحاحا بكثير من مسائل الطلاق والتعليم والوضع القانوني.. كان مطلب الخبز هو محور «يوميات الثورة» لديهن وكانت مجمل أعمال العصيان الشعبية والمظاهرات التي اندلعت على نحو متقطع فيما بين عامي 1789 و1795 تدور حول الخبز وكانت النساء هن بطلات تلك المظاهرات، وكان هتافهن الشهير: «فلنبحث عن الخباز وزوجته وصبيه» وكن يقصدن لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت والدوفان وريث العرش.

لويس السادس عشر، والملكة ماري أنطوانيت

‎كانت المطالب الإقتصادية هى القوة الدافعة وراء مظاهرات النساء من الطبقات الدنيا غير أنها تمكنت من أن تمتزج بالعصيان السياسي الذي شنته الأحزاب البرجوازية وأيدته فرق الحرس الوطني في باريس وبمرور الوقت اكتسبت عاملات باريس شيئا من الثقافة السياسية فترددت النساء على النوادي والجمعيات الشعبية وقرأن صحفا ثورية وشاركن في النقاش والجدل المستمر الذي بات جزءا لا يتجزأ من الحراك الثوري الممتد، ولم تكتف النساء العاملات بالمشاركة في أضطرابات الخبز، بل شاركن مشاركة فعالة في الحرب الثورية ضد خصوم الثورة من الأجانب الذين كانوا يريدون إعادة الملكية الفرنسية.

‎انقسم الثوريون في فرنسا إلى «اليعاقبة» الراديكالين الذين أردوا أن يطيحوا بالملكية، و«الجبروند» المعتدلين الذين أرادوا ملكية دستورية، غير أن مشاركة النساء الفعالة لم تكن محل رضاء من قبل «اليعاقبة» لذا أقدموا على حل النوادي النسائية التي كانت تنتمي للجمعيات الشعبية وشهدت أحداث الثورة فترة مأساوية وصفها توني كليف بأنها كانت بمثابة خيانة للنساء الشغيلات لدرجة وصلت حد قلب اتجاه بعضهن ليصبحن أسلحة للرجعية.

النساء في كميونة باريس

‎تواصل النساء الفرنسيات نضالهن وصولا لأحداث كميونة باريس لتقدم النساء فصلا جديدا من نضالهن التاريخي ففي أعقاب صيف عام 1870 ومع إندلاع الحرب بين ألمانيا بسمارك وفرنسا تحت حكم نابليون الثالث ووقوع باريس تحت الحصار تم تشكيل ما عُرِفَ بكميونة باريس كنموذج في الحكم لتقدم طرازا جديدا للدولة يتم فيها إختيار جميع الموظفين عبر الإنتخاب بما في ذلك القضاة، وتم إتخاذ عدد من التدابير التي تهدف لتخفيف العبء على المواطنين كان منها تأجيل دفع إيجار جميع المنازل السكنية لمدة ستة أشهر ،مع وقف بيع جميع المرهونات في مكتب الإقراض التابع للبلدية، إلى جانب وضع جدول إحصائي بالمصانع التي تم إغلاقها ومن ثم تم وضع خطة لإعادة تشغيل تلك المصانع من قبل العمال الذين كانوا يعملون بها من قبل، مع تنظيم عدد من الجمعيات التعاونية في نقابة عامة واحدة كبرى.

دور النساء في كميونة باريس 1870

‎في ابريل من سنة 1871 أسست اليزابيث ديمتريف (18511-1910) «الاتحاد النسائي للدفاع عن باريس ومساعدة الجرحى» كان الإتحاد بمثابة «منظمة مسئولة من مواطنات باريس، المصممات على مساندة والدفاع عن قضية الشعب والثورة والكوميونة». إنشا الاتحاد لجانا في كل دائرة لتجنيد النساء لأعمال الأسعاف، ومطابخ الميدان، وتدبير شئون أموال التبرعات، ولإستدعاء نساء الإتحاد في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار، بإختصار كانت لجان الدوائر مختصة بتعبئة النساء.

‎كان للنساء أيضا دورا محوريا في تصنيع السلاح اللازم للدفاع عن الكوميونة حيث شاركت ثلاثة آلاف من النساء في صنع «الخراطيش»، كما شاركن في إدارة المستشفيات الميدانية لتمريض الجرحى، واتخذت الكوميونة بفضل النساء خطوات نحو تعزيز سبل تعليم البنات، حيث تشكلت لجنة من النساء للإشراف على محاولات إنشاء مدارس للبنات ومساعدة العاملات في تأسيس حضانات للأطفال قريبة من المصانع التي يعملن فيها.

متاريس بشارع فولتير، باريس من أحداث كوميونة باريس 1871

‎غير أن أيام كوميونة باريس المحدودة لم تكن لتمنح النساء الفرصة كاملة لتحقيق كامل مطالبهن وبصفة عامة وعلى امتداد أحداث الثورة الفرنسية وما تبعها من أحداث بلغت الصراعات الإجتماعية فيها أعلى ذروة لها وانشقت النساء إلى ثلاث مجموعات متعادية: نساء النبالة، ونساء البرجوازية، ونساء الطبقات الفقيرة والمعدمة .. لكن نضال النساء الفرنسيات لم يتوقف الامر الذي مكنهن لاحقا من تحقيق أغلب مطالبهن.

الوسوم
إغلاق