ثقافة

«لاأرى جسدي».. عمار علي حسن شاعراً

«لاأرى جسدي» هو عنوان الديوان الذى أصدره حديثا عمار علي حسن بعد رحلة عطاء ثرية في مجالات القصة القصيرة والرواية وعلم الاجتماع السياسي، وهو عنوان ينطوي على مفارقة أولى، فإذا كانت الروح من أمر ربها وسرا من أسراره، فإن الجسد على خلاف ذلك هو كائن مادي ملموس لايكون الإنسان إلا به، ولهذا ينبغى التعامل مع هذا العنوان بطريقة مجازية تتجاوز فكرة الإدراك المادي إلى الإدراك الروحي، وبهذه الزاوية يمكننا القول بأن عدم رؤية الجسد توحي بالتعالي على رغباته الشهوانية ونزوعاته العنيفة، باعتبار أنه مقيد لارتقاء الروح وانطلاقها، فالشاعر – هنا – يكسر هذا القيد ويحرر الروح من سجنها وهو مايتوازى مع مافعله – فى بعده السياسي والاجتماعىي – في مقاطع القصيدة التي تحمل عنوان «لا» بدلالتها الواضحة، ويصبح دال «الجنون» بوصفه خروجا على رتابة الواقع وقوانينه الصارمة ضربا من التمرد.

التشخيص ومزج التناقضات

‎يقول عمار في المقطع الثالث من قصيدة «لاأرى جسدى»: «أستعير جنونى لأبقى / واقفا أمامه / كخيط دخان / يتوسل هبة ريح / أن تترجل / وتغفو قليلا / ثم تنهض على مهل / وتميل نجو الفراغ الكسيح» (الديوان ص10 دار الأدهم) ومن المهم أن نلاحظ تواشج الدوال هنا، فالجنون يستدعى هبة الريح بوصفها – هى الأخرى – أداة تغيير لهذا الفراغ الكسيح و«هبة الريح» هى الأكثر فاعلية فى هذه السطور، فهى التى تهب وتترجل وتغفو ثم تنهض من خلال ظاهرة التشخيص التى تخلع على الماديات صفات إنسانية مما يكسبها حيوية ويرسم صورة مشهدية تبتعد بها عن المباشرة والتقرير. والحقيقة أن ظاهرة التشخيص هذه تعد تيمة مركزية في الديوان سواء خلعها الشاعر على الماديات كما في الصورة السابقة أو على المعنويات حين يقول عن «العدم»: «أشرب حتى يضيع مني الكلم / فأرى العدم / أشده من رموشه الثقيلة» أو الأمل حين يقول «أصعد إلى الأرض كسهم طليق / لأعاتب الأمل / الذى يطيل المقام هنا» أو توظيف التشبيه التمثيلى عن حين يجعل المسرة «كرضيع يحدق كي يرى / فضاء فسيحا / حقلا من حنطة تراقص النسائم» هذا الخيال التشخيصى لا التجريدى يمهد – فيما أتصور – لظاهرة أخرى هي مزج المتناقضات أو تمنى أن يتحول الشىء إلى نقيضه وكأننا أمام حلم بيوتوبيا منشودة تصير فيها السيوف ريش حمام وتعانق الفراشات اللهب الذي يتحول إلى برد وسلام «وتصادق الريح الكون / وتشرب البحار موجها الهادر / و….يقلع السراب عن الكذب» ويصبح – أي هذا السراب – حقيقة تمنح الماء رمز الحياة ويكف عن كذبه وخديعته.

الطبيعة / الأنثى وكل ما عداها لايعول عليه

‎ولعلنا نلاحظ أن الطبيعة عنصر أساسي في هذه الشعرية وفي بناء صورها فهناك تداخل بين الإنسانى والطبيعى بآلية مطردة وهو مايظهر في قصيدة «هي هي» حين تتحول هذه المرأة إلى مايشبه المرأة الكونية حين نقرأ – مثلا – «جبينها سماء طليقة / ألملم نجومها في كفي / أرض براح أركض فيها / بخطى رشيقة / فتنبت الرياحين على قدمي». تأتى هذه الأنثى في بداية السطور ثم تنفتح الصور الشعرية على عالم الطبيعة: السماء الطليقة، النجوم، الأرض البراح، الرياحين حتى تغدو الأنثى متماهية مع كل هذا وكأن الشاعر يستحضر قول ابن عربي: «كل ما لا يؤنث لا يعول عليه».

‎ويبدو أن الطبيعة عنصر أساسى ليس فقط في حديث عمار عن الأنثى بل فى تصويره لمشاعره، وغالبا ما يأتى العنصر الطبيعي مشبها به حين نقرأ – بالإضافة إلى الصورة السابقة – «أنادى غربتي كي أجالسها / تتهادى حزينة كالشفق» وإذا كان الشاعر قد غيب الجسد حتى أصبح لايراه فإن الظل الذى يأخذ معنى الامتداد على الأرض هو الأكثر حضورا أو العنصر الذى يسأله الشاعر عن «بدنه»: «أصنع من الأنصال والغبار / رايات سلام / وأرجوها أن تمهلنى دقائق / كي أسأل ظلي عن بدنى» ومن بين الظواهر اللافتة فى هذا الديوان مايسمى بضرب أفق التوقع حين يقول – مثلا – «ناديت كأسى فجاءت مملوءة بالفراغ» فالفراغ ليس مادة لملء الكأس لكن الشاعر – إمعانا في المفارقة وإثارة الدهشة – يجعل الكأس مملوءة بالفراغ، وقوله «أرمق مقلتي الساجيتين / في لمعان الزجاج / وشفتي تعصران العطش / والعتمة الرائقة تجاهد لإطفاء الأشواق» فقوله «تعصران العطش» بالإضافة إلى ما بها من استعارة تنطوى على ضرب أفق التوقع وكذلك وصف العتمة بالرائقة، هذه الصفة التى لا تكون إلا لماهو مشرق، وهذا مانلاحظه – أيضا- فى قوله «ولما يرانى كأسى وأنا أحتسى الدموع / يمد إلى نار حافته الباردة» حين يصف النار بالباردة وهكذا كأننا أمام لعب فني باللغة، الأمر الذى يرقى بها من المستوى الدلالى الدارج إلى المستوى الشعري الذي يحتاج من المتلقى بصيرة نافذة تستبطن مابه من جمال فنى وفى هذا السياق يأتى توظيف اللون حين يصف الأزرق بالكئيب والأسود بالرهيب والبني بأنه محروق وهو اللون الذي «ينهى كل مابين الأسود والأزرق من خصام / ويعيد إلى دنيا الناس الوئام» ما يعني أن الألوان – هنا – قد أخذت معنى إنسانيا عاما.

شعرية المعادلات الموضوعية

‎
يبقى أن نشير إلى مايسمى بشعرية «المعادلات الموضوعية» التى وظفها الشاعر في أربع قصائد هي: ريشة وسنبلة وسمكة وطائرة، فهو لايقصد هذه العناصر في ذاتها بل يجعل منها أداة لمعان كثيرة تتجاوزها فحين يتحدث عن السمكة متأملا مصيرها بعد اصطيادها وهي «تتلوى كسجين يجرونه إلى المشنقة / والمحرقة» بعد أن «كانت تظن أن الكون الفسيح / سيمنحها فرصة أطول كي تلعب»، لكن «الطعم» الخفى – الذى يشبه قدرها والذى ظلت تحاذر منه دون جدوى يقول لها «مزتك فى بطنك / ولتعلمى أن الاشتهاء / يفضي إلى الفناء / وما نشدو به / ونحن على حافة الهلاك / أصدق الغناء» وهذه هي حكمة القصيدة النهائية التى تسعى إليها وهو ماينسحب على حياة الإنسان الذى يحمل داءه فى بطنه وفناءه في اشتهائه، ولا شك أن قوله: «إن أصدق الغناء مانشدو به ونحن على حافة الهلاك» يذكرنا بأسطورة البجعة التى تطلق تغريدتها الشجية قبل الموت.

‎وإذا كنا قد لاحظنا سابقا توحد الإنسانى والطبيعى إلى درجة التماهى، فإننا في قصيدة «محاق» نلحظ علاقة أخرى تقوم على التنافر حين يطفىء غل البشر نور البدر في قوله «رأيته أيها الرفاق / يتبدل فى الأفق البعيد / من تربيع إلى محاق / لكن نوره يموت فى الفراغ / يطفئه غل الذين ينظرون إلى أعلى / والغضب يحرق قلوبهم / طالبين من السماء أن تصب لعنتها على كل من لايمشى خلفهم / كنعجة جائعة / كعبد فى سوق نخاسة».

‎وهنا يظهر البعد السياسى الذى سوف يصبح أكثر جلاء فى قصيدة «لا» التى تعلي من فاعلية أداة الرفض: «لم أقل لهم سوى: لا / تلك المعاندة البهيجة / رفعتها في وجه السجان / ترنح في مكانه / خر بلا قرار» لكن القوة الغاشمة كانت أكثر قسوة وهيمنة حين زرعوا الشوك في طريق عودة هذا المتمرد وسلموه إلى العدم وكتبوا فى كل خطوة أمامه وخلفه «هذا جزاء من لم يقل لنا: نعم»، وهكذا تستمر ثنائية القيد والحرية فاعلة مما يحقق لهذه القصيدة درامينها الفنية والحياتية ورغم مايستشعره الشاعر – في قصيدة «صرخة» – من مصير سيزيف وإحساسه بالملل من الهبوط والصعود دون جدوى، وأن الحجر صار أثقل فى رحلة القيام والقعود، فإنه لا يفقد الأمل في أن يصير صوته جهورا «لايكف عن الصياح / حتى يزيح النور الظلام / ويقتل النصر الهزيمة».

‎بالإضافة إلى ماسبق يوظف الشاعر – وهو القاص والروائي الكبير – البنية السردية في قصيدة «على عتبات المساء» التى تقوم على تحديد الزمان ووصف المكان ورسم الشخصيات التى تعبر مجهدة الأقدام «تشق بطن قرية غافية» حتى تخلص القصيدة لعلاقة «ذلك الواقف هناك / فوق هامات البيوت الخفيفة / وتلك التى لا تذهب عنها أحزانها برجفة طريدة». هذه بعض الرؤى لديوان عمار علي حسن الذى كان مفاجأة مبهجة لقرائه المحبين والمتابعين لأعماله القصصية والروائية والعلمية وهو مايعد إضافة قيمة لهذا العالم الثري.

الكاتب والشاعر «عمار علي حسن» يقرأ من ديوانه لا أرى جسدي

مقالات ذات صلة

إغلاق