فن

بين حرية يوسف الشريف وجدل «السينما النظيفة»

من جديد عاد الجدل حول مصطلح السينما النظيفة ليطل برأسه على مناخ فنى وسينمائى هو فى الواقع مأزوم بفعل عوامل عديدة من بينها الأزمة التى يعيشها العالم جراء انتشار فيروس كوفيد 19 – الكورونا –

وقد أثير جدل واسع عقب التصريحات التى أطلقها مؤخرا الممثل «يوسف الشريف» فى حوار مع الإعلامى رامى رضوان وقال فيها «أنه منذ سنوات يضع قيودا لنفسه في ما يتعلق بالأعمال الفنية التي يقدمها، إذ يرفض أن يكون طرفا في أي مشاهد»

 وأضاف أن «تلك الشروط تخصه وحده وتعكس قناعاته الشخصية، ولا تنتقص من احترامه لزملاء مهنته أو يزكي نفسه عليهم، كل ما في الأمر أنه يسعى لجعل بيئة عمله مريحة ومناسبة لأفكاره التي لا يفرضها على أحد سوى نفسه»

ومنذ أُطلقت تلك التصريحات من «يوسف الشريف» والتى أشار خلالها أنه «اتخذ قراره هذا منذ تقديمه فيلم «هى فوضى» مشيرا إلى أن الفليم كانت به بعض المشاهد – زيادة شوية – على حد قوله – مؤكدا أنه يعتبر هذا الفليم نقلة مهمة فى مسيرته الفنيه وسعادة بالتعاون مع فريق العمل – دون أن يذكر اسم المخرج يوسف شاهين مكتفيا بتقديره لطاقم العمل -.

تصريحات يوسف الشريف

منذ أن خرجت تلك التصريحات والتى صاحبها جدل واسع سواء بين العاملين فى الحقل الفنى أو بين رواد التواصل الإجتماعى  فقد كشفت التصريحات عن عمق الخلاف المجتمعى والرؤى المتباينة لطبيعة الفن وأدوات تقييمه حتى بين المتخصصين

ويبدو أننا أمام أزمة ثقافيه كامله تتجلى دوما فى تناولنا للقضايا الخلافيه فما بين الدفاع عن اختيار «الشريف» بإعتباره ينتصر لقيم المجتمع الذى هو فى الواقع يضج من تزايد حالات التحرش بالإناث وتتعالى الصرخات لحماية المرأة والطفل من تنامى تلك الظاهرة.

كما أن البعض يرى أن تصريحات الشريف وتمكسه بقيم وسلوكيات تتماشى مع أخلاقيات الأسرة المصرية التى تعانى بالقطع من أزمات عديدة لا ينكرها أحد.

فى حين يعتبر البعض الآخر أن تصريحات «الشريف» التى حاول تخفيف حدتها بعد ذلك. إنما تمثل نسقا فكريا ورؤية شخصية لمنظومة القيم التى تحكم صناعة السينما وليس من حق ممثل أن يوجه الرأى العام ويحرض بشكل غير مباشر على زملاء مهنته الذين يقبلون ما لا يقبل هو.

وأن تلك المنظومة الفنيه بمصر منذ نشأت السينما وأن ما يقوم به الممثل فى العمل هو رؤية المخرج صانع المنتَج وصاحبة بالأساس وأن مرحلة هيمنه الممثل النجم وفرض شروطه تضر بصناعة الفن وتراثه المصري وأن الاستمرار فى هذا المنهج قد يدفع المخرجين الكبار إلى الخروج من الساحة لأنهم لن يقبلوا من نجم أن يفرض شروطه عليهم وهذا ما يحدث فى حالات متعددة مثل حالة «محمد سعد» و«محمد رمضان» وغيرهم الذين يُملون شروطهم ويتحكمون فى صناعة العمل ومساحة الأدوار وحتى إختيار فريق العمل من فنانين وفنيين.

محمد سعد، ومحمد ؤمضان

نشأة مصطلح «السينما النظيفة» 

جاءت التصريحات المثيرة للجدل لتعيد من جديد مصطلح السينما النظيفة إلى صدارة المشهد ويرجع هذا المصطلح الذى انتشر عبر الصحافة الفنيه خلال حقبة التسعيينات، وجاء كرد فعل على ظاهرة «سينما المقاولات» التى شهدتها مصر منذ نهاية السبعينيات حين دخل إلى سوق الإنتاج السينمائى عدد من الذين كونوا ثرواتهم من أنشطة الانفتاح خاصة نشاط  المقاولات.

وقد بدأ استخدام المصطلح بين صناع السينما المصرية في أواخر التسعينات من القرن العشرين، حين حدثت الانتعاشة الكبرى لسوق السينما بعودة الأسر لدخولها بأعداد كبيرة مع أفلام إسماعيلية رايح جاي وصعيدي في الجامعة الأمريكية. ويقصد به السينما الخالية من القبل ومشاهد التعري، بحيث تناسب الأفلام جميع أفراد الأسرة، وقاد تيار الترويج التجاري للسينما النظيفة المنتجان.

صعيدي في الجامعة الأمريكية

وفى كتابه «سنوات الضحك في السينما المصرية» يقول الناقد طارق الشناوي، «إن فترة انتعاش ما يسمى بـ«السينما النظيفة» في الفترة ما بين عامي 1997 و2007 احتوت على الكثير من الضحك لكنها لم تحمل قيمة فنية عالية، ومالت دائما نحو التنميط، فمحمد هنيدي هو القصير، وعلاء ولي الدين هو السمين، وهاني رمزي هو الطويل».

ويعود هذا الرواج إلى تغير كبير شهدته دور العرض السينمائى فى تلك المرحلة حين ظهرت «المولات التجاريه الضخمة» والتى كانت تضم قاعات للعرض السينمائى ونجحت فى جذب رواد السينما خاصة من الأسر التى تذهب للمول التجارى للتسوق والفسحة أيضا.

و قد اشتهر عن معظم نجمات هذه الفترة برفضهن أداء مشاهد يرتدين فيها المايوهات أو لها إيحاءات جنسية، ويمكن اعتبار أن ذلك النوع من السينما هو استجابة لتوجهات فكرية وإجتماعية خاصة بين أفراد الطبقة الوسطى والبرجوازية المصرية التي اتجهت في تلك الفترة لما عرف بالإسلام المودرن وشكل وعيهم الدينى ما يعرف «الدعاة الجدد» – المودرن – أصحاب الملابس العصرية فى وقت دعمت الدولة هؤلاء وما يقدموه من طرح أكثر انفتاحا فى محاولة لمواجهة شيوخ التيارات السلفية وفتحت لهم فضاءات الإعلام الرسمي والخاص وأصبحوا نجوما جذبوا شريحة لا بأس بها من الفنانين ولاعبي الكرة، حضروا دروسهم الدينية وكان من أبرزهم عمرو خالد الذى كانت تربطه علاقة قوية بعدد كبير من نجوم الفن.

عمرو خالد

وقد تنامت فى تلك الفترة ظاهرة اعتزال عدد من الفنانات وارتداء بعضهن الآخر الحجاب وعمل بعضهن فى الإعلام بينما اختفى البعض الآخر عن المشهد تماما.

كما جاءت معظم تصريحات أهل الفن متماهيه مع تلك الحالة التي سيطرت على المجتمع بشكل ظاهرى فنجد تصريحاتهم متوافقة مع الجمهور المتحفظ، فيعلن الفنان ماجد المصري ندمه على لقطات جريئة قدمها في بداية حياته الفنية، ويرجع الزعيم عادل إمام رفضه التام لعمل بناته في التمثيل إلى «القبلات الساخنة» وقالت سهير البابلي إن الحجاب الذي ارتدته يفرض عليها عدم تقديم مشاهد بها تلامسا حتى لو كان له مبرر.

تصريح ماجد المصري

مواقف متباينة وتحفظات عديدة

واعتبر عدد كبير من صناع السينما والمهتمين بالفنون أن تنامى هذه الظاهرة يمثل خطرا على الصناعة التى عرفتها مصر منذ عام 1895 وأن العمل الفنى لا يحتمل سوى تقيم وحيد هو جودة أو رداءة العمل دونما وضع معايير أخلاقيه للعمل الفنى

ولم تكن مصر تعتبر ما تقدمه فاتن حمامة وسعاد حسنى وغيرهن من الفنانات خروجا عن القيم المجتمعية ولم تزل ترى فى فاتن وسعاد نماذج تستحق الحب والاحترام.

بينما يذهب البعض من أمثال «يوسف الشريف» إلى أن حرية الفنان حق أصيل له فى تقديم الفن الذى يناسبه ويناسب معتقداته ويرى أنه من غير المقبول التدخل فى تلك الإختيارات.

وفى المقابل فقد تمسك عدد من صناع السينما بوجهة نظرهم فى تقديم سينما لا يخضع لمعايير ما يسمى بالسينما النظيفة مثل «داود عبد السيد» و«مجدى أحمد علي» و«خالد يوسف» الذى بالغ فى تقديم مشاهد ساخنة بعضها بلا مبرر درامى حقيقى.

مفيش حاجة اسمها سينما نظيفة

المدهش فى الأمر أن عدد من المنتجين الذين يشغلهم دوما البحث عن مزيد من الأرباح هم أشد أنصار مصطلح السينما النظيفة ومن بينهم «محمد السبكي» و«وائل عبد الله» و«محمد حسن رمزي» لإدراكهم القوى أن هذا النوع من الفن جاذب لأكبر نسبة من رواد دور العرض السينمائى ومن ثم تم تقديم عشرات الأعمال الفنيه التى تتضمن فقرات للرقص الشرقى والأغنيات الشعبيه ومطربى المهرجانات ولا تتضمن مشاهد تلامس!

«محمد السبكي» و«وائل عبد الله» و«محمد حسن رمزي»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق