ثقافة

كتابة النساء وحيلة المرأة المجنونة

«يُحكَى أن بنيلوبي زوجة أوليس لجأت في صد الرجال الفاتنين الذين قصدوا خطب ودها خلال سنوات غياب زوجها العشر، بأن ظلت تنقض كل ليلة خيوط الجزء الذي أتمت نسجه من الكفن الذي كانت تغزله لحميّها بالنهار، بينما وعدت الخطاب بأن تختار من بينهم واحداً بعد أن تتم صنع الكفن» .. أعادت الناقدة النسوية «كارولين هيرلبران» قراءة القصة الكلاسكية عن بنيلوبي زوجة أوليس، كاستعارة للتعرف على عالم المرأة الكاتبة مشيرة إلى أن «بنيلوبي قد واجهت قصة لم تكتب بعد، فكيف يمكن للمرأة أن تدبر أمر مصيرها حين لا يكون لديها أي حبكة تهتدي بها، لا رواية، ولا حكاية توجهها، وتظل بنيلوبي تتخيل وتبتكر، وهى تنسج ثم تنقض ما نسجته» .. أما لماذا رأت «هيرلبران» أن بنيلوبي ليست لديها قصة، فذلك لأنها تعتقد أن «جميع النساء ليست لديهن قصة، فما لديهن يقتصر على حبكة واحدة فقط، وقد عاشت النساء طوال التاريخ المسجل بسيناريو لم يكتبنه، سواء في الأدب أم خارجه!».

هل حقا النساء غير قادرات على صوغ قصتهن؟ وهل هناك اختلاف جوهري بين كتابات النساء وكتابات الرجال؟ وما هى طبيعة الصعوبات التي تواجهها النساء الكاتبات؟.. تساؤلات عدة طرحتها «بام موريس» في كتابها «الأدب والنسوية» الذي ترجمته إلى العربية الدكتورة «سهام عبد السلام».. ولعل في التعرف على إجابة «موريس» على تلك التساؤلات فرصة للتعرف على عالم الكتابات النسائية ومشكلات النساء الكاتبات المهنية ومراحل التطور التي مرت بها الكتابة النسائية.

الأدب والنسوية لـ «بام موريس»

الإحتفاء طريقا للإعتراف

الشائع عن الأعمال الأدبية للنساء أنه لا يتم الاحتفاء بها إلا في إطار تقييمها في سياق التراث الأدبي للنساء حتى بات هناك مدرسة في النقد الأدبي تسمى «النقد النسوي»، ويعد كتاب «نساء أديبات» لإيلين مويرز من الأعمال الرائدة بهذا المجال، وقد أظهرت فيه أهمية التأثير والتأثر المتبادلين بين الكاتبات بعضهن البعض، حيث لاحظت مويرز كيف اعتادت الكاتبات الإنصات بتقدير لأصوات وقصص بعضهن البعض، وذلك دون أن يقعن في فخ التقليد، فلكل واحدة منهن أسلوبها الخاص.

كتاب «نساء أديبات» لإيلين مويرز

تستشهد بام موريس برواية «إبنة الأرض» لآجنس سميدلي التي تروي فيها تفاصيل عن حياة فتاة وأمها وطبيعة المعاناة التي تكبدتاها في العمل المنزلي الذي تمثل في غسل الملابس للجيران لتوفير حد الكفاف من العيش، وتوضح موريس كيف تمكنت الكاتبة من وصف كم الكدح والآلم بل وحتى رائحة الصابون والغسيل، مع عدم تقديم نساء روايتها كضحايا نمطيات يستدررن الشفقة من قبل القراء، بل على العكس من ذلك قدمتهما كشخصيات ذوات مرونة وقدرة على المرح وعلى رفض الاستسلام لواقعهن المؤلم، وذلك عبر مساندتهما لبعضهما البعض في العمل المشترك والآلام والأحلام المشتركة.

رواية «إبنة الأرض» لآجنس سميدلي

تلفت بام موريس النظر إلى الفروق بين طريقة تناول الكاتبات للشخصيات النسائية وطريقة تناولها لدى الكتاب الذكور، مشيرة إلى أن كتابات الذكور قد اعتادت على تقديم النساء كغريمات وخائنات لبعضهن في المقام الأول، أو تقديمهن في صورة مثالية غير واقعية، في حين أن النساء حريصات في كتابتهن على تقديم عالم النساء الواقعي القائم على التعاون فيما بينهن، وهو ما دعا موريس إلى التأكيد على ضرورة الاحتفاء بكتابات النساء على اختلافها من قبل النساء أنفسهن لأنها ترى «أن الكتابة بأقلام النساء يمكن أن تحكي قصة أوجه حياة النساء التي محيت وتم تجاهلها وإزدرائها والتعتيم عليها، بل حتى إضفاء طابع المثالية عليها بمعظم النصوص التقليدية».

إعادة قراءة التاريخ

كتابات النساء لم تقتصر على رصد معاناة النساء، ولكنها تجاوزت ذلك الحد بأن حاولت إعادة قراءة التاريخ. وتعد رواية «أغنية سليمان» لتوني موريسون خير دليل على ذلك، فقد حاولت الرواية إعادة بناء تاريخ أمريكا السوداء الذي ضُرب عليه الصمت، فالرواية بمثابة أسطورة شعبية تحوي تاريخ حياة الأمريكيين السود العاديين من الماضي والحاضر، ونساء موريسون شخصيات قوية يتبادلن الخبرات والمودة فيما بينهن، إلى جانب كونهن ذوات قدرات إبداعية تمكنهن من التعامل مع كل صعوبات حياتهن اليومية عبر الغناء.

توني موريسون، وروايتها «أغنية سليمان»

بذات السياق قدمت فيرجينيا وولف في كتابها «غرفة تخص المرء وحده» التحية لتلك الصفة المتمثلة في القوة الإبداعية التي تكمن بسجايا النساء، وذلك على الرغم من «أن النساء قد جلسن داخل البيوت طوال هذه الملايين من السنين حتى أن الجدران في زمننا هذا قد تشبعت بقوتهن الإبداعية التي تخللتها» على حد وصفها.

فيرجينيا وولف، وكتابها «غرفة تخص المرء وحده»

نقد كتابات النساء

ركزت الكثير من الدراسات التي تناولت كتابات النساء على طرح تساؤلين يتعلقان بطبيعة المشكلات التي واجهت ومازالت تواجه النساء اللاتي يردن الكتابة، وما هى المناهج الأدبية والأسلوبية والتقنيات التي أوجدنها أو أنشأنها للتغلب على تلك الصعوبات؟

واجهت الكاتبات الأوائل معضلات تتعلق بتأخر التحاق النساء بالتعليم وما يرتبط بطبيعة الجمهور الذي تكتب له النساء، هل يكتبن للذكور الذين يرون فيهن عدم القدرة على الإبداع أم تكتبن للنساء الأميات اللاتي لم يجدن بعد طريقا لمعرفة القراءة، وإذا ما تغاضت الكاتبة عن معضلة جمهور القراء فهل تمتلك المال اللازم لنشر ما تكتب؟ هذا بالطبع مع غياب أي تراث أدبي أنثوي سابق تستند إليه عند خوض رحلتها في عالم الكتابة.

في كتابها «أدب يخصهن وحدهن»، تتبع إيلين شووالتر الكثير من الروائيات اللاتي تم تجاهلهن إلى حد بعيد وأسهمن في إثراء الوعي النسائي بحرفة الكتابة الروائية في محاولة لسرد التاريخ الأدبي للنساء ونضالهن من أجل الإعتراف بهن كأديبات، وهى ترى أن كتابات النساء يمكن رصدها عبر ثلاث مراحل رئيسية وذلك وفقا للتغيرات الثقافية التي عملن في إطارها.

إيلين شووالتر، وكتابها «أدب يخصهن وحدهن»

امتدت المرحلة الأولى – وهى الأكثر صعوبة – على مدار القرن التاسع عشر، حيث أصر الذكور من جانبهم على تدني القدرات الإبداعية للنساء، وحاكت كتابات النساء أساليب الذكور السائدة وقيمهم الجمالية والاجتماعية ذاتها، حتى أنهن قد اتخذن لأنفسهن اسم شهرة منسوبا إلى أزواجهن مثال: «مسز جاسكيل، مسز كريك، مسز أوليفانت»، وجاءت المرحلة الثانية متسمة بمزيد من الإحتجاج ضد الاتجاهات السائدة والدعوة إلى مزيد من الإستقلال، فيما مثلت المرحلة الثالثة الرحلة لاكتشاف الذات والتعبير عن الهوية الأنثوية، وقد أطلقت «إيلين شووالتر» على تلك المراحل الثلاث مسميات: «المرحلة المؤنثة، المرحلة النسوية، المرحلة الأنثوية».

المرأة المجنونة أول وسيلة للتحايل

الناقدتان ساندرا جيلبرت وسوزان جوبار في دراستهما التي صدرت في ثلاث أجزاء تحت عنوان: «أرض لا أحد .. مكان الكاتبة في القرن العشرين»، تقدمان تحليلا تفصيليا للتفاعل الجاد فيما بين الكتاب الذكور والكاتبات الإناث من القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين، مع التركيز على الأدب الحداثي وأشكال القلق والصراعات التي ثارت لدى كل من الأدباء والأديبات مع تزايد تأثير ونجاح النساء الداخلات إلى سوق الأدب.

«أرض لا أحد .. مكان الكاتبة في القرن العشرين» للناقدتان، ساندرا جيلبرت وسوزان جوبار

كانت الناقدتان في دراسة سابقة لهما تحمل عنوان: «المرأة المجنونة في العلية .. الكاتبة والخيال الأدبي في القرن التاسع عشر» قد رصدتا اعتماد الكاتبات خلال القرن التاسع عشر على شخصية المرأة المجنونة كوسيلة مراوغة كي يتمكن من التعبير بحرية عما يجول بخاطرهن.

الناقدتان ساندرا جيلبرت وسوزان جوبار، ودراستهما «المرأة المجنونة في العلية»

غير أن نجاح الكاتبات في القرن العشرين قد مكنهن من تجاوز استخدام أسلوب المراوغة إلا أنهن قد وجدن أنفسهن في مواجهة مع تلك المشاعر المركبة والمتناقضة التي تجلت عبر ما أطلقت عليه الناقدتان «عقدة الانتساب»، فالكاتبات المبكرات في القرن التاسع عشر أمكنهن التوحد مع التراث الأدبي الأبوي فقط، أما كاتبات القرن العشرين فكان أمامهن إما التراث الأدبي للأب أو تراث الأديبات الأمهات وهو ما خلق لديهن الكثير من المتاعب والصراع والحيرة.

غير أن بام موريس في معرض تناولها لطبيعة الإختلافات فيما بين كتابات الأدباء الذكور وكتابات النساء تشير إلى أنه قد جرت محاولات لبناء جماليات أنثوية بالمقام الأول تتعلق بخبرة النساء الحميمة المقصورة عليهن وتركيبهن البيولوجي الخاص، وهو ما ينعكس بالطبع على تناولهن لموضوعات: «الحمل والوضع والإرضاع والحيض والاغتصاب» .. المشكلة هنا تتمثل في كون ذلك التصنيف يعيد معضلة تتعلق بكون جماليات الإنتاج الأدبي للإناث تنحصر في تجسيد المعاناة المتعلقة بحياة الإناث وربط المجاز الذي تستخدمه الكاتبة بالجسد الأنثوي فقط.

إتاحة تراث كتابات النساء ومحاولات نقده يتضمن الكثير من الآثار الإيجابية لكونه يعد تجسيدا عمليا لقدرة النساء على رواية قصتهن وعرض تجاربهن، وهو ما من شأنه أن يتيح لعموم النساء فرصة للتعرف على أنفسهن وعلى صوتهن المشترك وهويتهن المشتركة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: