رؤى

الأمير عبد القادر: المجاهد الذي هزم مخططات الاستعمار بالتسامح

‎في شهر يوليو من كل عام تحتفل الجزائر بنيلها الاستقلال بعد نضال طويل ودام ضد استعمار فرنسي استمر نحو ١٣٢ عاماً وكلف الجزائر نحو مليون ونصف المليون من خيره أولادها.

‎ومنذ الاستقلال عام ١٩٦٢ تحتفي الجزائر في هذه الذكرى (الخامس من يوليو) برموز نضال شعبها الطويل ضد الاستعمار الفرنسي منذ أن وطأت أقدام الغزاة أرض البلاد عام ١٨٣٠ وفي مقدمة هذه الرموز بطبيعة الحال الأمير عبد القادر.

الأمير عبد القادر الجزائري

‎كان الأمير عبد القادر في مقدمة من عقدوا لواء الجهاد وقادوا الشعب في مقاومته ضد الغزاة ومن اللافت للنظر انه بدأ نضاله الطويل وهو شاب لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره وذلك في خريف العام ١٨٣٢ حين بايعته قبائل الغرب الجزائري بالإماره خلفاً لأبيه الشيخ محي الدين أحد أبرز شيوخ الطريقة القادرية والذي اعتذر عن هذا المنصب واعتبر أن ابنه الشاب أقدر بسبب سنه ونبوغه المبكر على قيادة المجاهدين.

‎وكان الأمير الشاب عند حسن ظن أبيه ومن بايعوه على حد سواء وخاض حرباَ ضروسا ضد الاستعمار الفرنسي على مدار ١٥ عاماً كلف فيها الفرنسيين خسائر بشرية جمة وأجبر فرنسا على الاعتراف به في معاهدتين مختلفتين كحاكم شرعي لما تحت يديه من أراضي.

‎إلا أن هذا الجهاد الطويل انتهى للأسف عام ١٨٤٧ حين اضطر الأمير للاستسلام تحت وطأة حصار فرضه عليه الجيش الفرنسي شرقًا وجيش السلطان المغربي غربًا وخيانة بعض القبائل له.

‎وعن أسباب هزيمة الأمير يقول الباحث في تاريخ هذه الشخصية، محمد طيبي: «لقد خانه شيوخ القبائل والزوايا، الذين اخترقتهم فرنسا واشترت ولاءهم، ففقد الأمير الحاضنة الشعبية. وأنه لبس صحيحا علي الإطلاق ما يقال بشأن هزيمة الأمير، ببساطة لقد تعرض للخيانة».

الباحث محمد طيبي

‎ويؤكد نزار أباظة في كتابه «الأمير عبد القادر الجزائري العالم المجاهد» أن «الأمير لم يسلم سيفه الا بعد ان اشترط على الفرنسيين سلامته وسلامة أسرته ووزرائه وضباطه، واتفق معهم أن يخرج إلى عكا أو الإسكندرية».

كتاب «الأمير عبد القادر الجزائري العالم المجاهد لـ نزار أباظة

‎إلا أن الفرنسيين لم يحترموا تعهداتهم للأمير فتم نقله وهو على متن السفينة إلى فرنسا وتم سجنه هناك في أوضاع سيئة للغاية أثرت على صحته وعلى معنويات أتباعه.

‎إلا أن الوضع تغير بعد أن اندلعت ثورة في فرنسا عام ١٨٤٨ وعودة نابليون الثالث إلى سدة السلطة هناك، حيث اتخذ الأخير قراراً بالإفراج عن الأمير عام ١٨٥٢ وبدأ يتنقل بين المنافي إلى أن استقر في دمشق عام ١٨٥٥.

الثورة الفرنسية

من جهاد السلاح إلى جهاد التسامح

‎وفي دمشق كان الأمير عبد القادر على موعد مع جهاد جديد لا يقل أهمية عن جهاده الطويل ضد مستعمري بلاده من الفرنسيين لكنه جهاد لم يرفع فيه سلاحاً ولم يطلق فيه طلقه بل كان سلاحه الوحيد فيه هو التسامح.

‎كانت بلاد الشام منذ مطلع القرن التاسع عشر ساحة للصراع بين القوى الأوروبية الطامعة في المنطقة العربية وبين الدولة العثمانية التي كانت لا تزال تهيمن على ذلك الجزء من العالم.

‎وكانت إثارة النعرات الطائفيه والعرقيه سلاح القوى الأوروبية وخاصة انجلترا وفرنسا لإجهاض ما يعتبره المؤرخون «الدولة العربية الموحدة» التي أسسها القائد إبراهيم نجل محمد علي باشا والي مصر حيث شجعت انجلترا الثورات الطائفية خاصة في لبنان، الأمر الذي مهد الطريق لتدخلهم وإجهاض التجربة في مهدها أواخر ثلاثينات القرن التاسع عشر.

إبراهيم باشا نجل محمد علي باشا

‎وفي عام ١٨٦٠ تجدد النزاع الطائفي في جبال لبنان بين كل من الطائفة الدرزية والطائفة المسيحية ولم تكن الأصابع الخارجية بعيده عن الأزمة حيث سلحت انجلترا ودعمت الدروز في حين دعمت فرنسا أبناء الطائفة المسيحية.

‎ووصلت الأزمه إلى دمشق ذاتها حيث هاجم مسلحون من الدروز الأحياء ذات الأغلبية المسيحيه، كما هوجمت الكنائس وقتل الآلاف من المسيحيين

‎كان الأمير عبد القادر يتوقع حدوث هذه الفتنة حيث أنذر القنصل الفرنسي قبل وقوعها أن «العنف بات وشيكاً».

‎وحين اندلعت الأحداث، استطاع الأمير المتصوف المدرك تمام الإدراك لجوهر العقيدة الإسلامية أن يفرق بين من قاتلهم من الغزاة الفرنسيين وبين من هم أهل ذمة وعهد مثل مسيحيي الشام وحتي الأوروبيين المدنيين الموجودين في الشام الذين كانوا يتعرضون للعدوان، فلم يأخذ الفئة ‎الثانية بجريرة الأولى كما يفعل بعض المتزمتين اليوم تحت حجة واهية وهي أن عقيدة الفئتين واحدة‎ بل فعل الأمير العكس تماماً.

‎حيث فتح الأمير داره لاستقبال مسيحيي دمشق وآواهم وأمنهم واتفق مع المنفيين معه من الجزائر ومع أعيان دمشق الذين كانت تجمعه بهم صلات قوية على أن يفعلوا المثل في بيوتهم.

جولة بمنزل الأمير عبد القادر الجزائري بدمشق

‎وكان من بين من آواهم الأمير في داره عددا من قناصل الدول الأوروبية بل وزاد على ذلك أن أرسل أولاده لحماية المسيحيين وتأمين أي فرد يطلب النجدة.
وذكرت صحيفة لو سياكل الفرنسية نقلاً عن أحد الناجين أن «الرب أرسل إليهم منقذاً في شخص الأمير عبد القادر» بعد أن كانوا على شفير الهلاك وأنه أقبل على صهوة جواده وبدون سلاح محاطاً بنحو أربعين مسلحاً جزائريا من أتباعه وقد طمأنت ابتسامته الواثقة المسيحيين.
صورة متخيلة لعبد القادر الجزائري وهو ينقذ مسيحيين خلال الأحداث

‎كان لموقف الأمير أثر كبير في تهدئة ‎الأوضاع، وتردد صدى ما قام به في العالم أجمع حيث كرمته فرنسا ومنحته أرفع أوسمتها العسكرية، كما نال أوسمة أخرى من كل من اليونان والدولة العثمانية وأهداه الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن أسلحة نارية تعبيراً عن تقديره لموقفه.

عندما كرم الأمريكيون أيقونة الجهاد

 

‎لم يعتبر الأمير ذو الأفق الإنساني الرحب والمبكر أن ما فعله أمراً مستغرباً أو نادراً بل عبر ببساطة عن دوافعه في رسالة بعث بها إلى مجاهد آخر هو الأمير شامل الداغستاني الذي كان يقود المقاومة ضد الإمبراطوريه الروسيه، حيث كتب عبد القادر إلى شامل في سجنه في كييف بأوكرانيا ليقول:

‎«إن ما فعلناه بحق المسيحيين ليس إلا ما يمليه علينا الواجب الديني والإنساني».

الأمير شامل الداغستاني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق