رؤى

مفاوضات أوسلو لم تكن إلا خطوة مخادعة في مخطط ضم الأراضي الفلسطينية

     تنشر أصوات مقالين مهمين للغاية عن المشروع الاستعماري الإسرائيلي -المدعوم أمريكيا- لضم الأراضي الفلسطينية.. الأول هو المقال الحالي، وهو مقال تحليلي بارع للأكاديمي العربي المرموق في جامعة كيبك د. رشاد انطونيوس خص به الموقع و تفند الادعاء بأن العودة إلى مسار عملية أوسلو هو الحل لوقف هذا الضم الخطير وتكشف أن الدودة في أصل الشجرة وأن أوسلو هي التي قادت إلى كل هذا الانهيار الفلسطيني، وكل هذا التوحش الاسراييلي. والمقال الثاني هو مقال مترجم للباحثة جريس ويرمينبول المحاضرة في قسم السياسة والصراعات الدولية بجامعة أكسفورد والتي تثبت فيه أن الضم الاستيطاني الذي يجهز له بمثابة عملية (إبادة) للجغرافيا والتاريخ الفلسطيني.. وليس مجرد قضم أراضي أخرى من البقعة الوحيدة المظلمة الباقية للاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري في العالم.

أصوات أونلاين

‎انتقد العديد من المحللين والدبلوماسيين خطة إسرائيل لضم جزء كبير من الضفة الغربية ودعوا إسرائيل إلى التخلي عن هذه الخطة والعودة إلى ما يسمى «عملية السلام» التي بدأت في أوسلو. لكننا نري أن عملية المفاوضات التي بدأت في أوسلو في عام 1993 كانت مجرد واجهة استخدمتها إسرائيل لكسب الوقت، فكانت  تخلق «حقائق على الأرض» استعدادًا لضم جزء كبير من الضفة الغربية.

‎رحب المجتمع الدولي بعملية أوسلو الدبلوماسية بشدة، كما رحب بها بعض القيادات الفلسطينية. كان الجميع يأمل أن يؤدي الاعتراف المتبادل إلى عهد جديد من السلام، حتى لو كان هذا الاعتراف المتبادل محدودا وغير متكافئ، وقدمت مسرحية  «أوسلو» للكاتب J.T.  Rogers في مونتريال ونيويورك وأماكن أخرى، وعرضت في برودواي للإشادة بعملية أوسلو وإبراز الشجاعة الأخلاقية لمهندسيها.

‎لكن اتضح أن عملية أوسلو الدبلوماسية كانت مجرد خداع سياسي وأخلاقي ساعد المحتفون به في إضفاء الشرعية على هذا الاحتيال، مع الاعتقاد بأنهم يدعمون جهود سلام جديرة بالثناء، وذلك لأسباب عديدة.

‎بداية لم يكن الاعتراف بين إسرائيل والفلسطينيين متكافئا  في اتفاقيات أوسلو، ففي حين اعترف الفلسطينيون بوضوح بدولة إسرائيل، فإن مصطلح «الدولة الفلسطينية» كان غائبا تمامًا في نص الاتفاقيات وكذلك عن جميع الوثائق التحضيرية، كما لم يشر إلى ضرورة وقف الاستعمار أو تفكيك المستوطنات. وهكذا اعترف الفلسطينيون بشرعية إسرائيل (وبالتالي بشرعية سلب أرضهم وحرمانهم منها) كمقدمة لاتفاقيات أوسلو، ولكن تم تأجيل الاعتراف بشرعية الدولة الفلسطينية المحتملة من قبل إسرائيل إلى نهاية العملية، بعد أن يكون الطرف الفلسطيني قد قبل جميع الشروط الأخرى المفروضة عليه، وقد تم تبرير هذا الخلل بفكرة وجوب استعادة الثقة المتبادلة أولاً، قبل معالجة القضايا الجوهرية.

ريع قرن على اتفاقية أوسلو

‎منذ بداية المفاوضات، أطلقت إسرائيل، في الواقع، مشاريع بناء جديدة في الأراضي المحتلة مخصصة حصريًا للمستوطنين اليهود، وبدأت في بناء شبكة واسعة من الطرق السريعة التي تربط المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية بالأراضي الإسرائيلية وتتجاوز المدن الفلسطينية و القرى. وفي الوقت نفسه، تم تدمير بعض الأحياء العربية في القدس الشرقية (الجزء العربي من القدس، الذي احتلته إسرائيل في عام 1967) وبدأ برنامج عدواني لتهويد القدس. كل هذا وثقته بإسهاب  منظمات إسرائيلية منها منظمة «بتسيلم»

مستوطنات غير شرعية مقامة على أراضي فلسطينية، والفلسطينيين ينظرون بحسرة

‎وظهرت نتائج هذه السياسة بسرعة، فبين عامي 1993 و 2000، تحت رعاية ما يسمى بـ«عملية أوسلو للسلام»، تضاعف بالفعل عدد المستوطنين في الضفة الغربية من (250000) إلى ما يقرب من (500000) انتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة 1949،  وبحلول نهاية عام 2017، وصل عدد المستوطنين إلى حوالي 620000 موزعين على 131 مستوطنة رسمية، و 110 مستوطنة غير رسمية بما فيها الجزء المحتل من القدس وكل هذه المستوطنات لا تزال تتلقى الدعم من الحكومة الإسرائيلية.

‎و كان مسار «الجدار» أو «السياج الأمني» الذي بنته إسرائيل علامة أخرى على نيتها على الضم القادم (الذي نواجهه الان ) إذ لا يتبع هذا الجدار «الخط الأخضر» الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية، ولكنه يخترق الأراضي الفلسطينية، ويمنع كثيرا من المزارعين وأصحاب المتاجر من العمل في ممتلكاتهم التي أصبح جزءا منها الآن غرب الجدار. وكانت الآلية التي جعلت ذلك ممكنا هي تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق ، أ ، ب ، ج ، بموجب اتفاقيات 1995 (أوسلو الثانية). تشمل المنطقتان (أ) و (ب) سكان فلسطينيين فقط في المنطقة (أ) لديهم ما يعادل السلطات البلدية، بما في ذلك الشرطة والمراقبة الأمنية للسكان لحساب قوة الاحتلال. وفي المنطقة (ب)، تم تقاسم هذه السلطة مع دولة الاحتلال، إسرائيل. وفي المنطقة (ج) التي تضم الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تمثل حوالي 62 في المائة من الضفة الغربية، تتمتع إسرائيل بالسيطرة الكاملة وهذه هي الأراضي التي حدث فيها نشاط استيطاني مكثف في السنوات الـ 25 الماضية.

جدار الفصل العنصري في الضفة

‎قسمت نقاط التفتيش البالغ عددها 460 (أو نحو ذلك) والطرق الالتفافية التي تم إنشاؤها بموجب اتفاقيات أوسلو أراضي الضفة الغربية المحدودة إلى 64 قطعة منفصلة عن بعضها البعض، الأمر الذي جعل مرور الفلسطينيين من قسم إلى آخر مؤلما ومذلًا وبطيئًا جدًا. كان من نتائج هذا الوضع شل الاقتصاد الفلسطيني و إنهاء دور القدس كمركز اقتصادي حيوي للضفة.  ونتيجة لذلك، أصبح الوضع الاقتصادي والسياسي للفلسطينيين في ظل ما يسمى «باتفاقيات السلام» أسوأ بكثير مما كان عليه قبل «السلام»، وكلما احتجت السلطة الفلسطينية، ردت الحكومات الغربية بأنه لا ينبغي تعطيل «عملية السلام».

‎من المؤكد أن أوسلو ليست هي الإطار المناسب للعودة إليه. ولاهي الوسيلة الصحيحة لمواجهة خطر الضم، ويجب بدلاً من ذلك وضع سياسة عقوبات صارمة، لإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون الدولي. لكن هذا ليس ما نراه يتشكل. في هذه اللحظة التاريخية التي يعيد الجميع فيها النظر في إرث الاستعمار والعبودية، اذ تواصل الحكومة الكندية ومعظم قوى الناتو دعم سياسة إسرائيلية استعمارية للفصل العنصري موروثة من القرن التاسع عشر.

رشاد أنطونيوس

‎أستاذ في علم الاجتماع، جامعة كيبيك في مونتريال

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: