ثقافة

«أحلام مُستغانمي» من «ذاكرة الجسد» إلى «الأسوّدْ يليق بكٍ» (2)

… عندما كتبت قبل ذلك عن مجموعة من المُبدعين المصريين والعرب، وجدت أن أعمالهم الروائية اتسمت بلغة عربية جميلة وفصيحة وآثرة، ومن لم أجده كذلك، ابتعدت عن التطرق لأعماله رغم حرصي عَلى قراءتها، فاللغة عندي هي كالنبات المورق الأخضر الذي يحمل في طياته ثماراً يانعة، أو تلك الزهرة التي جمعت ما بين الجمال في الشكل والعطر الأصيل، فجمال أداة التعبير لا تنفصل عندي عن الجوهر والمضمون …

مع «أحلام مُستغانمي» وجدت توافقاً مُدهشاً بين جمال اللغة، وروعة المضمون، وهي في ذلك جمعت ما بين انسيابية اللغة عند «أحمد بهاء الدين» وجمالية اللفظ والكتابة عند «محمد حسنين هيكل»!! ….

أحمد بهاء الدين، محمد حسنين هيكل

وفي ظني أن روايتها «الأسوّدْ يليق بكٍ» هي خير تجسيد لٍمّ أقصد، بل أنها عَلى صعيد اللغة جاءت أفضل من سابقاتها من أعمال، بما فيها «ذاكرة الجسد»، وهذا منطقي للغاية فتلك السنوات الفاصلة بين العملين تزيد عن ثلاثين عاماً، حيث صدرت روايتها الأولى عن دار الآداب البيروتية عام ١٩٨٨، فيما صدرت روايتها «الأسوّدْ يليق بكٍ» سنة ٢٠١٢ عن دار «نوفل» البيروتية أيضاً في طبعة ممُيزة، وعدد من الصفحات بلغ ٣٣٠ صفحة…

قصة الحب التي جمعت ما بين «هالة الوافي» تلك الفتاة الجزائرية البالغة من العمر ٢٧ عاماً، وذلك الثري اللبناني، بالغ الثراء «طلال هاشم» الذي يخطو الى الخمسين من العمر، بدأت في مطار شارل ديجول بالعاصمة الفرنسية باريس، وانتهت في صالات مطار ڤيينا، تلك العاصمة النمساوية رائعة الجمال، وثرية التراث، تاريخاً وموسيقى…

والرمز هنا واضح، سواء في اسم الأبطال في هذا العمل الجميل، أو تلك العلاقة العابرة في مطارات دولية، باريس وفيينا وبينهما القاهرة وبيروت ودمشق، كذلك في دلالة الأسماء، ف «هالة الوافي» يحمل الاسم من دلالات البهاء والوفاء والعطاء، فيما يحمل اسم «طلال هاشم» من معانٍ الأطلال والتهشم والهشيم!!

و«مُستغانمي» في ذلك تتبع مدرسة قيصر الرواية العربية «نجيب محفوظ» الذي عّلمنّا أن دلالات الاسم عنده، تحمل من الدهشة ما يثير العجب، ويكفينا الرجوع الى عمله الفذ «أولاد حارتنا» التي جمعت من الدلالات في عالم الأسماء ما يستدعي العجب والدهشة والإعجاب…

رواية أولاد حارتنا، نجيب محفوظ

القيم التي تحملها «هالة الوافي» و «طلال هاشم» حتماً لا يلتقيا، بل تتصادم بلا جدال، فإذا ما تخلت هي عن تلك القيم والمبادئ التي لقنها إياها جدها، وورثت عنه كل ماهو جميل وعريق وأصيل، يجعلها فتاة عادية يطيح بعقلها ومن ثم جسدها هذا الثراء الفاحش!!

وهي بالقطع ليست كذلك…

هي لفرط ما رافقت جدها عَلى مدى سنوات الى ذلك الجبل الذى يُطل على «مروانة» قريتها، اعتادت أن ترى العالم بُساطاً تحتها، لم تكن نظرة مٌتعالية عَلى العالم، لكن تعلمت وهي على منصة عليا للطبيعة، ألاّ تقبل أن يُطْلّ عليها أحد من فوق..

هكذا تتحكم جبل الأوراس في قدرها…

أما «طلال هاشم» اللبناني الأصل والمولد، لا نجد كلمة واحدة يُشير اليها بفضل وطنه عليه، فالفضل كله يرجع إلى بلاد البن والسامبا، البرازيل، التي بدأت في أرضها ثروته، فساحت عَلى بعض دول الشرق، غير أنها تركزت في بلدان أوروبا بسلسلة لا تنتهي من المطاعم والمتاجر الكبيرة والفنادق الشاهقة…

عالمان مٌختلفان!!

فهي الحاملة لجينات الكبرياء والبراءة وعنفوان الشباب، وهو الرجل الذي يُحدد قيمة العالم بالأرقام، وقيمة الإنسان عنده، هو بما يحمل هذا الإنسان في حافظة نقوده من شيكات واوراق بنكنوت!!

هي الفراشة الجميلة رغم حُزنها على فقد والدها وشقيقها ذبحاً عَلى يد التكفيريين في وطنها خلال العشرية السوداء!!

وهو الذي لا يعرف لنفسه وطناً، فهو الطائر دوماً بحثاً عن أمواله التي تتعدد في مصارف وبنوك الدنيا…

فهل تخضع الفراشة لذلك الرجل الذي يحمل مّكرْ الثعالب عندما يُرِيد أن تكون «هالة الوافي» له وحده، ووحشية الذئاب عندما ترفض له غاية، ونفخة الطاووس عندما يتعامل مع خلق الله!!

لم تكن تلك الفراشة الجزائرية الباهرة الجمال، وقوية الشخصية، والبالغة الذكاء، بغير سلاح….

سلاحها هو تلك الموهبة الموروثة من قريتها، هو حنجرتها الذهبية، وصوتها القوي الجميل، فقد عّلّمها جدها أن الجبال كانت منابرهم وهواتفهم ومنصات غناءهم، وحائط مبكاهم، خلال حرب التحرير، لذا أعلنت فرنسا الحرب عَلى الجبال، وألقت قنابل النابالم على الأشجار، كي تحرق أي احتمال لبقائها واقفة!!

جيش التحرير الوطني الجزائري

لذا منذ الأزل يُباهي رجالها بحناجرهم لا بما يملكون، ففي «مروانة» فقط يرفع الرجال إلى السماء هذا الدعاء العجيب الذي لم يرفعه يوماً بشر إلى الله:

«يا ربي نقّص لي في القوت، وزٍد لي في الصوت!!»….

ولأنهم أنقياء القلب، طيبي السريرة، استجاب لهم الله.

«هالة الوافي» ابنة «مروانة» أباً عن جد، ورثت عن أبيها جمال الصوت وقوته وما يحمله من شجن، وعندما تجرأ الرجل بالغناء ذبحه التكفيريون، لأنه خرج عن جادة «الإسلام» في عرفهم المريض، وخالف شريعتهم الغبية…

ذات صباح، طلبها مدير المدرسة التي تعمل بها مُعلمة لُغَة عربية، ليخبرها أنها مفصولة من العمل، والذريعة الواهية هي أن الأهالي لا يريدون أن تُدرٌس مُطربة أبناءهم، هي لم تكن قد غنت سوى مّرتين، مرة في ذكرى وفاة والدها، ومرة في برنامج تلفزيوني، رغم حب أهل «مروانة» لها، وحبها هي لكل تلاميذها…

رأت أمها في قرار طردها بمثابة الإنذاراً الأول الذي سيأتي بعده ما لا تُحمد عُقباه، ولأنها لم تشأ أن تترك قبراً ثالثاً في الجزائر، قبر زوجها وقبر ابنها، علاء، ذلك الطبيب الشاب، أخذت ابنتها وغادرت الى سوريا، وطنها الذي غادرته في الثمانينيات وهي صبية مع أسرتها عقب مذابح حماه التي راح ضحيتها الألاف، ومنهم والدها، قاصدة الجزائر للإقامة والزواج والعيش في سلام..

لكن سرعان ما تبدلت الأحوال، وسارت المأساة مُمتدة من حماه السورية إلى قسنطينة الجزائرية!!

كأن الموت إياه ينتظرها في سيناريو آخر، هذه المرة ليس الجيش الذي يقتل الأبرياء بشبهة إسلامهم، بل التكفيريون يقتلون الناس بذريعة أنهم أقل إسلاماً مما يجب!!

أحلام مستغنامي، وروايتها «الأسوّدْ يليق بكٍ»

غير أن الفراشة التي عانت الخوف من الموت، واجهت خوفاً آخر هو الخوف اللذيذ وهي في طريقها الى الحفل الذي دُعيت لإحيائه في باريس، فقد انطلقت الى رحاب الحرية، والعتق من نار التكفيريين!!

فقد تلقفت الصحافة الفرنسية قصتها، وها قد غدت رمزاً للنضال النسائي ضد التكفيريين، والفراشة التي كسرت بصوتها قضبان التقاليد الجاهلية، مُتحدية من أرادوا قَص أجنحتها…..

بصلابة چينات «الأوراس» الموروثة عن الجد، وشجن الصوت المأخوذ عن الأب الذبيح، خطت خطواتها الأولى الى الشهرة…

«طلال هاشم» المُتسربل بحزام الثروة، كان في هذه اللحظة الوجه الآخر للتكفيرييين، الحاملين للحزام الناسف!!

فقد أرادوها قتيلة بذريعة الْكُفْر، وهو رآها ذبيحة بذريعة الحب عَلى مذبحه غير المُقَدس!!

لقد رأى الفراشة الذهبية، لأول مرة، في حديث تلفزيوني، فكانت إجاباتها نموذجاً للثقة في النفس، وصاحبة الكلمات القليلة، الواضحة والحاسمة، التي تحمل في صياغتها ونّظمها ما يُشبه الشعر، كأنها مولودة بالفطرة أديبة تحترف الإبداع، وفي الوقت نفسه مُطربة أصيلة، تحلم أن تكون عَلى درب سيدة الغناء العربي، التي كانت تعرف سيرتها، حق المعرفة، منذ خرجت في أوائل القرن الماضي، من قريتها «طماي الزهايرة» في ربوع دلتا النيل لتصبح «كوكب الشرق» الذي تتزين به سماء العرب…

كوكب الشرق أم كلثوم

غير أن، مّكْرْ الثعالب، الذي سيطر على عقل «طلال هاشم» طوال مُتابعته لتلك الفتاة التي تزداد جمالاً وبهاءاً بارتدائها ملابس سوداء، سواء في حفلات الغناء، أو أحاديث الإعلام، أثار عنده فضولاً، لماذا ترتدي تلك الفتاة هذا الفستان «الأسوّدْ الذي يليق بها» !!

ولذكائه دأب عَلى إرسال باقات الورود اليها حيث كانت، سواء عند مُشاركتها في حديث تلفزيوني أو عند وقوفها على خشبة مسرح احتشد فيه الألاف!!

كانت باقات، من زهرة «التيوليب» تأتي اليها حيث تكون، في باريس، في القاهرة، في بيروت، فبإشارة منه يتحرك واحد من العاملين في أحد مكاتبه في هذه العاصمة أو تلك حاملاً باقة الزهر…

غير أن العاصمة النمساوية التي شهد مطارها نهاية مكر الثعالب، بعد أن ظهرت أنياب الذئب ومخالبه، شهدت ما جعل تلك العاصمة نهاية لمأساة، وبداية لمرحلة جديدة في حياة تلك الفراشة، فقد سمعت من يقول لها، وعلى لسان دبلوماسي جزائري، يعمل في منظمات الاغاثة التابعة للأمم المتحدة، وتحديداً في العراق بعد كارثة الإحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣، أن قال لها مٌتباهياً بها أمام زميله الذي يعمل في سفارة بلاده في ڤيينا وبكل العنفوان الجزائري في الثناء عَلى امرأة، قال لها ضاحكاً:

«يعطيك الصحة يا الفحلة متاعنا»!!

أي أنها، «أخت الرجال» كما يقولون في سوريا، أو «بنت بمائة راجل» كما يصفون ما تستحق الإحترام في مصر المحروسة…

هل هي بالفعل كذلك؟؟

نعم…

هي بالفعل كذلك!!

لا بأس أن تكون قد حاربت بإنوثة كل النساء، لتكسب معاركها بفحولة كل الرجال…)

الأسود يليق بك

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: