منوعات

الأونلاين.. يتيح التعليم مدى الحياة و يغير الدور التقليدي للمدرسة والجامعة

     «كورونا» ليس مجرد فيروس له أثار صحية فحسب، بل فيروس يعيد رسم حياتنا، ويجعلنا نفكر في المستقبل بشكل مختلف، ونعيد ترتيب أولويات قضايانا الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها «التعليم عن بعد»، كثير من دول العالم قبل «كورونا» كانت تسير في اتجاه استخدام التكنولوجيا الحديثة وشبكات الأنترنت، وطبقت عدد من الدول بعض الإجراءات من أجل تطوير نظم التعليم لديها، لكن مع تفشي فيروس كورونا واتخاذ الحكومات قرار بتعليق الدراسة في المدارس والجامعات، من أجل تطبيق سياسة التباعد الاجتماعي وحماية الطلبة والطالبات من العدوى، فرض ذلك تحدي كبير حول العملية التعليمية خاصة وأن هذا القرار أثر على ما يقرب من (مليار شخص) أصبحوا خارج المؤسسات التعليمية.

      ونظرا لأهمية القضية وتأثيرها على جميع مجالات التعليم ما قبل الجامعي والجامعي وتعليم الكبار فبادرت مؤسسة المرأة والمجتمع بتنظيم ندوة أون لاين حول «مستقبل التعليم وأبعاد التواصل الشبكي»، وطرحت خلال الندوة عدد من الأوراق المهمة كما اطلق العدد السادس من النشرة الالكترونية التعليم والمستقبل الصادر عن مؤسسة المرأة والمجتمع.

    ومن بين هذه الأوراق، ورقة بحثية بعنوان «تحدّيات التعلّم والتعليم في العالم العربي على ضوء أزمة كورونا وما بعدها» أعدها أ. غسان أنطوان معلم لبناني مصنف من أفضل 50 معلم عالمياً، تضمنت الورقة عرض لدراسة لموقع «Word economic» تشير إلى أن حجم الاستثمار في مجال «التكنولوجيا التربويّة» قد بلغ في العام 2019 قرابة الـ 19 مليار دولارًا، ويتوقّع أن يبلغ الحجم التراكمي للاستثمار في هذا المجال حتى العام 2025 قرابة 350 مليار دولارًا. يري أ/ غسان أن هذه الأرقام إن دلّت على شيء فهو مدى تنامي الرهان على استعمال التكنولوجيا في القطاع التربوي حول العالم، وأنّ استعمال التكنولوجيا في مجال التعليم يكون فعّالًأ بقدر ما يكون مبنيًّا على ثقافة وخبرة تربويّة من قبل المعلّم لا غيره، إذًا من المهمّ في زمن العولمة الاستفادة من ثورة تكنولوجيا المعلومات واستعمالها في مجال التربية ولكنّ الأهم هو أن نضع في متناول المعلّم المناهج التفاعليّة الّتي تستثمر الامكانات الرائعة والهائلة للتكنولوجيا بناء على خلفيّة تسعى الى تحقيق الأهداف التربويّة من تنمية كفاءة الطالب وبناء شخصيّته الانسانيّة الملائمة للتعامل مع عالم القرن الواحد والعشرين السريع التطوّر. 

أ. غسان أنطوان معلم لبناني

واقترح أ/ غسان أنه يمكن التعلّم عبر الفيديو والبرامج التلفزيونيّة، ولا شكّ أنّ هذه الوسيلة قد تحقّق قدرًا أعلى من العدالة بالنسبة للطلّاب من حيث أنّها متوافرة بين أيديهم أكثر من الانترنت واجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، لكن من ناحية أخرى هي أقلّ أهميّة وانتاجيّة من التعليم عبر الانترنت خاصّة إذا ما استعملت كمجرّد شاشة عرض للتعليم بالوسائل التقليديّة، هنا لا بدّ من الاشارة الى أنّ التعليم في ظلّ التباعد الجسدي يخفّف كثيرًا من قدرة المعلّم على جذب الطالب وشدّ انتباهه للمشاركة في ورشة التعلّم الّتي هو مدعوٌّ اليها، وهذا يعني أنّ الدروس الّتي تعرض عبر تقنيّة الفيديو يجب أن تسعى للتعويض عن «فقدان الجاذبيّة»، ومن المفيد أن تكون الدروس المعدّة بتقنيّة الفيديو أو حتّى للعرض التلفزيوني والّتي يمكن إعدادها منزليًّا في هذا العصر، مبنيّة على برامج معلوماتيّة متخصّصة تبعًا للمادّة الدراسيّة وهذه البرامج متوافرة في معظم الموادّ، ومن الممكن ترك مساحة للتفاعل حتّى من خلال الفيديو.

«التعلم مدى الحياة»

      وفي ورقة بعنوان «التعلُم من بُعد…هل هو الحل لمواجهة الأزمات المفاجئة؟» أعدتها أ. د/ نادية جمال الدين أستاذة أصول التربية – جامعة القاهرة، و د/ نادية هاشم باحث بالهيئة العامة لتعليم الكبار، وأشارت الورقة إلى أن يبشر التوسع في استخدام التعلم من بعد باتساع النظرة إلى التعلم مدى الحياة، والذي من المطلوب أن يكون تعليما مستمرا بالفعل للجميع بأشكال وصيغ مختلفة ومتنوعة وفترات زمنية قصيرة سريعة تنشيطية أو تكميلية، ومن ثم  وبإتاحة التعلم عن بعد تصبح الفرصة سانحة لكل انسان في الاستمرار في التعلم بالصيغة التي تلائمه وبالمرونة المناسبة لاحتياجاته، وفي الوقت المناسب وبالمحتوى المطلوب، و يُمكن أن يُتاح هذا النمط من التعلم من خلال المدارس- الجامعات – مراكز التدريب التي تعمل بالطرق التقليدية أو من بعد أو من خلال دمجهما معًا فيما يعرف الآن بالتعلم المدمج، وبديهي أن هذه كلها قد أصبحت صيغًا مطلوبة بل مرغوبة من أجل مواجهة ما تفرضه متطلبات الواقع، من هنا لن يقتصر التعلم المستمر مدى الحياة على الكبار كما كان مشهورًا من قبل، بل يتحول ليصبح ثقافة أساسية سائدة متاحة تفرض نفسها على المجتمع ككل.

د/ نادية جمال الدين أستاذة أصول التربية – جامعة القاهرة

«جاهزية الدول النامية»

   بينما تناول د/ عاشور أحمد عمري، رئيس الهيئة العامة لتعليم الكبار موضوع مهم يتعلق بجاهزية الدول من الناحية التكنولوجية  وذلك في ورقة بعنوان «مستقبل تعليم وتعلم الكبار في عصر الجائحة الكونية Covid-19» وقال «عمري» أظهرت أزمة جائحة كورونا عدم جاهزية غالبية الدول لنظام التعليم عن بعد، خاصة في الدول النامية التي لا تتاح فيها هذه الخدمة لغالبية الدارسين، وقد يمثل الوقت الذي يقضونه خارج المؤسسات التعليمية أعباءً اقتصادية على كاهلهم وكاهل أسرهم. كما يمكن للمكاسب التي تحققت – بشق الأنفس- في توسيع نطاق الحصول على تعليم الكبار أن تتوقف، بل وتنتهي مع تمديد إغلاق مؤسسات تعليم الكبار، وتبقى إمكانية الحصول على خيارات بديلة – مثل التعلم عن بعد – بعيدة المنال لمن لا تتوفر لديهم وسائل الاتصال، والإنترنت؛ وقد يتسبب هذا الأمر في المزيد من الخسائر في رأس المال البشري، وتقلص الفرص الاقتصادية للدولة جراء توقف الأنشطة بها.

عاشور أحمد عمري، رئيس الهيئة العامة لتعليم الكبار

«أولياء الأمور»

    ليس التحدي الوحيد عدم توفير وسائل الاتصال والانترنت، لكن أيضا مدى استيعاب أولياء الأمور والطلبة والطالبات في المدارس لنظام التعليم عن بعد ولكى نتعرف على خبراتهم أجرينا مقابلة مع «دعاء» أم لثلاثة أطفال، في مرحلة التعليم الأساسي وقالت عن الفترة الحالية بعد تعليق الدراسة في المدارس: «تعرضنا إلى ارتباك مع تعليق الدراسة و حاولت المدرسة تساعدنا بإرسال الدروس أونلاين، لكن بطبيعة الحال هذا كان نظام جديد على أطفالي ولم يستطيعوا استيعابه، فاستجابتهم أفضل عندما كانوا في الفصل ومعهم المدرسة وتتواصل معهم بشكل مباشر، و أضافت «دعاء»: واجهت صعوبة في متابعة الدروس مع أطفالي الثلاثة وهم في مراحل عمرية مختلفة بالإضافة إلى شغلي و أعباء البيت، بينما أثناء الدراسة العبء أساسي على المدرسة ودوري مساعد، بالتالي اتحفظ على الدراسة أونلاين، وخاصة الأطفال محتاجين متابعة مباشرة فضلا عن أنهم لم يتدربوا على الأساليب التفاعلية مثل إعداد الأبحاث وواجهنا صعوبة كبيرة في إعداد الأبحاث التي كانت بديل عن الامتحانات.

«البنية التحتية التكنولوجيا»

   تولي الدولة اهتماماً واضحاً بالتعليم الإلكتروني منذ قبل «كورونا»، لكن مع استمرار هذه الأزمة تتجه الحكومة إلى التوسع في منظومة التعليم عن بعد، بهدف منع حدوث التزاحم والاختلاط بين الطلاب، خاصة في ظل استمرار أزمة «كورونا»، أن كل ذلك يرتبط بوجود بنية أساسية تكنولوجية قوية، حسب التصريحات الرسمية لوزارة التربية والتعليم تجرى الوزارة العمل حالياً على تطوير البنية التكنولوجية، انجزت الوزارة في الفترات السابقة عدد من المهام منها المكتبة الرقمية، التي تحتوى على مناهج رقمية تفاعلية تتضمن المناهج الخاصة بالصفوف الدراسية من «KG1» حتى «G12»، وذلك باللغتين العربية والإنجليزية، تمتلك الوزارة أيضاً منصة تعليم وفصول افتراضية تضم جميع مدارس الجمهورية، مسجل عليها 13.5 مليون طالب، و1.3 مليون معلم، إلى جانب مليون ولي أمر، وتستخدم هذه المنصة للتواصل الاجتماعي والعلمي، كما يتم من خلالها استلام المشروعات البحثية من مختلف الطلاب والتلاميذ.

المكتبة الرقمية

 وهناك إمكانية إجراء «بث مباشر» لجميع الدروس المتعلقة بمناهج الصفوف من الإعدادي إلى الثانوي، إلى جانب إجراء امتحانات إلكترونية للصف الأول والثاني الثانوي، فضلاً عن وجود منصة مراجعات إلكترونية لطلاب صف (الصف الثالث الثانوي)، وكذا إتاحة نُظم إدارة التعلم «LMS» لطلاب الصفوف من الصف الأول الثانوي حتى الصف الثالث الثانوي.

«ضعف الامكانيات»

بالتأكيد الجهود التي تقوم بها الدولة بالغة الأهمية وتفتح آفاق جديدة للتعليم خارج الأطر التقليدية، ومواكبة للتطورات العالمية لكن كيف سوف تستفيد الأسر الفقيرة من هذا التعليم فهذه الأسر لا تستطيع توفير الأجهزة أو اشتراكات النت لأطفالها، هذا ما ظهر مؤخرا عندما استبدلت الوزارة الامتحانات بتقديم الابحاث، التقينا مع «ميخه» صاحب مكتبة الذي تحدث معنا عن عدد من المشكلات قائلا: كان يأتي إلي المكتبة طلاب من مختلف الأعمار يطلبوا منى تأجير جهاز كمبيوتر للقيام بالبحث على النت لأعداد البحث لأنه لا يمتلك جهاز كمبيوتر، وأطفال في السنوات الأولى من المرحلة التعليمية يقولوا لي «عمو ممكن تساعدنا ندخل على الموقع ونعمل البحث عشان بابا وماما مش بيعرفوا وبسؤالهم يتضح أنهم من أسر فقيرة والاب والأم لا يجيدوا القراءة أو الكتابة»، وهذا تحدي جديد يجب أن تنتبه له الوزارة ويكون في تصور واضح للتعامل مع هؤلاء الطلاب.

«التعليم الجامعي»

نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 يونيو 2020 قرار رئيس مجلس الوزراء بإضافة فقرة جديدة إلى المادة 79 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1973 تنص على «يجوز أن تتضمن تلك اللوائح تدريس المناهج الدراسية إلكترونيا بنظام التعليم عن بعد وفقا لطبيعة الدراسة في الكليات والمعاهد المختلفة، وكذا عقد الامتحانات إلكترونيا متى توافر للكلية أو المعهد البنية التحتية والإمكانيات التكنولوجية التي تمكنها من ذلك»، حسب تصريحات الرسمية تعد وزارة  التعليم العالي والبحث العلميّ ً خطة للعام الدراسيّ الجديد يرتكز على تطبيق «التعليم الهجين»، الذي يستند إلى دمج نظامي التعلم «وجها لوجه» و«التعلم عن بعد»، وسيتم تقسيم الطلبة إلى مجموعات تدريسية صغيرة، مع اتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية وتطهير المدرجات وقاعات التدريس يومياً، وتعقيم وتطهير المعامل قبل كل معمل أو حصص عملية، إلى جانب التشديد على ارتداء الكمامات الواقية وذلك للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين، وسيتم ذلك من خلال التنسيق مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فيما يتعلق بالبنية التحتية، كما سيتم تدريب أعضاء هيئة التدريس، وتقديم جميع انواع الدعم المستمر للطالب على كل من المستوى العلمي، والتقني، والإرشاد الأكاديمي، ومن خلال الاطلاع على المواقع الرسمية للجامعات، فيوجد المنصات الإلكترونية وخدمات الكترونية.

   للتعرف على أراء الطلبة والطالبات ألتقينا مع «أسماء» أحدى طالبات الدراسات العليا جامعة القاهرة، رحبت بتطبيق نظام التعليم من على بعد وقالت خلال الفترة الماضية كانت المحاضرات عن طريق شبكة الأنترنت واستخدام البرامج الإلكترونية منها «زووم» وكانت مناسبة جدا في تحديد المواعيد مع الدكاترة، وهذا كان مناسب جدا لأنه يتيح ننسق مواعيد المحاضرات مع ظروف العمل، لكن هناك بعض المشكلات مثلا موقع الجامعة في بعض الأحيان يكون هناك في صعوبة في استخدامه ولا يفتح، وواجهت هذه المشكلة عندما قمت بتسجيل مواد الترم من خلال الموقع الإلكتروني، أيضا أثناء الامتحانات الأون لاين يكون هناك شعور بالقلق من الشبكة سواء من الجامعة أم لدى الطلبة وهذه مشكلة أساسية محتاجة للعلاج قبل أن نبدأ في تطبيق نظام التعليم من على بعد.

وفي تعقيب سهام نجم رئيسة مجلس إدارة جمعية المرأة والمجتمع: أوضحت أن الجمعية مهتمة بقضية مستقبل التعليم، وسوف تعمل على تنظيم عدد من الندوات وجلسات النقاش عبر التواصل الشبكي التي تجمع الخبراء والمجتمع المدني، وأشارت إلى أهمية هذه الشبكات التي سوف تتيح لنا فتح الحوار على المستوى العربي والدولي.

التعليم عن بعد.. مداخلة «سهام نجم» رئيسة مجلس إدارة جمعية المرأة والمجتمع

منى عزت

باحثة مهتمة بقضايا العمل والمرأة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: