ثقافة

أوروبا مارست أساليب (مجنونة) في مواجهة (المجانين) وساوت بين المجرمين والمرضى

‎«رأيتهم عرايا أو يضعون على أجسادهم أسمالا ويفترشون التبن لاتقاء رطوبة الأرض التي ينامون عليها، رأيتهم بلا غذاء كاف محرمين من هواء يستنشقونه، محرومين من ماء يروي عطشهم، محرومين من الأشياء الضرورية للحياة، رأيتهم بين أيدي سجانين شداد، تحت رحمة مراقبة عنيفة، رأيتهم يتكومون في فضاءات ضيقة وسخة عفنة بدون هواء ولا نور، في كهوف لا تليق بالوحوش الضارية التي تنفق عليها الحكومات بسخاء في عواصمها» .. هكذا وصف «جان إسكورول» حال المرضى العقليين بالمجتمعات الأوربية خلال المراحل الأولى من التعامل معهم.

‎لم تكتف المجتمعات الأوربية في تعاملها مع «الحمقى .. المجانين» بالتخلص منهم بعيدا عن المدن الرئيسية فيما عُرِفَ «بسفينة الحمقى» بعد أن يتم تسليمهم إلى عدد من البحارة يبحرون بهم  بعيدا بعمق البحار في رحلة من التيه يظل فيها المرضى محتجزين داخل السفينة كالسجناء، بل بالإضافة إلى ذلك اعتمد الأوربيون علي حبس  المرضى بالسجون الفعلية مثلهم مثل باقي السجناء.

‎الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» الذي ترجمه إلى العربية الباحث المغربي سعيد بنكراد يواصل إبحاره في «عالم الجنون» وأساليب الإقصاء والتعسف المختلفة التي استعانت بها المجتمعات الأوربية في تعاملها مع المرضى «الحمقى .. المجانين» وأثر تلك الأساليب في المخيال الأوروبي وما نجم عنها من أعمال إبداعية بمختلف المجالات من الفلسفة للأدب ومن الرسم والنحت للموسيقى والمسرح.

«تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» للفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو»

فقراء باريس ومرضاها سجناء بالمستشفى العام

‎نقب ميشيل فوكو في ثنايا الوثائق التاريخية وتوقف عند ذلك المرسوم الصادر سنة 1656 الخاص بإنشاء المستشفى العام بباريس، ليكتشف أن ما أطلق عليه مسمى «المستشفى العام» ما هو إلا مكان يستخدم كملجأ لفقراء باريس «من كل الأجناس، ومن كل الأماكن والأعمار، كيفما كانت الصفة أو المولد، وكيفما كانت حالتهم: أصحاء أو معافين، مرضى أو في حالة نقاهة، يعانون من مرض عضال أو قابل للشفاء».

‎كانت المستشفى العام تلك تقدم خدماتها لكل من يلجأ إليها من تلقاء نفسه طلبا للإيواء والطعام أو الذين ترسلهم السلطات الملكية أو القضائية، وقد مُنِحَت صلاحيات كبيرة لمدراء المستشفى الذين كانوا يعينون مدى الحياة، وكانت سلطتهم تتعدى أروقة المستشفى لتصل إلى كل أرجاء باريس فكانت لهم: «صلاحيات السلطة والتوجيه والإدارة والتجارة والشرطة والقضاء والتقويم والعقاب للتحكم في كل فقراء باريس داخل وخارج المستشفى العام».

المستشفى العام، التي أنشأت بالمرسوم الصادر سنة 1656

‎المستشفى العام» تلك كانت تستعين بطبيب غير أنها لم تكن مؤسسة طبية بأي حال من الأحوال بل كانت مؤسسة ذات بنية شبه قانونية: «تقرر وتحكم وتنفذ» ولذا فقد أوتي المدراء ووضع بين أيديهم «الأعمدة والأطواق الحديدية والسجون الأمنية الموجودة بالمستشفى العام والأماكن التابعة له»، ليستخدمونها وفق تقديراتهم الخاصة ولا يقبل أي استئناف.

‎وكانت تصدر التعليمات من داخل المستشفى ذاتها إلى جانب تلك القرارت التي تأتي إليهم عن طريق «الملك أو الشرطة والقضاء».

‎سرعان ما عمت تلك المؤسسات أنحاء المدن الفرنسية بموجب مرسوم ملكي صدر في 16يونيو  سنة 1676 ينص على بناء «مستشفى عام في كل مدينة من مدن المملكة»

‎الغريب في الأمر أن «الكنيسة» -وفقا لمشيل فوكو-  لم تكن ببعيدة عن ذلك الأمر حيث عمدت بعض جمعيات الرهبانية على أن تستقبل «الأشخاص المعتقلين بأمر من صاحب الجلالة» في مؤسسات تابعة لها ويجري  تسيير الحياة فيها على إيقاع ديني وتتوفر بها (زنازين إعتقال )يتم فيها إحتجاز النزلاء الذين كان الملك من ناحية أو عائلة المحتجز نفسه من ناحية اخري  يؤدون تكلفة إقامته .المثير في شأن تلك المؤسسات أنها جمعت بين الرغبة في الإغاثة واستخدام القمع في آن واحد.

فيليب الأول، دوق أورليان – ملك فرنسا في تلك الفترة

معاقبة المتشردين وإعانة الفقراء

‎يلفت فوكو النظر إلى أن جذور تأسيس دور لحجز «المشردين والفقراء» في إنجلترا يمتد بعيدا في التاريخ .ولكنه يتوقف  خصوصا عند ذلك القرار الصادر سنة 1575 المتعلق «بمعاقبة المتشردين وإعانة الفقراء» ويقضي ببناء دور للإصلاح بمعدل دار بكل إقليم، يصرف عليها من خلال ضريبة  تم فرضها إلى جانب ما يمكن جمعه من تبرعات، ويتم تشغيل تلك الدور كما تعمل السجون المجاورة لها، ويكلف ضباط القضاء بمهمة الإشراف على جمع تلك الضريبة وإدارتها من أجل تشغيل تلك الدور.

‎خلال سنوات معدودة امتدت شبكة كاملة من تلك الدور بأنحاء أوروبا ويستشهد فوكو بما أشار إليه هوارد عن زيارته لتلك المؤسسات في نهاية القرن الثامن عشر بإنجلترا وهولندا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا من أنها كانت بمثابة مستشفي وسجن ومقر للإعتقالات في آن واحد.

‎عبر هوراد عن إدانته لإختلاط المرضى بسجناء الحق العام بالأطفال الصغار الذين كانوا يقلقون آباءهم أو يبذرون أموالهم ووفقا له فأنهم كانوا «خليط دون هوية» حيث ضمت تلك الدور عناصر غريبة غير متجانسة يجمع بينها البؤس والشقاء ونظرة المجتمع البرجوازي الرافض لوجود تلك الفئات.

‎بتلك الأزمنة كان الفقر والمرض يستوجبان العقاب .. «بأوامره تقسو السماء وتؤكل الثمار وتهضم طرية، وأشكال أخرى للثروة، وفي كل مرة، عندما تسقط كل الكروم والحقول والمراعي، فإن ذلك ليس شيئا آخر سوى عقاب من الله».

المجنون بين التقديس والغواية

‎المخيال الأوروبي تعامل مع المريض المجنون بطريقة مغايرة تماما للطريقة التي تعاملت بها المجتمعات الأوربية معه حيث قدست بعض الأعمال الإبداعية الجنون وتعاملت مع المجنون بوصفه قديس يستحق معاملة القديسين فترستان في أسطورة حبه الخالد لإيسوت حين هبط شاطىء الكرنواي دخل قصر الملك مارك بطريقة مغايرة لما هو مألوف في إستقبال العامة .. «لم يمنعه أحد من الدخول، سار وسط القصر، مقلدا المجانين تحت الأنظار الخذلى للخدم، واصل سيره دون تأثر إلى أن وصل القاعة حيث يجلس الملك والملكة وكل الفرسان، فابتسم مارك».

‎أفقد الواقع الأوروبي المجنون قدسيته التي تمتع بها في المخيال الإبداعي وحط من قدره ولم يعد أحد يستضيف المجنون سوى المستشفى جنبا إلى جنب الفقراء والبؤساء والمشردين وبات الجنون يمثل مشكلة «بوليسية» لها علاقة بنظام الأفراد في المدينة في المقام الأول بوصفه يسىء إلى الفضاء الإجتماعي.

‎على الجانب الآخر كان بعض رجال الدين من الكاثوليك يرون في دور الحجز التي ضمت المجانين والفقراء المشردين أنها بمثابة فرصة للعبادة والتطهر وهو ما دلت عليه كتابات القديس فانسان دو بول حين أشار: «إن الغاية النهائية التي اقتضت وضع أناس هنا بعيدا عن قلق هذا العالم وإدخالهم في هذه العزلة باعتبارهم نزلاء، هى تحريرهم من عبودية الخطيئة، وألا يكونوا معذبين أبدا،وان منحهم وسائل التمتع بما في الدنيا والآخرة، سيجعلهم يقومون بما في وسعهم من أجل التضرع للعناية الإلهية».

القديس فانسان دو بول

‎بات الأمر يتعلق بتخليص نزلاء تلك الدور من ذلك العالم الذي لن يقدم لهم وهم الضعفاء سوى الدعوة إلى إرتكاب الخطيئة، وهو ما أوجب عزلهم حيث لم يعد لهم رفيق سوى «الملاك الحارس» مجسدا في الحضور اليومي لحراسهم: «فالحراس يقدمون لهم نفس الخدمات التي تقدمها ملائكتهم بشكل لا مرئي، يقدمون المعرفة، ويعاملونهم، ويواسونهم ويقدمون لهم الخلاص».

‎سنة 1765 تم سن قانون جديد لخيرية «شاتو تييري» تنص على ضرورة قيام رئيس الدير بزيارة السجناء مرة واحدة على الأقل كل أسبوع، واحدا واحدا وبشكل منفرد، لمواساتهم ودعوتهم إلى اتباع سلوك قويم والوقوف أيضا وبشكل شخصي على حسن معاملة المسؤلين لهم.

شاتو تييري

من الحجز للسحر والشعوذة

‎مثل الحجز في تصور الكنيسة الكاثوليكية وتصور البلدان البروتستانية –وفقا لفوكو- أسطورة لسعادة إجتماعية بإعتباره إجراءا إقتصاديا ووقاية إجتماعية، تم فيها النظر للجنون بوصفه أفقا اجتماعيا للفقراء، مع عدم قدرتهم على العمل وإستحالة الإندماج مع الغير.

‎لم يقتصر الحجز على المجانين والفقراء فحسب بل امتد ليضم لائحة طويلة ممن رأى رموز المجتمع أنهم ضارين وهم: «المنحرف .. الغبي .. الضال .. المعوق .. المختل عقليا .. المنحل .. الولد العاق .. الأب المبذر .. المومس .. الأخرق .. المتهمون بالقذف في المقدسات الدينية» .. لا وجود لأي تمييز بين تلك الفئات فالمجنون والمجرم يتلقى ذات المعاملة، وهو ما نجم عنه سيادة فلسفة تخلط بين العقاب والعلاج، فإستخدام السوط على سبيل المثال في التعامل مع المرضى لم يكن مستهجن في ذلك الحين.

‎على الجانب الأخر برزت ممارسات السحر والشعوذة في التعامل مع كافة أشكال المرض وعلى رأسها الجنون جنبا إلى جنب تلك الرؤية المرتبطة بكون الجنون نوعا من «الإلحاد والشطط» وتراوح التعامل مع الجنون بوصفه حالة تقع ما بين الفعل التدنيسي والحالة المرضية.

من عالم الحجز إلى عالم المرض والعلاج

‎ضم عالم الحجز فئات مختلفة جمع بينهم كونهم يمثلون خطراعلى «الملك ومصلحة العائلة ومصلحة المجتمع والدولة» فلم يكن من المستغرب أن يوجد بالحجز الأب بيرغودي وهو من كهنة الكنيسة لكونه كان يقرض الناس مالا بفائدة عالية، كما وجد الكاتب الفرنسي الشهير دو صاد حتى لفظ أنفاسه الأخير بالحجز لكونه كان يدعو الناس عبر كتاباته وسلوكياته إلى تجاوز كل الحدود والإنغماس في لذات الجسد وشهواته دونما أي إعتبار لأية رقابة دينية أو أخلاقية، كما قضى الشاعر الفرنسي ميرابو زمنا في الحجز أيضا، كما وضعوا في السجن سيدة لأنها تجرأت وأعلنت أنها لا تحب زوجها، كل هؤلاء جنبا إلى جنب مرضى الجنون فيجمعهم ذات المكان ويقع عليهم ذات الأساليب العقابية.

‎يأتي القرن التاسع عشر لتظهر المؤسسات الطبية التي تمكنت من التعامل مع الجنون بوصفه مرضا عقليا يحتاج إلى علاج دون أن يكون له أي علاقة بالأخلاق أو الدين أو أحكام المجتمع وقيمه ورؤيته لما يجب أن يكون عليه البشر .. «نحن في حاجة إلى جنون الحب للحفاظ على النوع، ونحن في حاجة إلى هذيان الطموح لضمان سير جيد للنظام السياسي، ونحن في حاجة إلى جشع لامعقول من أجل إنتاج الثروات».

‎انعكست طريقة تعامل الأطباء مع الجنون على الأدباء والفنانين ورؤيتهم لعالم الجنون وتجلي ذلك في الشعر على وجه التحديد، كما أنعكست رؤية الأطباء على طريقة تعامل القضاء مع بعض القضايا الكبري التي ربما ترجع إلى فقدان الشخص لقدراته العقلية، وفي لوحة غويا «ساحة المجانين» على سبيل المثال لا تتكلم اللوحة عن الجنون وعن صوره الغريبة بل تتحدث عن روتينية الأجساد الجديدة المحنية بقوة، تلك التي كانت حركتها تستدعي أحلامها، في محاولة للتغني بحريتها المفقودة.

 

لوحة ساحة مع المجانين لـ فرانثيسكو غويا

‎كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي لميشيل فوكو يعد عن حق رحلة شيقة داخل ذاكرة التاريخ الحي للمجتمعات الأوربية جمعت بين رصد وقائع العسف والإقصاء التي تعرض لها مرضى الجنون وبين الإبداع الفني والأدبي الذي جاء من رحم تلك التجربة الإنسانية الشائكة بكل تداعياتها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: