رؤى

التجديد الحقيقي.. عبد المتعال الصعيدي نموذجا: «الأولوية للمصلحة حتى لو خالفت الإجماع»

     كانت رعاية مصالح العباد مسألة جوهرية لدي مدرسة الإصلاح الديني في فكرنا المصري الحديث، وذلك لوعي هذه المدرسة بأهمية عدم انفصال الدين – عبر الفكر الديني- عن مشكلات الناس، وقد تجلت رعاية المصلحة في اجتهادات الإمام محمد عبده ومدرسته الإصلاحية في الفتوي في مشكلات المجتمع التي طرحها اجتماعهم الحديث، فكان سباقا في فتاواه التي راعت تغير الظروف الاجتماعية في كافة المجالات مثل تقييد الطلاق وتقييد تعدد الزوجات، وإباحة التصوير والتمثيل من أجل الغرض التعليمي، وإباحة البنوك وفوائدها …إلخ، وكلها فتاوي تكشف عن مركزية مفهوم المصلحة العامة ومصالح العباد من خلال التجديد الديني. كانت المدرسة الإصلاحية تنطلق من تجديد الفقه عبر تحري مفهوم المصلحة الذي رسخ له علم أصول الفقه.

الإمام محمد عبده

   استمرارا لهذا النهج الذي بدأه الإمام محمد عبده، ركز الشيخ عبد المتعال الصعيدي بدوره على أهمية المصلحة في تجديد علم الأصول، ومنح المصلحة مكانة مركزية في عملية التجديد، وحين تمنح المصلحة هذه المكانة فإن ذلك تأكيداً على أهمية مراعاة الواقع واحتياج البشر وفقاً لتنوع المكان والزمان، بما يعني أهمية التركيز على دنيوية الإسلام وأهمية عنايته بالمجتمع، ويرى الصعيدي أن «القاعدة الأصولية التي تنص على جلب المصلحة ودفع المفسدة هي التي جعلت فكرة عالمية الإسلام فكرة واقعية يسهل تطبيقها في كل زمان ومكان»، وهنا كانت فتاوي الشيخ الصعيدي حول الحرية الدينية، والحدود الإسلامية، وتقييد الطلاق، ومنح المرأة حق الخلع مقابل حق الطلاق للرجل.

    إن مفهوم المصلحة في علم أصول الفقه إنما يطرح أهمية البناء الاجتماعي في عملية التشريع، ولما كان البناء الاجتماعي متغير ومتطور، وكذلك مصالح العباد متغيرة ومتطورة، كانت المصلحة مؤسسة نظريا في علم أصول الفقه، ومطبقة عمليا في منتج الفقه عبر مسار تطور المنتج الفقهي في التاريخ الإسلامي.  

الحرية الدينية في الإسلام، وحرية الفكر في الإسلام، للشيخ عبد المتعال الصعيدي

          والواقع أن تركيز مدرسة الإصلاح الديني بعامة، والشيخ عبد المتعال الصعيدي خاصة على أهمية رعاية المصلحة في أصول الفقه إنما يجد أصوله في تراثنا القديم حيث كتب نجم الدين الطوفي الحنبلي (657 هـ – 716 هـ / 1259 – 1316م) في رسالته الشهيرة بعنوان (رسالة في رعاية المصلحة). يؤاد الطوفي في هذه الرسالة على أن أقوى أدلة الفقه هي النص والإجماعن وأنها إذا اتفقت مع المصلحة كان ذلك أمراً طبيعياً، لأن الشرع يراعي مصالح العباد، وإن اختلف النص والإجماع مع رعاية المصلحة وجب تقديم المصلحة عليهما، فالنص والإجماع إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفها، فإن وافقاها فنعم ولا تنازع إذا اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم وهي: النص، والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام «لا ضرر ولا ضرار»، وإن خالفاها وجب تقديم المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما، ويؤكد الطوفي على أن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع وخاصة في المعاملات، في حين أن النص والإجماع يؤخذ بهما في العبادات، والمعروف أن العبادات أقر للثبات منها إلى التغير، في حين أن معاملات المسلمين متغيرة ومتطورة، ولذا كانت رعاية المصلحة فيها مقدمة على النص والإجماع. 

رسالة في رعاية المصلحة للإمام نجم الدين الطوافي   

          ويرى نجم الدين الطوفي أنه «من المحال أن يراعى الله عز وجل مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أهم، فكانت بالمراعاة أولى، ولأنها أيضاً من مصلة معاشهم، لأنها صياحة أموالهم ودمائهم، وأعراضهم، ولا معاش لهم بدونها، فوجب القول بأنه راعاها لهم». ويحاول الطوفي أن يبرز طبيعة علاقة المصلحة بالنص والإجماع فيرى أنه إذا اختلفت المصلحة مع النص والإجماع أمكن الجمع بينهما بوجه ما، مثل أن يحمل بعض الأدلة على بعض الأحكام والأحوال دون بعض على وجه لا يخل بالمصلحة… وإن تعذر الجمع بينهما قدمت المصلحة على غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا ضرر ولا ضرار» في نفي الضرر المستلزم لرعاية المصلحة فيجب تقديمه، ولأن المصلحة هي المقصودة من سياسة المكلفين بإثبات الأحكام وباقي الأدلة كالوسائل، والمقاصد واجبة التقديم على الوسائل. هذا الموقف الفقهي الذي ارتضاه الطوفي نجد صداها في رؤية الصعيدي والذي يكشف عن مدى مرونة علم الأصول في ضرورة مراعاة التغيير في صالح العباد.

          ويبرر نجم الدين الطوفي أهمية المصلحة وأنها كانت مسبقة على الإجماع وأن «منكري الإجماع قالوا برعاية المصلحة، فهي إذاً محل وفاق والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفقوا عليه أولى من التمسك بما اختلفوا فيه، كما أن النصوص مختلفة ومتعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام، أما رعاية المصلحة فهى أمر متفق في نفسه لا يختلف فيه، وهى حجر زاوية أساسي في عملية الإصلاح والتجديد».

 حين اتضح للدولة وللمجتمع في مصر معا حجم المخاطر التي تهدد البناء الاجتماعي، وأهمية مراعاة مصالح العباد في ظل تغير أحوالهم نتيجة تزايد معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة – وفقا للإحصاءات الرسمية، طرحت الدولة أهمية أن يكون الطلاق كتابياً موثقا – وليس شفاهيا فقط – حفاظا على استقرار الأسرة المصري ومحاولةً للتريث قبل وقوع الطلاق، وحفاظا علي حقوق الزوجة والأبناء بعد وقوعه. لذا استنجدت الدولة بصاحب السلطة الروحية في المجتمع ممثلا في فضيلة الإمام شيخ الأزهر بضرورة بحث الأمر. اجتمع شيخ الأزهر بهيئة كبار العلماء بالأزهر التي اكتفت بالإقرار بأن الطلاق الشفاهي يقع استنادا على الموروث التقليدي للفقه القديم، ولم يتسع صدرها للنظر باهتمام؟ أكبر لمصلحة العباد ومعاناتهم، وهو ما كان يستدعي تقديم اجتهاد في هذه القضية يراعي المصلحة التي تقتضيها وتستهدفها الشريعة الإسلامية، تلك المصلحة التي رسخ لها علم أصول الفقه وجعلت أصولياً حنبلياً بارزاً كنجم الدين الطوفى يقدم المصلحة على النص والإجماع.

بيان هيئه كبار العلماء بالأزهر على فتوى الطلاق الشفاهي وحديث شيخ الأزهر

في اجتهاده في قضية تقييد تعدد الزوجات، يقول الصعيدي «لولي الأمر أن يقلب المباح حراما لمصلحة المجتمع عندما يسيئ المسلمون استعمال الحلال. وإذا كان الأمر في ذاته مباحاً، إلا أن الله لم يبح لنا الأشياء إلا في حدود المصلحة، فإذا انتفت المصلحة انتفت الإباحة»، ويضيف الصعيدي في مخطوطته «في ميدان التجديد» بوجوب أن يكون الطلاق بعقد كتابي بشهود لأنه أبغض الحلال عند الله، وينبغي أن يكون بميثاق غليظ، كما هو الحال في عقد النكاح.

الوسيط في تاريخ الفلسفة الإسلامية، المجددون في الإسلام، في ميدان الاجتهاد، للشيخ الصعيدي

د. أحمد سالم

أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: