منوعات

الوثائق البريطانية تفشل في توقع الطوفان الذي اجتاح مصر ليلة 23 يوليو

رغم وضع الحكومة البريطانية وأجهزتها الأمنية، ما يجري في الشارع المصري عام 1952 تحت المجهر، ورغم محاولة خبرائها وعملائها التوصل إلى تقدير موقف حقيقي للأزمة التي تصاعدت عقب إقالة حكومة الوفد عشية حريق القاهرة في 26 يناير من ذات العام، إلا أن أحدا من هؤلاء الخبراء لم يتوقع «الطوفان» الذي اجتاح مصر ليلة 23 يوليو فأسقط النظام الملكي وأنهى حكم الأسرة العلوية.

فى آخر تقرير -تقدير موقف- أعدته السفارة البريطانية قبل ثورة 23 يوليو 1952، وأرسلته إلى الخارجية البريطانية فى 13 يوليو 1952 أى قبل قيام الثورة بعشرة أيام فقط، قدم القائم بالأعمال البريطانى كريزويل تصور خبراء السفارة البريطانية بمصر لتطور الأوضاع السياسية الداخلية فى البلاد فى الشهور الثالثة التالية (يوليو –أغسطس – سبتمبر 1952)، وهو تقرير طريف يبين إلى أى مدى كانت أحداث الثورة مفاجئة بالنسبة للإنجليز الذين كانوا يضعون أيديهم على نبض الحياة السياسية فى مصر.

يقول التقرير الذي عرضه المؤرخ الكبير الدكتور رءوف عباس حامد في كتابه «تاريخ مصر.. إلى أين؟»: «إن نوايا الملك فاروق هى مفتاح الموقف كله، فمنذ 26 يناير لدينا الدليل الكامل على أنه كان على استعداد للتخلص من أى وزارة تمارس سياسة تتعارض مع أهدافه الخاصة، ولهذا السبب يصعب تحدي السياسة التى سوف تتبعها وزارة حسين سرى باشا الذى تولى السلطة فى 2 يوليو، فمهما كانت أفكار حسين سرى فإنه لن يتم تنفيذها إلا إذا تطابقت مع أهداف الملك».

«كتابة تاريخ مصر.. إلى أين؟».. الدكتور رءوف عباس حامد

وذهب التقرير إلى أن الملك فاروق أراد بإسقاط وزارة نجيب الهلالى ومجيء سرى إلى الحكم، الحيلولة دون عودة الوفد إلى السلطة واستمرار العمل بالأحكام العرفية، مع بذل الوعود بالقضاء على الفساد وإصلاح قانون الانتخاب دون الإقدام على عمل حقيقى فى هذا الاتجاه.

وأشار التقرير إلى أن الملك أراد أيضا التوصل إلى حل للمسألة المصرية يعطى القصر ووزارته رصيدا سياسيا فى مواجهة الوفد، وفى حالة اضطراره إلى إجراء انتخابات فى أكتوبر 1952 فإن عليه أن يعقد صفقة مع الوفد، تحقق نوعا من التوازن بين أهداف الطرفين، كما استبعد التقرير اتجاه الملك إلى تعطيل الدستور.

وبعد استعراض لتصريحات رئيس الوزراء المكلف حسين سرى باشا عن توليه الوازرة والصعاب السياسية التى تواجهها، انتهى التقرير إلى النتائج التالية:

  • أن التطورات السياسية على مدى الشهور الثالثة القادمة (يوليو – أغسطس – سبتمبر 1952 ) سوف ترتبط بإرادة الملك ومصالحه الشخصية.
  • أن الملك سوف يعمل على تفادى عودة الوفد للحكم بقدر الإمكان دون أن يورط نفسه فى صراع علنى معه لإبقاء “خط الرجعة” مفتوحا إذا اضطرته الظروف إلى التعاون والسماح له بالعودة إلى الحكم.
  • أن حكومة سرى ضعيفة ولا مفر لها من مداهنة الملك حتى تستمر فى السلطة، ولا تستطيع أن تتبنى خطة للإصلاح أو الدخول فى مواجهة مع الوفد.
  • أن الحركات المتطرفة قد لا تظهر بصورة فورية لأن الحكومة ستعمل على صرف الأنظار عن الأحوال الداخلية بإثارة الانتباه إلى المشاكل الدولية غير أن التوتر السياسى سوف يزداد مع الفشل فى معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
  • أن سرى باشا سيعمل على التوصل إلى تسوية مع الإنجليز بتأييد من الملك ومحاولة حث الأمريكان على الضغط على الإنجليز للتوصل إلى مثل هذه التسوية لكسب تأييد المعتدلين وسد الطريق أمام المتطرفين.
  • أن حكومة سرى ضعيفة وأنه فى حالة عجزها عن التوصل إلى نتائج سريعة على صعيد العلاقات المصرية البريطاينة وإلى حل المشاكل الاقتصادية فإن ذلك سوف يؤدى إلى سقوطها بعد شهرين أو ثلاثة على الأكثر.

 الملك فاروق الأول و حسين سري باشا «إلي يسار الملك» و محمد محمود

ورغم إدراك الإنجليز للمأزق السياسى فى مصر، إلا أنه يتضح من هذا التقرير أن السفارة البريطانية كانت تتوقع استمرار اللعبة السياسية التى بدأت عشية 26 يناير 1952 بنفس قواعدها حتى سبتمبر على أقل تقدير، وتنبأت باحتمالات عودة الوفد إلى الحكم فى حالة إجراء إنتخابات حرة فى أكتوبر.

أخفقت هذه الحسابات تماما، فلم يكد يصل هذا التقرير إلى لندن (22 يوليو) حتى استقالت وزارة حسين سرى باشا، وشكل أحمد نجيب الهلالى باشا وزارته الثانية التى لم تعمر أكثر من 24 ساعة، فقد وقعت الثورة مساء نفس اليوم الذى حلفت فيه الوزارة اليمين الدستورية أمام الملك.

 وزارة نجيب باشا

وفى دوائر القصر الملكى كان الأمل فى استمرار الأوضاع على ما هى عليه كبيرا، فقد قابل المستر كريزويل القائم بالأعمال البريطانى حافظ عفيفى باشا رئيس الديوان الملكى مساء 22 يوليو 1952، ونقل ما دار فى المقابلة إلى وزارة الخارجية البريطانية فى برقية أرسلها الساعة الحادية عشرة مساء نفس اليوم ذكر فيها أن حافظ عفيفى قال له:

«إننى الآن أكثر ثقة بالمستقبل مما كانت عليه منذ ستة شهور مضت، فقد عاد نجيب الهلالى إلى الحكم وفق شروطه، وأن الحكومة الجديدة ستستمر فى الحكم لفترة طويلة، وقد قبل الملك شروط الهلالى، لأنه لا يقبل بديله على ماهر فى الحكم، وأن الملك الآن أصبح يدرك خطورة التدخل المتزايد للقصر فى عمل الحكومة، وأنه غاضب على إلياس أندراوس وكريم ثابت وأصبح

يدرك مساوئهما، وأن الحكومة الجديدة ستكون حكومة حقيقية….».

حافظ عفيفى باشا رئيس الديوان الملكى

وأكد حافظ عفيفى للقائم بالأعمال البريطانى أنه على ثقة من أن التذمر داخل الجيش سيتم القضاء عليه خلال عشرة أيام، وأبدى ثقته فى إسماعيل شيرين باشا وزير الحربية الذى رشحه بنفسه للهلالي لأنه يعرفه منذ طفولته فهو رجل ذكى على حد وصفه.

وأشار عليه أن شرين باشا هو أنسب الناس للتعامل مع الضباط الصغار الساخطين الذين يفهم جيدا وجهة نظرهم، وأن النية متجهة إلى إحالة كل من اللواء سرى عامر مدير سلاح الحدود واللواء محمد نجيب إلى التقاعد، ورغم أن حيدر باشا قد أثبت عجزه عن معالجة الموقف فإنه سيبقى فى منصبه إلى حين، وأن محمد نجيب ليس ضابطا جيدا، وأنه يعتقد أن تركه فى منصبه الحالى بالقاهرة سوف يثير المتاعب.

إسماعيل شيرين باشا وزير الحربية

ورأى حافظ عفيفى أن الضباط الشبان سوف يهدأون إذا تم منحهم بعض الترقيات، ولكن كريزويل لفت نظره إلى أن تذمر الضباط ليس إلا تعبيرا عن السخط العام فى البلاد على الطريقة التى جاء بها حسين سرى باشا إلى السلطة وخاصة علاقة سرى باشا بعبود باشا.

وختم القائم بالأعمال البريطانى برقيته بتعقيب على الحديث الذى دار بينه وبين حافظ عفيفى باشا قائلا: «إننى اعتبر الوضع العام مطمئنا الآن، والأمر يتوقف على مدى قدرة الملك على الاحتفاظ بزمام الموقف السياسى فى يده، وخاصة عندما يعود النحاس باشا من أوروبا فى الخريف، ولكن إذا أحسنت الحكومة الجديدة القيام بعملها ونجحت فى معالجة الموقف المضطرب داخل الجيش فإن هناك فرصة معقولة لتحقيق الاستقرار خلال الشهور القادمة».

ويقول الدكتور رءوف عباس في كتابه المشار إليه: «هكذا عندما كان ضابط اللاسلكى بالسفارة البريطانية يرسل هذه البرقية إلى لندن الساعة 19:11 مساء 22 يوليو كانت طلائع قوات الضباط الأحرار تتجه نحو رئاسة الجيش بالقاهرة لاحتلالها، وما كادت البرقية تصل إلى لندن ظهر يوم 23 يوليو 1952 حتى أصبحت غير ذات موضوع؛ فقد فرض أولئك الضباط، الذين ظن حافظ عفيفى أن بعض الترقيات سوف تفرغ طاقاتهم الثورية، فرضوا واقعا جديدا وقلبوا رأسا على عقب الحسابات… كل الحسابات.

الضباط الأحرار

ويضيف عباس: ولما كان من الثابت أن أنباء قيام الضباط الأحرار بحركة ما قد تسربت إلى الملك فيما بين الساعة التاسعة والساعة العاشرة من مساء 23 يوليو 1952 مما دعا قائد الجيش إلى عقد مؤتمر عاجل لكبار الضباط بمقر رئاسة الجيش بكوبرى القبة، وهو ما سهل للثوار القبض على قيادات الجيش دفعة واحدة عند احتلال قواتهم لمقر الرئاسة، فإن البرقية سالفة الذكر تقطع بأن أنباء الحركة لم يصل إلى مسامع الملك، وإلا وجدنا له انعكاسا في فى حديث حافظ عفيفى مع كروزويل، ويبدو أن المعلومات التى أبلغت إلى الحرس الملكى عن الإعداد لحركة يقوم بها الضباط الأحرار أبلغت لحيدر باشا بصورة أو بأخرى دون أن يوضع الملك فى الصورة.

ومهما كان الأمر فإن عجلة التاريخ تحركت فى نفس الوقت الذى كانت فيه السفارة البريطانية ترسل البرقية السابقة إلى لندن، وبعد ثمان ساعات فقط كان القائم بالأعمال البريطانى يرسل برقية عاجلة إلى لندن فى الساعة 6.55 من صباح يوم 23 يوليو نصها كالتالى:

«بلغتنى معلومات مؤكدة تفيد أن مجموعة من الضباط المنشقين قد استولت على السلطة بالقاهرة خلال الليل، وأن الشرطة تطيع أوامر هذه المجموعة، وقد وصلتني رسالة من قادة المجموعة أبلغني بها أحد أعضاء السفارة الأمريكية مفادها إنهم سوف يقاومون أى تدخل بريطانى مقاومة منظمة، وأن الحركة ليست موجهة ضد الأجانب، ولكن تهدف إلى القضاء على الفساد المستشرى فى البلاد. ولا يجب أن تتدخل القوات البريطانية لإبقاء الملك فاروق على عرشه، وسوف أتذكر هذا جيدا إذا طلب منى القصر التدخل، غير أن رؤساء الأركان الإنجليز سوف يتخذون بلا شك الإجراءات الكفيلة بضمان تأمين تحركات قواتنا فى منطقة القناة.

وقيل أن الحركة بقيادة ضابط شاب من القوات الجوية، وأنها بلا شك تضم نفس مجموعة الضباط التى أثارت المتاعب فى نادى الضباط، وهؤلاء الرجال من المتحمسين للوفد، ومن الواضح أن الوضع سيزداد خطورة بعد عودة قادة الوفد من فرنسا. ولا أستطيع أن أحدد فى الوقت الحاضر مدى قوة هذا التمرد، ولكن لما كان اللواء نجيب منضما إلى الحركة فمن الممكن أن تكون كل القوات بالقاهرة مشتركة بالتمرد.

وسوف أبرق لكم فور حصولى على معلومات أخرى…

ووفقا للدكتور رءوف عباس فإن هذه البرقية «الوثيقة» قد أعلنت نبأ الطوفان الذى اجتاح حقبة تاريخية بدأت بثورة 1919 وأرسى قواعدها دستور 1923 وحفلت بالصراع بين قوى ثلاث (الوفد والقصر والإنجليز)، حتى توقيع معاهدة 1936 ثم بدأت تظهر قوى سياسية جديدة أنبتتها الحركة الوطنية لما عجز الوفد عن تحقيق الأمانى الوطنية، فاشتد عود حركة الإخوان المسلمين ونزلت ميدان العمل السياسى رسميا عام 1939، وكذلك حركة مصر الفتاة، وازداد نشاط الجماعات الماركسية منذ سنوات الحرب العالمية الثانية، وأصبحت الحركة السياسية المصرية تدور حول محورين (التحرر الوطنى والعدل الاجتماعى)، وكلاهما كان مفقودا، فجاء طوفان 23 يوليو ليجتاح الساحة السياسية المصرية ليفرض واقعا جديدا نستطيع أن نتبينه بين سطور الوثيقة السابقة، فلم تعد السفارة البريطانية صانعة للأحداث بل أصبحت تستمد معلوماتها من جهة أخرى وهي السفارة الأمريكية. «إن المعلومات الخاطئة حول الشخصية التى قادت الثورة، وحول التوجه السياسى للمجموعة التى قادت الثورة بينت المفاجأة كانت مهولة: فقد بنيت الحسابات على أساس استمرارية الوضع السياسى  القائم وعلقت الآمال على وزارة نجيب الهلالى، وارتاح بال رئيس الديوان الملكى الذى أعلن للقائم بالأعمال البريطانى اطمئنانه للوضع قبل الثورة بساعة واحدة وأنه يعتزم السفر إلى أوروبا لقضاء أجازة صيف، فإذا بالضباط الأحرار يعصفون بكل هذه الآمال ويفتحون صفحة جديدة من تاريخ مصر المعاصر».

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: