رؤى

«عبدالناصر» بين «توفيق الحكيم» واليسار المصري (1-3)

(…. للأستاذ توفيق الحكيم، الأديب الكبير والمفكر العّلّمْ الذى أثرىّ الحياة الفكرية والأدبية في مصر والعرب على مدى سنوات طوال، له منزلة كبيرة عند أجيال مُتعاقبة من أبناء هذا الوطن، بمعناه القُطري والقومي…

غير أنه كان، ولازال، له موقعاً خاصا في حياتي، لا يُدانيه حُبّاً وإعجاباً إلاّ القليل من أصحاب القلم، فقد قرأت له مثل غالبية أبناء جيلي روائعه الأدبية والفكرية مثل «عودة الروح» و«يوميات نائب في الأرياف» و «عصفور من الشرق» و «أهل الكهف» و«السلطان الحائر» و «بنك القلق» وغيرها من الأعمال التي يضيق المجال عن ذكرها والتوقف عندها واحدة إثرّ أخرى، فذلك مجال أتمنى أن أقف عنده لأعطي هذا المُفكر الفّذْ حقه من الدرس والبحث والتقدير…

كُنت ولا زلت مُعجباً  بإبداعات الأستاذ «توفيق الحكيم» فقد شغلت سنوات الصبا والشباب من عمري إهتماماً يصل الى حّدْ الإفتنان بهذا المفكر العملاق بحق، ولذلك كنت سعيد الحظ، أن رأيته في مبنى جريدة الأهرام في الشهور الاخيرة من عام ١٩٦٨، وعن طريق الأستاذ «لطفي الخولي» رئيس تحرير مجلة الطليعة اليسارية، التي كانت تصدر عن تلك المؤسسة العريقة، لقد أحسست وقتها، أنني أنظر الى الأهرام، أهرام الفراعنة، بكل شموخها وعظمتها وهيبتها، ذلك الأثر الخالد الذي تركه أجدادي الفراعنة للإنسانية دليلاً على عظمة وعبقرية هذا الشعب…..

كانت لحظة نادرة في حياتي لن أنساها عمري، فقد قدمني الأستاذ «الخولي» له بكلمات طيبة، ولم أسمع منه سوى دعاء الى الله بالتوفيق، في الوقت الذي كانت يديه الحانية تّربُت على كتفي….

ولذلك كانت صدمتي بالغة عندما نّشرّ كُتيباً صغيراً مّنسوباً اليه في عام ١٩٧٤، كان عنوانه «عودة الوعي» وكما لو انه هو الوجه الآخر المُكّمٍل لروايته الرائعة «عودة الروح»…!!

ففي تلك الرواية أّرّخّ الأستاذ «الحكيم» لنهضة الشعب المصري في ثورة ١٩١٩، وصّدّرها بكلمات يقول فيها «إن المصري ينهض عندما يجتمع الكل في واحد» وهو قول يدعو صراحة من خلال وقائع الرواية الى الوحدة الوطنية في وجه الإستعمار وكل خطر خارجي، كان الرمز فيها واضحاً من خلال سيرة حياة الأستاذ «الحكيم» نفسه والذي يُسمّىّ «محسن» في ذلك العمل الكبير الذي توقف عنده الكثير من النُقّادْ، بالتفسير والتحليل…

 عودة الروح، عودة الوعي

أما «عودة الوعي» فكان كتاباً نّقدياً حاداً وغير موضوعي في كثير من جوانبه للرئيس «جمال عبد الناصر» والتجربة الوطنية والقومية التي قادها خلال سنوات الثورة المصرية في يوليو عام ١٩٥٢ وحتى وفاته في سبتمبر عام ١٩٧٠!!

وعندما قرأته في أول الأمر، قرأته من نسخة مصورة على ورق «فولسكاب» مأخوذة من النص الأصلي المطبوع بواسطة الآلة الكاتبة، قبل أن يصدر على هيئة كتاب من أحدى دور النشر المصرية!!

حزنت بالغ الحزن، فكيف يكتب هذا المُفكر الكبير هذا الكلام عن رجل وقائد، أحبّ وقّدّرّ الأستاذ «الحكيم» أقصى درجات الحب والتقدير، فقد أقال «عبد الناصر» الأستاذ «اسماعيل القباني» وزير المعارف، أي وزير التعليم في السنوات الأولى من الثورة من منصبه الوزاري، بعد أن إتخذ قّراراّ برفت الأستاذ «الحكيم» من وظيفته كمدير لـ «دار الكتب المصرية» وكانت تابعة وقتها لوزارة المعارف، وكانت حيثيات الأستاذ «القباني» لقراره هو  عدم إنتظام الأستاذ «الحكيم» في العمل وغيابه المُتكررْ عن الحضور!!

إسماعيل القباني، وزير المعارف بعد ثورة يوليو

وقتها قال «عبد الناصر» للأستاذ «القباني» وخلال اجتماع لمجلس الوزراء:

«اذا كنا نعيش في بلد يعرف قيمة مُفكريه مثل الأستاذ الحكيم وغيره من رموز مصر، ويأتي القرار بالفصل من الوظيفة لأسباب غير منطقية، ومن وزير يقوم على التعليم والثقافة، فان هذا المسؤول لا يحق له أن يبقى في موقعه»….

بل أن الرئيس «عبد الناصر» منح الأستاذ «الحكيم» أول تقدير في تاريخ ثورة يوليو لمفكر مصري أو عربي، فقد منحه باسم الدولة المصرية عام ١٩٥٨ قلادة الجمهورية قبل أن تُمنح لأقرانه الكٍبّار مثل الدكتور «طه حسين» والأستاذ «عباس محمود العقاد»، وفي عام ١٩٦٠ مُنٍحْ جائزة الدولة التقديرية في الأداب…

الرئيس عبد الناصر يسلم توفيق الحكيم قلادة الجمهورية

كان الأستاذ «الحكيم» له منزلة خاصة وكبيرة في قلب الرئيس، حتى أنه في إحدىّ لقاءاته معه أبدى له مدى التأثير الذي تركته رواية «عودة الروح» في نفسه وروحه، بل في نفس وروح غالبية ثوار يوليو، ومن جانبه دأب الأستاذ «الحكيم» على الإشادة بـ«عبد الناصر» في كل موقف أو مناسبة، إذ ذكر في كل محفل، على التأكيد بأن الرئيس لم يأمر بمنع أي من كتاباته النقدية أو أي عمل كتبه، سواء رواية أو مسرحية أو مقالاً، فقد وجه نقداً واضحاً للنظام السياسي بعد يوليو ٥٢ في مسرحيته الشهيرة «السلطان الحائر: بين السيف والقانون» الصادرة عام ١٩٥٩ وتم تجسيدها كعمل مسرحي على خشبة المسرح القومي التابع للدولة آنذاك، بل أن الأستاذ «الحكيم» واصل أعماله الإبداعية ذات الطابع النقدي الحاد، بأن أصدر في عام ١٩٦٦روايته الشهيرة والمُثيرة للجدل على الصعيد الفني والإبداعي، وهي مسرحية أو رواية «بنك القلق» والتي أطلق عليها فنيا «مسرواية»!!

إذ وجه فيها نقداً لاذعاً للأجهزة الأمنية وخصوصاً جهاز المخابرات العامة المصرية وغيرها، وتدخلها في الحريات العامة للأشخاص والجماعات، حتى أن الأستاذ «الحكيم» نفسه أحّسّ بالمستوى النقدي العالي الذي تجاوز ما كان مسموحاً به آنذاك في أشكال التعبير، فأرسلها الى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» رئيس تحرير الأهرام  ليأخذ موافقة الرئيس عليها، فما كان من «جمال عبد الناصر» الى أن بادر بإعطاء الموافقة عليها بل و تزكيتها وتحويلها إلى مسلسل في الإذاعة، أكثر الوسائط انتشارا في ذلك الوقت..!!!!

بنك القلق

بل أن حالة الإحتفاء التي أبداها الرئيس للأستاذ «الحكيم» عند لقاءه بعدد من مفكري مصر الكبار أمثال الأساتذة: لويس عوض وبنت الشاطئ وحسين فوزي ونجيب محفوظ وإسماعيل صبري عبد الله ولطفي الخولي وغيرهم كان لافتاً للجميع، فقد خصه هو والأستاذ «نجيب محفوظ» باهتمام كبير، خلال زيارة الرئيس للمبني الجديد للأهرام في شارع الجلاء نهاية عام ١٩٦٨…

زيارة الرئيس عبد الناصر لمبنى الأهرام الجديد 1968

وعندما انتقل الرئيس الى رحاب الله في سبتمبر عام ١٩٧٠، بدت فجيعة وحزن الأستاذ «الحكيم» واضحة بكل صورها، فقد دّعا الى إقامة تمثال للراحل الكبير على تلك القاعدة الرخامية العملاقة التي كانت تتوسط ميدان التحرير في ذلك الزمان، بل أنه دّعا الى حملة من الإكتتاب الشعبي لإقامة هذا التمثال، وكان أول المُتبرعين في تلك الحملة، بل أن مؤسسة الأهرام جعلته مُمثلاً لها بل ورئيساً لتلك الحملة…

أتذكر وقتها وفي غمرة الحزن البالغ الذي عّمّ الوطن العربي ومصر والإنسانية على رحيل «عبد الناصر» أن كّتّبّ الأستاذ «الحكيم» تلك الكلمات المؤثرة والحزينة على رحيل الرجل الذي أحّسّنّ  تقديره وخصه بحبه، كتب يقول وفي صدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام التي كان يعمل بها كاتباً مُتفرغاً:

«… أعذرني يا جمال، القلم يرتعش في يدي، ليس من عادتي الكتابة والألم يّلجُم العقل ويُذهٍل الفكر، لن أستطيع الإطالة، لقد دخل الحزن كل بيت تّفجُعاً عليك، لأن كل بيت فيه قطعة منك، لأن كل فرد قد وضع من قلبه لبنة في صرح بنائك»..

جنازة الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر»

هنا انتهت كلمات الأستاذ «الحكيم» الصادقة والبليغة، رغم قٍصّرِها وعدم الإسهاب في التعبير والتشخيص، ولذلك كانت المّعاني المُبتسرة والمُختزلة كما جاءت في كتيب «عودة الوعي» لنفس الكاتب وذات القلم، صادمة لكل من أحب الرجل ويعرف قدره في تاريخ الحياة الفكرية والثقافية المصرية والعربية بل والإنسانية، فقد ملأ الأستاذ «الحكيم» حياتنا إبداعاً وتجديداً، حواراً ونقداً، طوال سنوات طوال أمتدت مابين الثلاثينيات من القرن الماضي حتى السنوات الاخيرة من عقد الثمانينيات من القرن ذاته، فقد عاش مابين «التاسع من أكتوبر عام ١٨٩٨ الى السادس والعشرين من يوليو عام ١٩٨٧» وبدأت إبداعاته في الإنتشار والذيوع عند السنوات الأولى من عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، فكان الكاتب الرائد،  والمسرحي المُجدد في حياتنا، لا يقترب من ساحة إبداعه إلاّ القليل من المُبدعين…

ولذلك فقد أحّدّثّ كتيب «عودة الوعي» معركة فكرية كبيرة في ذلك الوقت، فبقدر سعادة وفرح اليمين السياسي والثقافي المصري، على رغم ضحالته الفكرية والثقافية، بذلك الكتيب، فان اليسار المصري، سّلّكّ مّسّلّكاً موضوعياً ومُحترماً، فقد وجه دعوة الى الأستاذ «توفيق الحكيم» الى الحوار، وكانت الصداقة العميقة التي كانت تربط الأستاذ «لطفي الخولي» بالأستاذ «الحكيم» سبباً لعقد سلسلة من الحوارات الخصبة والعميقة في مقر مجلة الطليعة اليسارية بمبنى جريدة الأهرام، ونشر كل جلسات الحوار على  صفحاتها، حالة أقرب إلى التفكير «بصوت عّاْلٍ، «كما يقولون» بين الأستاذ «الحكيم» وعدد من مفكري اليسار الكبار، وكان على رأسهم الأستاذ «خالد محيي الدين» الذي جاءت كلماته وتصوراته خلال ذلك الحوار النادر، مّزيجاً نبيلاً بين إنتماءه اليساري فكراً وثقافة ومنهجاً وسلوكاً، وبين تاريخه كواحد من ثوار يوليو الكبار….)

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: