منوعات

أزمة فيروس كورونا بمصر وتونس ولبنان

اندلعت أزمة فيروس كورونا في ظل أزمة إقتصادية حادة تواجه معظم بلدان العالم لتكشف عن مدى التردي الذي تعاني منه منظومة الخدمات العامة، خاصة في مجال الصحة بالعديد من البلدان، ما أثار الكثير من المخاوف والتساؤلات المتعلقة بمدى قدرة البلدان المختلفة على إدارة تلك الأزمة، وهل ستتمكن من تحقيق نوع من العدالة الإجتماعية فيما يخص توفير الخدمات العامة من حيث الإتاحة والجودة وإمكانية الوصول؟

في ظل إهتمام «منتدى البدائل العربي للدراسات» بدراسة منظومة السياسات العامة بالبلدان العربية، قام المنتدى بإجراء دراسة صدرت خلال شهر مايو 2020 تحت عنوان: «أزمة فيروس كورونا: هل يحقق نمط السياسات السائد الحماية للجميع؟  مصر – لبنان – تونس .. دراسة مقارنة» بمشاركة عدد من الباحثين تحت إشراف الأستاذ محمد العجاتي الباحث المتخصص بمجال دراسات المجتمع المدني ورئيس منتدى البدائل العربي للدراسات.

هدفت الدراسة إلى التعرف على كيفية تعامل البلدان الثلاثة مع أزمة تفشي وباء كورونا، وذلك عبر طرح تساؤل رئيسي: «هل طريقة صنع السياسات العامة والنمط الاقتصادي ومنظوماته القائمة في المنطقة العربية، قادرة على التعامل مع الأزمات الطارئة والحادة بفعالية وكفاءة تراعي قواعد العدالة؟» وذلك عبر طرح طبيعة السياسات العامة التي تم تطبيقها ومدى الشفافية في التعامل مع الأزمة وهل كان هناك دورا لمؤسسات المجتمع المدني والمحليات بتلك الأزمة والآلية التي اعتمدت عليها البلدان الثلاث في اتخاذ القرار.

مصر وأزمة كورونا

مثلت واقعة تسجيل 12 إصابة بفيروس كورونا دفعة واحدة لمصريون على متن مركب سياحي وصل الأقصر عبر رحلة نيلية من أسوان يوم 7 مارس 2020 نقطة تحول في استجابة وزارة الصحة المصرية والدولة لخطورة فيروس كورونا، فقررت وزارة الصحة تشكيل «غرفة العمليات المركزية للتصدي لفيروس كورونا المستجد» إلى جانب تخصيص 27 مستشفي – حين ذاك بواقع مستشفي لكل محافظة- لفحص الحالات المشتبه بها، مع تخصيص خط اتصال ساخن لاستقبال اتصالات الحالات.

حين وصل عدد الحالات لمائة إصابة تم تشكيل «اللجنة العليا الوزارية لإدارة أزمة كورونا» واتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير الإحترازية التي بدأت بتعليق الطيران وإغلاق المدارس والجامعات والمساجد والكنائس ومنع التجمعات العامة ومنع إقامة الأفراح والعزاء وإيقاف كافة الأنشطة الرياضية، مع نشر حملات للتوعية بمختلف وسائل الإعلام، وصولا لقرار فرض حظر التجوال من السابعة مساء حتى السادسة صباحا، ومع مطلع شهر مايو بدأ الحديث حول ضرورة عودة الحياة لطبيعتها والتعايش مع الفيروس مع اتباع الإجراءات الإحترازية وذلك تحت دعوى ضرورة استمرار دوران عجلة الإنتاج الإقتصادي.

كشفت أزمة كورونا مدى القصور الشديد الذي يعاني منه قطاع الصحة الحكومي بمصر فيما يتعلق بعدد الأطباء والتمريض، فمع تزايد أعداد المصابين بالفيروس اضطرت وزارة الصحة إلى تغيير شكل المواجهة التقليدية للوباء بأن أغلقت العيادات الخارجية بكافة المستشفيات وتم تحويل طاقة العمل بكاملها إلى الوحدات الصحية لتحقيق الإستفادة القصوى من فريق العمل الطبي.

الإجراءات الإحترازية التي دعت إليها الحكومة قوبلت في البداية بالترحاب من قبل المواطنين والمجتمع المدني على حد سواء، وشهدت مصر عدد من مبادرات الإغاثة من قبل مؤسسات المجتمع المدني لمواجهة انتشار الفيروس، كان منها مبادرة مؤسسة «أهل مصر للتنمية»، ومبادرة «بنك الطعام المصري» لدعم العمالة اليومية، ومؤسسة «أبواب الخير» ومؤسسة «مصر الخير» و«جمعية رسالة» إلى جانب تلك المبادرة التي أطلقها «صندوق تحيا مصر»، إضافة لمبادرات الأفرد التي انتشرت بأرجاء مصر.

لعب المجتمع المدني دورا رقابيا إعتمادا على الدور الفاعل الذي باتت تلعبه وسائل التواصل الإجتماعي  واستجابت الحكومة المصرية لبعض المطالبات التي صدرت عن المجتمع المدني بشكل جزئي فيما يتعلق بضرورة الاهتمام بالعمالة المؤقتة، غير أنها لم تستجب لتلك المطالبات الخاصة بالإفراج المشروط المؤقت عن السجناء الذين لم تصدر بحقهم أي أحكام.

المحليات التي غابت منذ عام 2011 لم تجد الدراسة لها أي دور واضح لها سوى متابعة قررات المركز، حيث تابعت المحافظات عملية إغلاق المحال والمقاهي المخالفة لقررات الحظر إلى جانب متابعة قررات إغلاق مراكز الدروس الخصوصية، وذلك دون أي دور فاعل حقيقي في التعامل مع الأزمة ذاتها.

تونس وأزمة كورونا

اتخذت الحكومة التونسية في مواجهة أزمة كورونا مجموعة من الإجراءات كان من أهمها الحجر الصحي الشامل، والذي يعني عدم الخروج من البيت إلا لقضاء الحاجات الحيوية كالغذاء والصحة، وذلك في نطاق الحي السكني لا غير، كما تم إغلاق المجال الجوي والبحري والبري ووقف النقل بين المدن بمختلف الوسائل، مع إتخاذ عدد من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية لصالح الفئات المهمشة والعائلات الفقيرة وتخصيص منح للحرفين وأصحاب الأعمال التي تم إغلاقها.

قام الهلال الأحمر مع عدد من الجمعيات الأهلية بتونس بالتنسيق مع البلديات بإجراء حملة تعقيم وتنظيف للطرقات والمحلات والمؤسسات، كما قامت الجمعيات المعنية بالصحة بحملات في الأحياء الشعبية، وبشكل عام مثلت أزمة كورونا أول إختبار للبلديات في تونس منذ الإنتخابات التي أجريت لها في شهر مايو 2018 حيث كثفت من عمليات المراقبة الصحية على المحلات وتوقيت إغلاق المقاهي، وتنفيذ الحجر الصحي لمن يشتبه بإصابته بالمرض، إضافة لمشاركة البلديات في حملات التوعية عبر مكبرات الصوت بمختلف الأحياء.

لبنان وأزمة كورونا

تدرجت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مواجهة أزمة كورونا وشملت فرض حظر تجوال ليلي مع إغلاق جميع المرافق الجوية والبحرية والبرية، ووقف العمل بالمدارس والجامعات، غير أن أزمة كورونا أتت لتلقي الضوء على الأزمة الإقتصادية الحادة التي تعيشها لبنان ولتكشف عن عورات العديد من المؤسسات وعلى رأسها مؤسسات القطاع الصحي، ففي ظل ندرة المستلزمات الطبية وجشع التجار الذين عمدوا إلى تصدير المتاح منها للخارج بهدف الربح ارتفعت أسعارها بشكل كبير، ما جعل وزير الإقتصاد يصدر قرارا بمنع تصدير تلك المعدات والمستلزمات الطبية.

عمق أزمة قطاع الصحة بلبنان الذي أكدت عليه الدراسة يعود إلى خصخصة هذا القطاع الذي تعاظم ونمى بشكل متزايد في أعقاب الحرب الأهلية حيث جرى الترخيص لعدد متزايد من المستشفيات الخاصة على حساب الحكومية، وقد عمدت المستشفيات الخاصة إلى الاستفادة من أزمة كورونا بهدف تحقيق أعلى عائد من الربح إضافة إلى «ابتزاز الدولة» بهدف الحصول على مستحقاتها التي لم تسددها الحكومة، بما في ذلك المتوجبة على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصناديق الصحية العسكرية.

هذا وقد لعبت البلديات في لبنان دورا كبيرا في مواجهة أزمة كورونا عبر إعداد فرق عمل وتخصيص خطوط ساخنة للتواصل مع حالات المرضى، ومسح الاحتياجات وتعقب المخالطين وتأمين التنسيق بين كافة المعنيين، إضافة لتوزيع المعقمات على المنازل وتوزيع منشورات توعية والمشاركة في خطة توزيع الحكومة لتوزيع المساعدات على العائلات الفقيرة.

من جانب آخر قامت البلديات بلبنان بسلسلة من الإجراءات والتدابير عبر وضع خطط خاصة بمراقبة التزام السكان بمنازلهم ومنع التجمعات ومراقبة المؤسسات المستثناة من وقف العمل بمتابعة مدى التزامهم بالإرشادات الوقائية.

أما المجتمع المدني بلبنان فقد لعب دورا في الضغط على الحكومة من أجل تحمل تكلفة تذاكر المغتربين الراغبين بالعودة إلى لبنان لا سيما المحتاجان منهم.

بين الحلول الأمنية وضعف البنية المؤسسية

أتى وباء كورونا ليعيد اختبار الحلول الأمنية التي تعتمدها بعض بلدان العالم في مواجهة الأزمات ومدى قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع الأزمات الطارئة، فعلى الرغم من كل الجهود التي بذلتها حكومات الدول الثلاث في مواجهة الأزمة، إلا أن نتائج الدراسة قد أشارت إلى أن إلزام المواطنين بالحجر الصحي العام واعتماد المقاربة الأمنية دون تمكين المواطنين من الأساسيات الحيوية من غذاء ودواء قد أدى إلى مزيد من الفشل الذي نجم عنه كسر الفئات والشرائح الأكثر تضررا للتعليمات الخاصة بالإجراءات والتدابير الإحترازية ضد الوباء كما حدث بمصر، أو بالتمرد والإحتجاج كما حدث بلبنان.

الدراسة أكدت على أن الخلل لم يكن قاصر على البنية المؤسسية فحسب وإنما امتد ليشمل السياسات المقيدة لحركة الدولة ومؤسساتها، فسياسات الرعاية الإجتماعية على سبيل المثال في حاجة إلى التوسع في الإنفاق العام في إطار منظومة دعم متكاملة، وذلك على عكس ما تروج له مؤسسات التمويل الدولية التي تقوم على اتباع سياسات التقشف، حتى أنه وفي ظل أزمة كورونا تم فرض ذات الأجندة التقشفية على لبنان بدعوى الخروج من الأزمة الإقتصادية.

من ناحية أخرى لفتت الدراسة النظر إلى أن محاولات الدول الثلاث للتعامل مع أزمة كورونا كشف عن شعور عال بالمسؤولية، إلا أنها قد أبرزت وجود احتياج واضح لإدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة، وهو ما يتطلب اتباع منهج مغاير في صنع السياسات العامة على المستوى الإجرائي والتقني.

انتهت الدراسة إلى أنه وعلى الرغم من كون الدول الثلاث ليست على ذات الدرجة من المركزية، إلا أن إدارة الأزمة فيهم اتسمت بالمركزية الشديدة، وجاءت الأدوار التي لعبها المجتمع المدني والمحليات بشكل لاحق، مع عدم وجود أي أشارة تدل على وجود تشاور ما بين الحكومات والمجتمع المدني.

ولعل الدرس المستفاد من أزمة كورونا يتمثل في ضرورة العمل على إيجاد آلية مجتمعية لضمان مشاركة المواطنين في صنع القرار مع إتاحة مساحة أكبر لمؤسسات المجتمع المدني للعب دور فاعل في مجال وضع السياسات العامة والمتابعة والمراقبة والتنفيذ وذلك بهدف تحقيق نوع من العدالة الإجتماعية في توزيع الموارد وتحقيق الإستفادة المثلى منها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: