رؤى

«عبدالناصر» بين «توفيق الحكيم» واليسار المصري (3-3)

(… الحوار الموضوعي والشامل الذي دعا اليه الأستاذ ” لطفي الخولي ” وضم عدداً وافراً من مفكري اليسار ، ليحاوروا ويناقشوا الأستاذ ” توفيق الحكيم ” فيما ورد بكتيبه ” عودة الوعي ” الصغير الحجم والقيمة ، هذا الحوار الهام قيض الله له أن يكون أحد أهم الوثائق التي تُجسد رؤية اليسار بمختلف تياراته السياسية والفكرية ، بنشره عَلى صفحات مجلة الطليعة اليسارية الشهرية عَلى مدى سبعة أعداد ، ولكن الأهم هو ما ورد عَلى لسان الأستاذ ” الحكيم ” سواء خلال جلسات الحوار أو ما تضمنه البيان الختامي الصادر عن هذا الحوار ، فإنه يُمِثلْ تّراجُعاً لمفكرنا الكبير عّمّا ورد في كُتيبه السابق من آراء اتسمت بالخفة والتّسرُعْ عَلى غير ما هو معروف عنه من الفحص والدقة ، بل والحذر فيما يّكتُب !!

هذا الحوار الهام ، كان له نصيب آخر من النجاح الى حد الإكتمال ، فقد سارع الصحفي اللبناني الكبير ” فؤاد مطر ” العاشق لمصر والمُحب لليسار المصري ، بأن أصدر عن داره  ” دار القضايا ” ببيروت ، هذا الحوار بين دفتي كتاب وصلت صفحاته الى ” 500 ” صفحة ، وتوافر فيه كل الأسس العلمية للنشر ، من اضاءة تعريفية بالمُشاركين ، فضلاً عن فهرس وكشاف تفصيلي بالأحداث والوقائع والتواريخ والشخصيات التي ورد ذكرها في هذا الحوار الخطير …

الصحفي اللبناني «فؤاد مطر»

الحوار دار عَلى تسعة جلسات ، كانت عناوينها كالتالي :

دراسة موضوعية وليس محاكمة الناصرية ، عن مصر المستقبل ، نقاط الاتفاق ونقاط الخلاف ، مع فكر الثورة ، سلبيات التجربة الناصرية ، ما الذي يبقى من الناصرية ؟ ، بحثاً عن الطريق المصري الى الاشتراكية ، الحرية والاشتراكية والوحدة ، ثم الجلسة التاسعة والأخيرة كان عنوانها ” مصر المستقبل في الزمان والمكان “، فضلاً عن البيان الختامي الصادر عن الندوة ، والذي تم صياغته من لجنة ثلاثية ضمت الأساتذة” توفيق الحكيم وخالد محيي الدين وأبو سيف يوسف ”

بمجرد الاطلاع العام على هذا الكتاب الوثيقة يُدرك القارئ ، أنه أمام نص تاريخي نادر ، فمن خلاله تستطيع معرفة أفكار ورؤية كل هؤلاء ،  من مدارس اليسار المختلفة ، فضلاً عن رؤية الأستاذ ” توفيق الحكيم ” ، ولذلك سأتوقف عند محطات رئيسية مُحددة ، فلا مّفر لمن كان له اهتماماً بالحركة الوطنية المصرية سوى اقتناء هذا الكتاب – الوثيقة ، أو العودة لأعداد مجلة الطليعة الصادرة في تلك الفترة …

يبدأ الأستاذ ” لطفي الخولي ” بشرح الأسباب التي دعته للتفكير في ذلك الحوار مع الأستاذ ” الحكيم ” وأهمها تقدير اليسار المصري للرجل بوصفه أحد أهم أعلام الاستنارة في تاريخ مصر المعاصر والحديث ، ولذلك توجه بالطلب  من كُل من ” خالد محيي الدين وتوفيق الحكيم ” أن يتحدثا في البداية ، وأن يقوم كل واحد منهما بعرض رؤيته ، وهو ما أسماه ، الأستاذ ” الخولي ” ب ” الفرشة الفكرية والسياسية “.

وهكذا تكلم ” خالد محيي الدين ” برؤية شاملة لم تتوفر حتى في مذكراته ” الآن أتكلم ” لأن حديثه جاء متجاوزاً تلك السنوات التي توقفت عندها تلك المذكرات ، قال :

” أنا في الحقيقة في غنى عن التقدير الكبير للأستاذ” توفيق الحكيم ” ، ولذلك لن أتوقف طويلاً عند هذه القضية ، أما بالنسبة لكتاب ” عودة الوعي ” فإنّ الضجة التي صاحبته وقت ظهوره ، ترافقت مع حملة شرسة من اليمين ضد عبدالناصر ، محاولة منهم لشطب التاريخ كله ، وبرغم أني اختلفت مع عبدالناصر في مارس ٥٤ وتركت مجلس قيادة الثورة ، لكن الموضوع هنا مُختلف ، هو موضوع التجربة الوطنية المصرية ، هذه قضية أخرى ، قضية تتجاوز خلافات الأفراد ، هي قضية وطن ومستقبل وشعب  ” …

وأضاف ” محيي الدين ” قائلاً ” موجهاً حديثه للأستاذ ” الحكيم ” قائلاً له :

” انّ قبولك لتقييم التجربة ، وحديثك مع اليسار ، ينفي بتاتاً فكرة أنك تريد لليمين أن يستفيد من هذا الأمر  ” …

وبعد ذلك التمهيد الإفتتاحي ، تناول الأستاذ ” خالد ” القضايا المركزية في مسيرة الثورة ومسارها وفكرها ومعاركها بصورة شيقة للغاية ، بقدر عالٍ  من الموضوعية والصدق ، فضلاً عن يساريتها التي لا جدال فيها ، حيث تحدث عن الواقع السياسي والإجتماعي قبل ثورة يوليو ، والتكوين الطبقي والأيدولوجي لثوار يوليو ، والحديث عن العودة لدستور ٢٣ ودور عبدالرزاق السنهوري وسليمان حافظ ووحيد رأفت ، رجال القانون الذين استعانت بهم الثورة في محاولة لحل مشكلات دستورية وقانونية مُتعددة ، وكان من بينها خروج الملك وقوانين الإصلاح الزراعي ، ودور النُخبة المصرية غير المُرحبة بالديمقراطية ، وتحديداً جمعية الرواد ، والتي كانت تضم أسماء كبيرة مثل ، الدكتور أحمد حسين وعبدالجليل العمري وعباس عمار وفؤاد جلال وإسماعيل القباني ، وهؤلاء كانوا يعتبرون أن حكم الوفد ، هو ” حكم رعاع ” ليس فيه أي كفاءات ” …

ويصل ” محيي الدين ” في شرحه الرائع والوافي الى ظروف وملابسات صدور قوانين يوليو الاشتراكية عام ١٩٦١ وتأثيرها الخطير والجذري والثوري في الواقع المصري ، ودورها في بناء طبقة اجتماعية جديدة من العمال والفلاحين ، وهو مايُعرف بالطبقة الوسطى والتي تُعتبر  تطوراً اجتماعياً  كبيراً في حياة مصر ، طوال تاريخها الحديث والمُعاصر  ، وذلك التغيير  الطبقي الهائل والكبير الذي أحدثته مجانية التعليم من تّطور  الوعي السياسي والثقافي ، فضلاً عن المساواة  في تكافؤ الفرص الذي لم تعرفه مصر من قبل ”  …

والآن أتكلم، لـ «خالد محي الدين»

بعد ذلك تكلم الأستاذ ” توفيق الحكيم ” فقال :

” أنا كنت مُتحمساً للثورة بإنجازاتها ، وأن عبد الناصر هو الرجل الذي انتظرته من ثلاثين سنة ، وكمان كنت غير راضٍ عن نظام الأحزاب ، ولذلك التقيت مع الثورة في وقت بدري ، في السنوات الأولى من قيامها ” …

غير أن الأستاذ ” الحكيم ” يكشف مدى قربه من الرئيس ناصر ، ليدلل عَلى صدق نواياه تجاه عبدالناصر ، بسرده لتلك الواقعة:

” بعد صدور الميثاق الوطني عام ٦٢ تحدثت الى بعض الأصدقاء لينقلوا كلامي الى الرئيس ، وقلت لهم ، أن عبدالناصر يتحمل مسؤليات لا يستطيع أن يتحملها فرد بمفرده ، فَلَو واحد  حب يشتري بطيخة ، ولو طلعت قرعة ، يمكن يشتم عبدالناصر !!  ، وقلت لهذا الصديق ، وهو من هؤلاء الأصدقاء المُقريبن من الرئيس ، لماذا لا تبلغه أن يُنظم ضغط الجماهير ، فيعمل حزبين ، والشعب عندما يغضب يَصْب غضبه عَلى الحزب الموجود في الحكم ، ويأتي بالحزب التاني ، وقد قيل لي أن كلامي هذا نُقٍلّ الى عبدالناصر ، فقال : لكن أخشى أن تحدث صراعات في البلد ويعطلون البلد ، ويصبخ شاغل كل حزب أن يحطم الحزب الآخر ، وزمان كان التطاحن في البلد بهذا الشكل ، وهو ده اللي خلانا نقوم بالثورة ، طبعاً بجانب حاجات تانية ” …

على مدى صفحات هذا الكتاب – الوثيقة والذي انتهى ببيان ختامي وافق عليه الأستاذ ” الحكيم ” وبوصفه واحداً ممن  صاغه مع الأستاذين ” خالد محيي الدين وأبوسيف يوسف ” اتفق كافة المتحدثين عَلى مجموعة من المبادئ الوطنية والتقدمية الواضحة منها :

” أن الهدف الأسمى هو مصر ، وضمان بنائها ، وتأمين تقدمها ، وتحقيق الرخاء للغالبية العظمى من أبنائها ، لكل الطبقات الشعبية والوطنية ، ويؤكد المشاركون عَلى أن بناء دولة عصرية واشتراكية ، تستند  الى قاعدة اقتصادية متينة من الصناعات الحديثة والزراعة المتطورة ، هذا البناء يجب أن يستند عَلى ركيزتين مُتلازمتين ، بالضرورة ، ومترابطتين : الأولى هي سيادة الديمقراطية ، والثانية : هي سيادة العقل .”

جميع المتحاورين ، تحدثوا بصدق وموضوعية وعلم ، محمد سيد أحمد بعبقريته ، وفؤاد مرسي بعلمه الراسخ ، ولطيفة الزيات بثقافتها الموسوعية ، وأحمد عباس صالح بعروبيته ، وعبدالعظيم أنيس بجذريته ، وأبوسيف يوسف بهدوه الإنساني وحكمته السياسية ، ومراد وهبه برؤيته الفلسفية الشاملة ، ثم لطفي الخولي بقدرته الفذة عَلى إدارة حوار خصب ووطني وتاريخي بين كل هؤلاء الكبار ….)

أحمد عباس صالح، لطيفة الزيات، خالد محيي الدين، عبد العظيم أنيس، فؤاد مرسى

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: